إبراهيم خولاني

قد يبدو غير منطقيٍ ادعاء أن تكون معارضًا اليوم أصعب منه في سنوات الثورة؛ فكيف يمكن أن يكون ذلك بعد سقوط سلطة حكمت البلاد عقودًا طويلة بالقمع والإرهاب، ومنعت أي شكل من أشكال العمل السياسي؟ غير أن النظر إلى الواقع السوري الآن يكشف أن صعوبة المعارضة لا تأتي من كون السلطة أكثر استبدادًا من سلطة نظام الأسد، فالمقارنة بينهما غير منطقة في هذا الوقت، ويضاف إلى ذلك أن مستوى الحرية الذي أتيح في سوريا بعد سقوط نظام الأسد قد يفوق ما هو عليه في بعض الدول المجاورة، ولا تأتي الصعوبة أيضًا من كون السلطة تشكل حالة نموذجية للحكم تنافس بها الدول المتطورة من حيث ترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية، فما زالت سوريا في بداية طريق بناء الدولة، وأمامها تحديات غير قليلة، وإنما تكمن المشكلة أو الصعوبة في تفكك الشروط أو الظروف، سواء أكانت ذاتية أم موضوعية، التي تجعل المعارضة السياسية فعّالة.

قبل سقوط النظام السابق، لم تكن المعارضة السورية معارضة سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة؛ فقد نجح النظام، طوال عقود سيطرته على الدولة، في تجفيف العمل السياسي في البلاد إلى حدّ بعيد، فاختفت الأحزاب السياسية الحقيقية، وتحولت النقابات إلى مراكز تتبع له بعد أن نجح في إلغاء استقلاليتها، واستطاع السيطرة على كل الفضاء السياسي العام.

ومع ذلك، فحين اندلعت الثورة السورية، تشكّلت معارضة واسعة ومتنوّعة، لكنها كانت إلى حدّ بعيد معارضة أخلاقية بوصفها ردًا على العنف والقتل اللذين اتبعهما النظام في قمع التظاهرات. فكان الخصم آنذاك واضحًا وممثلًا في سلطة قمعية يقودها دكتاتور اسمه بشار الأسد، وكان العنف المفرط الذي مارسه النظام هو الرابط أو الجامع بين المعارضين على اختلاف أفكارهم وتوجهاتهم ومستويات وعيهم السياسي، ولم يكن مطلوبًا من جزء كبير منهم آنذاك مشروع دولة أو برنامج حكم (وهنا أقصد عموم الثوار أو الذين حكرتهم سياسات النظام القمعية، ولا أقصد الذين تصدروا المشهد السياسي للمعارضة وفشلوا في تقديم مشروعهم في بناء الدولة) فكان الموقف الأخلاقي واضحًا وهو رفض القتل والإذلال والاستبداد.

وبهذا المعنى، كانت المعارضة فقيرة سياسيًا لكنها كانت غنية أخلاقيًا إلى حد ما، وهذا منحها شرعية اجتماعية ما على الرغم من تشتتها.

ومع طول سنوات الثورة، بدأت محاولات في التحول إلى معارضة سياسية، غير أن هذا التحول لم يكتب له أن يكتمل؛ فجزء كبير من المعارضين الذين خرجوا إلى المجال العام لم يكن لديهم تجارب سياسية سابقة، ولا خبرة تنظيمية ملموسة، ولا تدريب على العمل العام، وذلك بسبب عقود طويلة من منع السياسة أو تجفيفها.

وزاد الأمر تعقيدًا تدويل القضية السورية، الذي لم يفتح أفق السياسة للمعارضة بقدر ما حاول جعلها معارضة تابعة ومسلوبة القدرة أو الإرادة؛ فقد تحوّل كثير من المعارضين إلى تابعين لسياسات الدول الممولة، ولم يصيروا فاعلين مستقلين أو يملكون مشروعًا وطنيًا، حيث لم يُوجَّه الدعم لبناء مؤسسات أو برامج، بقدر ما كان دعمًا لإدارة الصراع ضمن توازنات خارجية.

وكانت النتيجة أن أمست المعارضة بلا تصور واضح لشكل الدولة، وبلا مشروع اقتصادي أو اجتماعي متكامل، وبلا قدرة على تقديم بديل حقيقي عن سلطة الاستبداد التي ثار الشعب السوري ضدها.

وبعد سقوط النظام، لم يعد الخصم واضح المعالم كما كان من قبل، فبعد أن كان ممثلًا بنظام ديكتاتوري نافس كبار المجرمين والمستبدين بالقتل والتهجير، تحول هذا الخصم المحتمل ليكون حالة غير مجسدة بعصابة بعينها أو شخص بعينه، لأنه مزيج مركب من صفات عدة يحملها المجتمع السوري على اختلاف أعراقه وطوائفه، منها الذهنية التسلطية التي تأثر بها كثير من السوريين طوال العقود الماضية، ومنها أيضًا الخوف الاجتماعي أو الاستبداد الاجتماعي الذي يدفع جزءًا كبيرًا من المجتمع إلى التخندق خلف أوهام أو الاصطفاف الأعمى من دون وعي، ومنها إرث الاستبداد الثقيل أو الجهل في تعريف المصلحة العامة أو تشتت تصوراتها لدى فئات المجتمع المختلفة.

كل هذا جعل المجال العام مليئًا بالأصوات المرتفعة، ولا سيما الذين اعتادوا الاصطفاف مع أي سلطة قائمة أو التطبيل لها، في حين تجد المعارضين يخشون التصنيف الذي أثقل كاهل الثورة والثوار في العقد الماضي مثل مصطلحات “إسلامي” و”علماني”، أو لا يريدون أن يحسبهم المجتمع على مجموعات ترتهن إلى الخارج بأجندة انفصالية تهدف إلى زعزعة استقرار الدولة المنشود.

وفي هذه الحال، قد لا يكون الصوت الأعلى هو الصوت الأكثر تمثيلًا للناس وهمومها أو مصلحتها، وقد لا يكون النقد أيضًا ذا جدوى على المدى القريب.

ويضاف إلى ذلك، أن المجتمع السوري وصل اليوم إلى حدّ بعيد من التعب والضعف على أكثر من مستوى، ولا سيما المستوى الاقتصادي، حيث تآكل جزء كبير من الطبقة الوسطى، ما جعل مسائل السياسة وشكل الحكم مسائل مؤجلة لدى غالبية الناس، فهم مشغولون بتأمين أساسيات العيش، وليس لديهم الفائض النفسي أو المادي لمتابعة السياسة وما يلحقها. وفي مثل هذا الواقع، لا يصلح الخطاب التعبوي الثوري، لأنه يحتاج إلى طاقة غير موجودة لدى عموم المجتمع السوري، ولا يصلح أيضًا خطاب السلطة من دون نتائج إيجابية ملموسة، لأن المجتمع خبر وعودًا كثيرة لم تتحقق خلال العقود الماضية، ولأن السلطة أي سلطة تميل دائمًا إلى السيطرة على كل شيء من دون مشاركة.

وأمام هذه الحال من الحضور الضعيف أو الأثر المحدود للخطاب المتوازن أو المعارضة السياسية بمعناها الإيجابي الذي يعني المراقبة والمحاسبة والدفع باتجاه الأحسن، لا نستطيع أن نقول إن هذا الاتجاه في طريقه إلى الزوال، على الرغم من التحديات التي يواجهها، فقد سقط من دمر بلدًا وقتل مئات الآلاف في سبيل إسكاته وإفنائه، وما نزال نراه موجودًا لدى بعض المفكرين أو الناشطين أو العاملين في مجال المجتمع المدني، وهو خطاب عقلاني ونقدي يحاول الموازنة بين الاستقرار والمساءلة، أو بين الممكن والمطلوب، لكنه خطاب يكاد أن يكون غير مسموع في الوقت الحالي، لأنه لا يصرخ كثيرًا، أو لأن صرخاته لا تلعب على وتر العواطف، أو لأنها تخاطب العقل قبل أن تخاطب المشاعر.

وهنا، تظهر مفارقة هذه المرحلة؛ فالوعي السياسي موجود على الرغم من قلة حامليه، لكن شروط فاعليته الاجتماعية تكاد أن تكون غائبة أو ضعيفة. وفي ظل هذا الواقع المعقّد، قد لا يبدو السؤال المنطقي هو ما العمل؟ بقدر ما هو كيف نعمل من دون وصفات جاهزة أو أوهام، أو كيف نعمل لنحدث أثرًا في المجتمع أو السلطة من دون نتائج كارثية، فالخطاب السياسي الناضج في هذه المرحلة لا يمكن أن يُقاس بقدرته على التعبئة أو رفع السقف عاليًا، بل بقدرته على الاستمرار والحفاظ على معاييره واستقلاله، ومنها رفض التطبيل للسلطة ورفض شيطنتها بالكامل أو شيطنة معارضيها، وعدم الانزلاق إلى منطق الاصطفاف الأعمى.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن يكون هذا الخطاب حيًا أو فاعلًا إن اكتفى بالحفاظ على ذاته فقط، لأن مصيره أن يتخشب كما تخشبت معارضة الأسد الأب وصار خطابها فيما بعد أشد خواءًا من خطاب السلطة نفسها، بل عليه أن يسعى للتأثير قدر المستطاع في المجتمع، عبر نشر الوعي في مختلف المجالات ومنها المجال السياسي، وعبر الاقتراب منه أكثر من عواطفه وروحه ومحركاته النفسية والأخلاقية والاقتصادية، حتى نصل إلى إعادة تعريف الوطنية من حيث أنها ليست طاعة عمياء للسلطة، ولا فوضى باسم الحرية، بل هي عقد متبادل بين المجتمع والسلطة، قوامه المسؤولية والمساءلة والشراكة، وهذا ما يجب أن تفهمه السلطة والمعارضة معًا.

وفي هذا السياق، لا يُفترض بالمعارضة اليوم أن تكون قوة صدام تسعى لإسقاط كل شيء، بل عليها أن تكون قوة توازنٍ تراقب وتحاسب، وتدافع عن المجال العام، وتمنع إعادة إنتاج الاستبداد، من دون أن تعادي فكرة الاستقرار أو تضع المجتمع أمام مغامرات لا يحتملها كما يفعل بعض من يرفض السلطة في جنوب سوريا. ولا يفهم هنا أن الدعوة إلى إنجاح السلطة في الدولة الجديدة هي من باب أو التفويض المفتوح أو تبرير أخطائها، بل هي دعوة من باب المسؤولية العامة عن منع الانزلاق نحو فوضى سيدفع الجميع ثمنها.

إن إنجاح أي سلطة في هذه المرحلة لا يكون بالتطبيل ولا بتبرير الأخطاء، ولا بالمحسوبيات أو تضييق المجال العام، بل بالنصح الصريح، والعمل الجاد، والإصلاح الفعلي، وفتح المجال أمام النقد بوصفه شرطًا للاستقرار لا تهديدًا له.

وعلى السلطة أيضًا أن تفهم أن المعارضة لا تعني العداء، وعلى المعارضة أن تعرف أن التحول من الصدام إلى التوازن عبر المراقبة والمحاسبة ومنع إعادة إنتاج الاستبداد، سيمنع من دفع المجتمع إلى مغامرات لا يحتملها، وفي الوقت نفسه سيحقق المصلحة الوطنية للشعب السوري.

وأمام هذا كله، نحن أمام مرحلة تتطلب إنتاج مشروع سياسي جديد للدولة والمعارضة، تحديه الأساسي هو ألّا تعود السياسة إلى الهامش مرة أخرى، وهذا يتطلب وجود قانون ينظم الأحزاب السياسية والعمل السياسي، وهو الأمر الذي لم يتحقق إلى الآن، على الرغم من مرور أكثر من عام على سقوط النظام السابق.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.