بعد أيام من تصعيد غير مسبوق كاد أن يجر الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اللحظة الأخيرة عن إصدار أمر بتنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، رغم جاهزية القوات الأمريكية لتنفيذ الهجوم، بحسب ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال عن مصادر مطلعة.
وخلال تلك الأيام، رفع ترامب سقف تهديداته إلى مستويات غير معهودة، معلنا إلغاء جميع اللقاءات مع القادة الإيرانيين، وداعيا المحتجين داخل إيران إلى “إسقاط النظام”، ومؤكدا عبر منصات التواصل الاجتماعي أن “المساعدة في الطريق”. غير أن هذا الخطاب الحاد سرعان ما تبدل، إذ أعلن ترامب بعد ثلاثة أيام فقط أنه لا توجد ضربات وشيكة، منهيا أسبوعا من التوتر الحاد بين واشنطن وطهران.
وبرر ترامب قراره لاحقا قائلا: “لم يقنعني أحد، أنا أقنعت نفسي… ألغوا الإعدامات، وكان لذلك تأثير كبير”، في إشارة إلى معلومات قال إنه تلقاها حول توقف السلطات الإيرانية عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المتظاهرين.
جاهزية عسكرية بلا قرار
وبحسب الصحيفة، كان كبار القادة العسكريين الأمريكيين يتوقعون صدور أمر الهجوم يوم الأربعاء، بعد مؤشرات واضحة على أن الرئيس يميل إلى إعطاء الضوء الأخضر. وفي إطار الاستعدادات، أخلت القوات الأمريكية بعض أفرادها من قاعدة العديد الجوية في قطر، التي تضم مركز القيادة الرئيسي للعمليات الجوية في المنطقة، كما واصلت واشنطن إرسال مجموعة ضاربة لحاملة طائرات، إلى جانب مقاتلات إضافية ومنظومات دفاع صاروخي.
هذه التحركات عكست استعدادا فعليا لاحتمال توجيه ضربة، فور اكتمال وصول التعزيزات العسكرية إلى المنطقة.
تحذيرات من حرب طويلة
في المقابل، شهدت الكواليس نقاشات حادة داخل الإدارة الأمريكية. فقد حذر مساعدون ومسؤولون عسكريون من أن إسقاط النظام الإيراني “لا يمكن ضمانه عبر ضربات جوية سريعة”، وأن استهداف مواقع عسكرية أو مدنية قد لا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف السلطة أو دعم الاحتجاجات.
كما أشار هؤلاء إلى أن الولايات المتحدة لم تكن تمتلك في تلك اللحظة ما يكفي من الأصول العسكرية لتنفيذ هجوم واسع ومستدام، مع ضمان حماية القوات الأمريكية والحلفاء في آن واحد.
خطاب متشدد ونتائج عكسية
وبرفعه مستوى التهديد العلني، رسم ترامب ما بدا كـ”خط أحمر” أمام إيران، إذ كتب في الثاني من يناير: “نحن جاهزون ومعبأون ومستعدون للانطلاق”، وكرر الرسالة أكثر من مرة أمام الإعلام.
لكن مع اتساع رقعة الاحتجاجات، ردت طهران بحملة قمع وصفت بأنها الأعنف منذ سنوات. وقال علي واعظ، مدير مشروع إيران في “مجموعة الأزمات الدولية”، إن السلطات الإيرانية “استخدمت قبضة حديدية بسرعة ووحشية غير مسبوقة”، مضيفا أن النظام ربما كان لديه دافع عكسي لسحق الحركة بسرعة قبل أي تحرك أمريكي محتمل.
مخاوف على مصداقية واشنطن
وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب تلقى نصائح مباشرة حول صعوبة سيناريو “تغيير النظام”، رغم استمراره في دعم ما وصفه البعض بـ”ثورة إيرانية جديدة”. وأثار هذا التوجه قلق منتقدين رأوا أن التشجيع العلني للمتظاهرين قد يتركهم عرضة لقمع أشد.
وقالت سوزان مالوني، نائبة رئيس السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إن الإدارة الأمريكية “وضعت مصداقيتها على المحك”، محذرة من شعور محتمل بالخيانة لدى الإيرانيين قد يستمر لما بعد نهاية هذه الرئاسة.
لحظة التحول
بحلول بعد ظهر الأربعاء، بدأ خطاب ترامب يتغير علنا، إذ أعلن أن إيران أبلغت الإدارة بتوقف قتل المتظاهرين، دون الكشف عن مصدر الرسالة. كما قال: “لا توجد خطة للإعدامات، أُبلغت بذلك من مصادر موثوقة”.
وفي السياق نفسه، كرر ترامب رواية إيرانية تحدثت عن إطلاق نار من قبل المتظاهرين على قوات الأمن. وفي المساء، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” إن السلطات “ستتوقف عن القتل والشنق”، وهي تصريحات اعتبرتها واشنطن مؤشرا على إمكانية التهدئة.
ضغط الحلفاء ودور نتنياهو
ونقل التقرير عن مسؤولين إسرائيليين وعرب قولهم إنهم أبلغوا واشنطن بأن “التوقيت غير مناسب للضربة”، مشيرين إلى أن الوضع الداخلي في إيران شديد التقلب، وأن الاحتجاجات أُخمدت إلى حد كبير بالقمع العنيف.
وخلال اتصال هاتفي مساء الأربعاء، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن أي ضربة أمريكية قد تكون “متأخرة جدا” لدعم المتظاهرين، وقد تستدعي ردا إيرانيا مباشرا، مؤكدا أن إسرائيل ستحتاج في هذه الحالة إلى وجود عسكري أمريكي أكثر جاهزية للدفاع عنها.
ورغم كل هذه العوامل، شدد ترامب في ختام تصريحاته على أن قرار التراجع كان شخصيا، قائلا ردا على سؤال حول ما إذا كان أحد قد أقنعه بعدم الهجوم: “لا، لم يقنعني أحد”.
المصدر: وكالة ستيب الاخبارية
