ـ ركان الخضر
شهدت الفترة الماضية توقيع اتفاقيات اقتصادية بين الحكومة السورية والسعودية شملت قطاعات متعددة، وتنوعت بين تعزيز البنية التحتية لقطاع الاتصالات وتطوير منظومات الربط الرقمي، وتأسيس شركة طيران سورية- سعودية لتعزيز الربط الجوي، وتشغيل وتطوير شركة الكابلات السورية الحديثة.
وتضمنت العقود الموقعة بين الجانبين السوري والسعودي التي أُعلن عنها في مؤتمر صحفي حضرته بدمشق، في 7 من شباط الحالي، المشاريع التالية:
مشروع تطوير مطار حلب الدولي الجديد وتشغيل وتحسين المطار الحالي، وتأسيس شركة طيران في سوريا لمزاولة الطيران التجاري والشحن الجوي بالشراكة مع الهيئة العامة للطيران المدني السوري.
اتفاقية لتطوير مشاريع تحلية ونقل المياه من خلال إجراء الدراسات الاقتصادية والفنية والمالية اللازمة، وإيجاد الحلول المناسبة لتقييم مشروع تحلية مياه البحر.
مشروع للارتقاء بالبنية التحتية للاتصالات في سوريا من خلال تمديد كابلات الألياف الضوئية وإنشاء مراكز بيانات، بما يُسهم في تعزيز تقديم خدمات الإنترنت، وتمكين سوريا من أن تكون مركزًا إقليميًا لنقل البيانات والاتصال الدولي.
اتفاقية تشغيل وتطوير شركة الكابلات السورية الحديثة، إضافة إلى تطوير المنصة الوطنية للتدريب والتأهيل المهني والفني والتقاني.
توقيع اتفاقية إطارية للتعاون التنموي، وإطلاق 45 مبادرة تنموية بين صندوق التنمية السوري واللجنة التنموية السعودية.
تناقش الاتفاقيات المعلنة مع خبراء اقتصاديين، محاولة الوقوف على أبرز الإيجابيات والمكاسب العائدة على الاقتصاد السوري والشركات السعودية المنفذة، بالإضافة إلى دراسة النقاط السلبية وبعض العوائق التي قد تعترض تنفيذ هذه الاستثمارات الضخمة.
المكاسب المترتبة على الاتفاقيات
يعتقد الباحث الاقتصادي محمد السلوم أن ضخ رأس مال مباشر في قطاعات سيادية ترتبط بالبنية التحتية والربط الإقليمي والاقتصاد الرقمي، وإعادة الإعمار، يعكس أن القيادة الجديدة في دمشق استطاعت إعادة إنتاج صورة سياسية واقتصادية مختلفة عن مرحلة العزلة السابقة، وفتح نافذة ثقة أولية لدى المستثمر العربي، خصوصًا من دولة بحجم السعودية.
وقال السلوم، إن دخول الرياض بهذا الحجم لا يحمل فقط بعدًا اقتصاديًا، بل يمثل “إشارة سوق” قوية بأن البيئة السياسية تتجه نحو قدر أكبر من الاستقرار النسبي، وأن مخاطر الاستثمار بدأت تنتقل من خانة “المستحيل” إلى خانة “القابل للحساب”.
وعلى مستوى صورة سوريا في الأسواق الإقليمية، أشار الباحث الاقتصادي السلوم إلى أن هذه الاتفاقيات تعمل كرافعة معنوية واستثمارية في آن واحد، لأن المستثمرين عادة لا يتحركون منفردين، بل يتبعون “مؤشرات الثقة”، وعندما تدخل السعودية في مشاريع طيران واتصالات وبنية تحتية، فهي عمليًا تعيد وضع سوريا على خارطة الفرص، وتخفض علاوة المخاطر المرتبطة بها تدريجيًا.
وبيّن السلوم أن قطاع الطيران والمطارات يبدو بوابة استراتيجية لإعادة ربط سوريا اقتصاديًا، فالإعلان عن تأسيس شركة طيران اقتصادية وتطوير مطاري حلب لا يعني فقط زيادة الرحلات، بل يشير إلى تحريك التجارة والخدمات اللوجستية وتنشيط السياحة وفتح مسارات جديدة لسلاسل الإمداد، فالنقل الجوي في الاقتصادات الخارجة من الصراع ليس قطاعًا خدميًا فقط، بل هو أداة لإعادة دمج الدولة في محيطها الاقتصادي، وإرسال رسالة بأن البلاد تستعيد قدرتها على الحركة والانفتاح.
في المقابل، يمثل قطاع الاتصالات والربط الرقمي، وفق السلوم، رهانًا بعيد المدى وأكثر عمقًا، فمشروع “سيلك لينك” لا يقتصر على تمديد كابلات أو تحسين الإنترنت، بل يضع سوريا في موقع محتمل كممر إقليمي لعبور البيانات بين آسيا وأوروبا، وهذا النوع من الاستثمارات يخلق بيئة جديدة لجذب شركات التكنولوجيا والخدمات، ويمنح الاقتصاد السوري فرصة للخروج من الاعتماد التقليدي على القطاعات الريعية، باتجاه اقتصاد رقمي أكثر إنتاجية واندماجًا.
وأشار الباحث الاقتصادي محمد السلوم إلى أن قطاع البنية التحتية الثقيلة، مثل مصانع الأسمنت ومشاريع المياه والتحلية، يمثل العمود الفقري لأي دورة إعادة إعمار، وتسهم هذه المشاريع في خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة، وتعيد تشغيل قطاعات البناء والصناعة والخدمات، وتسهم في تحسين الخدمات الأساسية التي تشكل شرطًا للاستقرار الاجتماعي، فالاستثمار في الأسمنت والمياه ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو مؤشر على أن إعادة الإعمار باتت تدخل مرحلة التنفيذ الفعلي لا مجرد الخطط.
ومن الناحية النقدية والمالية قال السلوم، إن تدفقات استثمارية بهذا الحجم قادرة على دعم سعر الصرف عبر زيادة تدفق العملة الصعبة، وتحسين احتياطي القطع الأجنبي، وتنشيط ميزان المدفوعات، كما يمكن أن ترفع معدلات النمو في الأجل القصير عبر تحريك الطلب والاستثمار، وفي الأجل المتوسط عبر بناء طاقات إنتاجية جديدة، بشرط إدارتها بشكل صحيح.
والميزة الأهم، بحسب السلوم، تكمن في أن هذه الاستثمارات تمثل خطوة في انتقال الاقتصاد السوري من “اقتصاد حرب” قائم على السوق السوداء والانكماش والتهريب، إلى اقتصاد أكثر انتظامًا وإنتاجية، حيث يصبح الاستثمار والبنية التحتية والتشغيل أدوات رئيسة بدل اقتصاد الطوارئ.
من جهته، ذكر المحلل الاقتصادي والسياسي في شؤون الشرق الأوسط، الأكاديمي محمد صالح الفتيح، عدة آثار إيجابية محتملة من توقيع الاتفاقيات الأخيرة مع السعودية، يتمثل أولها في إرسال رسالة إيجابية للمستثمرين الأجانب للقدوم إلى سوريا ومحاولة الاستثمار في البنى التحتية، مشيرًا إلى وجود حالة من العزوف من قبل المستثمرين الأجانب عن القدوم للاستثمار في السوق السورية حتى الآن، متوقعًا أن تخفف الاتفاقيات الموقعة أخيرًا مع السعودية من حدة هذا الجمود في الموقف الدولي.
وأضاف الفتيح أن الاتفاقيات الأخيرة مع السعودية تلبي بعض المتطلبات الاقتصادية والخدمية التي تحتاج إليها سوريا لبدء التعافي من مرحلة الحرب، منوهًا إلى أن بعض الاتفاقيات تأتي تحديدًا لتملأ ثغرات لا تستطيع الحكومة السورية التعامل معها حاليًا، وهو ما ينطبق على اتفاقية شركة الطيران “ناس سوريا”، فإعادة بناء أسطول شركة الطيران السورية هو مهمة عالية التكلفة وشديدة التعقيد قد تصل إلى مليارات الدولارات، فضلًا عن الحاجة للانتظار سنوات لتأهيل الكوادر الفنية والملاحية والإدارية اللازمة بعد سنوات من الجمود في قطاع الطيران السوري المدني.
وبخصوص الفائدة التي تعود على الشركات السعودية المستثمرة في هذه الاتفاقيات، بيّن المحلل الاقتصادي محمد الفتيح، أن الشركات السعودية ستكسب باعتبارها أول الواصلين إلى السوق السورية في مرحلة انتقال هذا السوق نحو اقتصاد السوق الحر، الأمر الذي يمنح الشركات السعودية فرصة البروز كلاعب رئيس ومهيمن في بعض القطاعات.
وأوضح الفتيح أن بعض الشركات السعودية التي وقعت الاتفاقيات الأخيرة، مثل “أكوا باور”، تملك فروعًا في دول عدة ويأتي التوسع إلى سوريا استمرارًا للمسار السابق، أما شركة “طيران ناس”، فيمثل خروجها إلى سوريا أول توسع لها خارج السوق السعودية، وهي مشاريع تأتي في سياق التنوع الاقتصادي الذي تعمل السعودية على تحقيقه بعيدًا عن النفط والدعم الحكومي السعودي المباشر.
العوائق والسلبيات
قال المحلل الاقتصادي محمد الفتيح ل، إن العوائق التي قد تقف أمام الاستثمارات السعودية المعلنة في السوق السورية تتركز في نوعين، رئيسي وثانوي.
يتعلق النوع الثانوي، وفق الفتيح، بالبنية التحتية والفنية والتشريعية في سوريا، ومتطلبات استكمال بعض المخططات قبل انطلاق المشاريع، موضحًا أن تنفيذ شركة “ناقل” السعودية الوطنية شبكة لنقل المياه إلى دمشق والمنطقة الجنوبية يتطلب بداية إنهاء وضع المخططات التنظيمية لإعادة إعمار دمشق وريفها وأجزاء الجنوب السوري، قبل انطلاق مشاريع نقل المياه، خصوصًا أن هذه المشاريع ستنفذ تحت الأرض وبالتالي يجب أن تنجز خططها ومساراتها في أول مراحل التخطيط.
وأشار الفتيح إلى أن العائق الرئيس الذي قد يعترض المشاريع المعلنة، يكمن في الجدوى الاقتصادية والربحية لهذه المشاريع، فمشروع شركة الطيران “ناس سوريا” سيخدم السوريين الراغبين باستخدام الرحلات الجوية، أما مشاريع شركة “أكوا باور” التي ستنفذ محطة لتحلية مياه البحر وتسهيل نقل المياه إلى دمشق والجنوب السوري، فقد تدفع إلى رفع تعرفة المياه في سوريا، لأن الشركة خاصة وتبحث عن الأرباح من خلال هذه المشاريع.
المحلل الاقتصادي محمد الفتيح، لم يستبعد ألا تبدأ الجهة السعودية بتنفيذ المشروع قبل التحقق من وجود خطوات جدية من جانب الحكومة السورية لرفع تعرفة المياه بشكل ملموس يضمن الوصول للربحية عند انطلاق المشروع السعودي، وهو ما رأيناه في مجال الكهرباء التي ارتفعت أسعارها بعيد توقيع اتفاقات إنشاء محطات الكهرباء الخمس مع “UCC” القطرية القابضة.
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي محمد السلوم، أن المخاطر التي قد تعترض المشاريع المعلنة مع السعودية، تتركز في الفساد وسوء إدارة العقود، مبيّنًا أن أي اختلال في الشفافية سيحول هذه المشاريع إلى مصدر ريعي جديد بدل أن تكون محرك تنمية.
وأضاف السلوم سلبية أخرى تتمثل في التركز الجغرافي للمشاريع في مناطق محددة مثل حلب ودمشق، دون أن ينعكس ذلك على بقية المحافظات، ما قد يعمّق الفجوة التنموية الداخلية.
ونوه السلوم إلى نقطة ثالثة تمحورت حول الاعتماد المفرط على شريك واحد، الأمر الذي قد يؤثر على “الاقتصاد الصحي” الذي يحتاج إلى تنويع الشركاء والاستثمارات لتقليل التبعية وتعظيم الاستقرار.
Related
المصدر: عنب بلدي
