علي الباشا*

لكيلا تختلط المفاهيم ويزداد اللغط بين السوريين حول هذا الموضوع، ويدخل الحابل في النابل لماذا هم ونحن لا؟ فقد عرّجت على موضوع وطني حساس يتجنبه الجميع حتى في مركز القرار رغم أنه واقعًا حقيقيًا، وهو موضوع اللغات والثقافات لدى الشعب السوري، وكيفية التعامل معها بشكل إيجابي. لما لهذا الموضوع من دور مهم في تشكيل الهوية الوطنية الجامعة على أساس سوري بحت، دون إنقاص أو تهميش أي فئة، ودون التقليل من حجم التحديات. خاصة وإننا مقبلون اليوم على بلورة سوريا الجديدة لتستعيد مكانتها بين الدول.

لهذا اعتمدت مصطلح (لغات الشعب السوري) كتسمية منصفة وموضوعية، وهو ما يوضح دون انحياز أو جدل حقيقة التنوع اللغوي في سوريا، ويتيح بنفس الوقت تبني السياسات التعليمية والثقافية في سورية ذلك على أساس علمي وواقعي.

وقبل الخوض في الكيفية والماهية، رأيت أن أوضح وبناء على طبيعة اللغات نسب التركيبة السكانية ووجدت أن “مركز حرمون للدراسات المعاصرة”، وهو مركز دراسات معتمد، وضّح أنّ نسبة السوريين العرب توازي 84.9% بينما نسبة السوريين الكرد 7.7% ويليها السوريين التركمان بنسبة 5.3%، أما السوريون السريان/الآشور فيشكلون نسبة 0.9% والسوريون الشراكسة نسبة 0.7% ومثلهم السوريون الأرمن بنسبة 0.7%.

وتعقيبًا فإن المجموع العام لما ورد هو: 99.57% والباقي تمثل الإثنيات الأخرى بنحو 0.043% وهي نسبة ضئيلة بالمقارنة لكنها كبيرة بالوجود، وهي تخص السوريين من أصول ألبانية ويونانية وروسية وإثنية السوريين اليهود وغيرها وهؤلاء أجيز تسميتهم بالشعوب الشامية المختلطة (ليفانتين).

على هذا تكون اللغات السورية كالآتي: العربية اللغة الرسمية للدولة ولغة الغالبية السكانية. ثم اللغة الكردية واللغة التركمانية واللغة الأرمنية ولغة الأديغيه التي يتحدث بها السوريين الشركس واللغة السريانية وعلى نحو منها الآشورية. هذه الفسيفساء اللغوية ذات التركيبة المتنوعة تشكل رصيدًا بنيويا غنيًا يفيض بالأمل والتفاؤل مما يجعل سورية بلدًا مميزًا في كل المشاهد.

نقترح على الحكومة السورية دراسة إمكانية إدراج لغات الشعب السوري كمادة دراسية اختيارية ضمن المناهج الدراسية تحت مسمى (مادة اللغة الوطنية)، بحيث تتيح للطلاب فرصة الإلمام بلغات أبناء وطنهم وفهم التنوع الثقافي واللغوي، مع استمرار اللغة العربية كلغة التعليم الرسمية، إذ تعتبر هذه المادة خيارًا إضافيًا يعزز الهوية الوطنية الجامعة ويثري تجربة الطالب التعليمية دون فرض أي التزام، إلى جانب اللغات الأجنبية العالمية كالإنجليزية والفرنسية. وإننا نرى أنّ مثل هذه الخطوة تأتي في إطار تقوية اللحمة الوطنية واحترام الشخصية السورية لتكون إحدى دعامات سورنة سوريا على أساس وطني.

أما الخطوات الإجرائية، فيمكن للاختصاصيين اللغويين و التربويين على مستوى وزارة التربية القيام بدراسة طبيعة هذه المادة وتحليل الجدوى التربوية ومواءمتها مع النهج الوطني وتحديد المحتوى ووضع خطة زمنية لإدراجها في المناهج مع مراعاة المراحل (وقد نوّه مؤخرًا وزير التربية السوري عن جاهزية استصدار كتب تعليمية باللغة الكردية) لدعم هذه المبادرة.

ختامًا، في مرحلة بناء سوريا الجديدة لا تمثل هذه الخطوة الوطنية إضافة مادة دراسية لغوية إلى المنهاج التعليمي(مادة لغة وطنية) فحسب، بل تمثل ظاهرة تنفيذية تجمع السوريين على كافة الأصعدة وتسهم في إثراء الهوية السورية وتعمق الأواصر والروابط بين جميع مكونات المجتمع، لنرى سوريا بكل أطيافها دائمًا واحدة موحدة!


* د. علي الباشا – كاتب سوري

المصدر: عنب بلدي

شاركها.