يعد التصنيف الدقيق للضحايا شرطًا أساسيًا لنجاح مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وضمان جبر الضرر ومنع تكرار الانتهاكات التي شهدتها سوريا على مدار السنوات الماضية، بحسب ورقة بحثية نشرها “معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط” (TIMEP).
وبحسب الورقة التي أعدها الصحفي والحقوقي منصور العمري، ونشرت في 21 من كانون الثاني، فإن الوصول إلى تعريف “الضحية” وتصنيفها ضمن فئات واضحة ليس مجرد إجراء تقني، بل هو بناء اجتماعي وقانوني يحمي ملف العدالة من التسييس ويضمن شمولية آليات المحاسبة.
سوريا، التي تمر بمرحلة انتقالية حساسة في عام 2026، بحاجة ماسة لتعريف “الضحية” بناء على الفعل الجرمي والضرر اللاحق، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية أو هوية المرتكب أو انتماءات المتضررين.
ومهدت هذه الرؤية البحثية، وفقًا للعمري، للإجابة عن تساؤلات ملحة تتعلق بمسودة قانون العدالة الانتقالية الجاري نقاشه، عبر التركيز على عدة ركائز:
الأولى: تعريف الضحية لضمان حقوق الفئات الأقل ظهورًا (ضحايا العنف الجنسي، الأطفال المجندين).
الثانية: التمييز بين الجبر الفردي (تعويضات) والجبر الجماعي الهيكلي (إصلاح مؤسسات الدولة).
نظام أولويات: الحقيقة للمغيبين أولًا
أوضحت الورقة أن ضخامة أعداد الضحايا تفرض تصميم “نظام أولويات” لتعظيم كفاءة جبر الضرر.
وحث منصور العمري، الذي يحمل درجة الماجستير في العدالة الانتقالية والنزاعات، على منح الأولوية القصوى لفئات مثل ضحايا الإخفاء القسري، نظرًا للحاجة الملحة للوصول إلى الحقيقة.
وبيّن العمري أن عائلات المفقودين بحاجة، قبل أي تعويض مادي، إلى معرفة مصير أحبائهم والوصول إلى رفاتهم لتسهيل الإجراءات القانونية المتعلقة بالإرث والوصاية، ما يجعل “كشف الحقيقة” والدعم النفسي حجر الزاوية في إنصاف هذه الفئة الأكثر تضررًا.
إصلاح المؤسسة عبر الفرد
يفرض استهداف نظام الأسد المنهجي لقطاعات محددة مثل الصحة والإعلام والتعليم، نوعًا خاصًا من “جبر الضرر”.
ففي القطاع الصحي، الذي تشير تقديرات منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” إلى أن النظام وحلفاءه مسؤولون عن 90% من وفيات كوادره، لا يقتصر جبر الضرر على الطبيب كفرد، بل يمتد ليشمل إصلاح المنظومة الصحية لضمان حماية المؤسسات الطبية مستقبلًا، والأمر ذاته ينطبق على قطاع التعليم، الذي تعرضت فيه ما لا يقل عن 1714 مدرسة للاعتداءات منذ 2011.
وكذلك الحال بالنسبة للإعلاميين، إذ سجلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 717 صحفيًا منذ 2011، وهنا يبرز “الجبر الهيكلي” عبر إصلاح القوانين لضمان حرية الإعلام وحماية حق المجتمع في المعرفة.
الاستفادة من تجربة كولومبيا
استعرضت الورقة البحثية التجربة الكولومبية كنموذج رائد، حيث أصدرت كولومبيا عام 2011 “قانون الضحايا وجبر الضرر”، والذي أنشأ “سجلًا وطنيًا للضحايا” أتاح معالجة 16 مليون طلب تعويض لـ9 ملايين شخص.
وبيّن التقرير أن التنظيم الدقيق والمقنن، وتصنيف الضحايا في فئات متسقة (وفاة، إخفاء قسري، تعذيب، نزوح)، هو ما مكن كولومبيا من إدارة حجم الطلبات الهائل، وهو ما تحتاجه سوريا لمواجهة التحديات اللوجستية في توثيق وجبر ضرر ملايين السوريين.
ضمانات استقلالية ملف العدالة
دعا منصور العمري إلى إنشاء وحدة متخصصة لإدارة جبر الضرر تضم خبراء قانونيين ومحللي بيانات، مع التأكيد على ضرورة إدراج فئات الضحايا في نص قانون العدالة الانتقالية بشكل واضح لا يقبل التفسير السياسي.
واقترحت الورقة أن تتمتع لجنة جبر الضرر التابعة للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بحصانة كاملة ضد التدخلات الحكومية، وأن تُدار من قبل خبراء تقنيين لا يشغلون مناصب حزبية، لضمان استمرارية إنصاف المتضررين بمعايير حقوقية مجردة تتجاوز صراعات الهوية والانتماء.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
