مؤتمر ميونيخ للأمن يكشف تحولات كبرى في ميزان العلاقات عبر الأطلسي

سلّط مؤتمر ميونيخ للأمن في نسخته الأخيرة الضوء على تحولات استراتيجية عميقة في العلاقات عبر الأطلسي، مع تصاعد الشكوك الأوروبية تجاه الالتزام الأمريكي طويل الأمد، وبروز توجه أوروبي متزايد نحو تعزيز الاستقلال الدفاعي، في وقت تتحرك فيه الصين لملء أي فراغ محتمل تتركه واشنطن.

وفي قراءة شاملة لمخرجات المؤتمر، استعرضت راشيل إليهوس، المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، أربع خلاصات رئيسية تعكس طبيعة المرحلة الجديدة التي تمر بها العلاقات الدولية.

تطمينات أمريكية… ولكن قصيرة الأجل

شهد المؤتمر حضوراً أمريكياً أكثر هدوءاً مقارنة بالنسخة السابقة، حيث أرسلت إدارة الرئيس دونالد ترامب كلاً من وزير الخارجية ماركو روبيو ومساعد وزير الدفاع إلدريج كولبي بخطابات مدروسة هدفت إلى تهدئة المخاوف الأوروبية.

أكد المسؤولان أن أوروبا شريك أساسي، وأن حلف شمال الأطلسي لا يزال مفيداً للمصالح الأمريكية، بشرط أن تتحمل الدول الأوروبية مسؤوليات دفاعها التقليدي بصورة أكبر.

وشدد كولبي على أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن مظلتها النووية، لكنه أشار بوضوح إلى أن الوقت قد حان كي تتولى أوروبا زمام المبادرة دفاعياً، مستنداً إلى ما وصفه بـ”الواقعية المرنة” — وهو مصطلح أثار تساؤلات حول مدى ثبات السياسة الأمريكية ومبادئها.

ورغم هذه التطمينات، لا تزال الشكوك قائمة، خصوصاً لدى دول الشمال الأوروبي التي تخشى تقلبات مفاجئة في سياسات واشنطن، في ظل مواقف سابقة للرئيس ترامب مثل طرح فكرة شراء غرينلاند.

كما أثارت إشارات روبيو المتكررة إلى “القيم المسيحية المشتركة” مخاوف أوروبية من احتمال تدخل أمريكي غير مباشر في المشهد السياسي الأوروبي.

أوروبا تحزم أمرها… نحو دفاع أكثر استقلالاً

على الجانب الأوروبي، بدا واضحاً أن القادة يسعون إلى تقليص الاعتماد على واشنطن.

دعا المستشار الألماني فريديريش ميرتس إلى “ناتو أكثر أوروبية”، فيما أبدى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استعداداً لتعزيز العلاقات مع أوروبا القارية والاتحاد الأوروبي، في خطوة وُصفت بأنها جريئة سياسياً.

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فدفع باتجاه مفهوم أوسع للدفاع الأوروبي، لا يقتصر على الاتحاد الأوروبي، بل يشمل دولاً مثل النرويج وتركيا والمملكة المتحدة، بما في ذلك التعاون على المستوى النووي.

ورغم هذا التوافق السياسي، تبقى التحديات كبيرة، إذ تعاني فرنسا والمملكة المتحدة من ضغوط مالية، كما أن تنفيذ مشاريع دفاعية مشتركة يتطلب وقتاً واستثمارات ضخمة، في وقت تحتاج فيه أوروبا إلى تسريع وتيرة الإنفاق الدفاعي ضمن التزاماتها في حلف الناتو.

الصين تتحرك لملء الفراغ

في خضم هذه التحولات، برزت الصين كلاعب يسعى لاستثمار التباعد عبر الأطلسي.

اقترح وزير الخارجية الصيني وانغ يي تعزيز العلاقات مع ألمانيا واستئناف العلاقات مع كندا، وأبدى استعداد بلاده لتقديم مساعدات إنسانية جديدة لأوكرانيا.

وترى إليهوس أن بكين مستعدة لشغل أي مساحة استراتيجية قد تخليها الولايات المتحدة، مقدّمة نفسها كحارس للتعددية الدولية. ورغم أن كثيرين في أوروبا لا يثقون بالكامل في هذه الصورة، فإن الإغراءات الاقتصادية لعلاقات أعمق مع الصين قد تدفع بعض العواصم الأوروبية إلى إعادة الحسابات، كما فعلت واشنطن سابقاً.

أوكرانيا: لا وقف إطلاق نار قريب

أما في الملف الأوكراني، فلا يسود تفاؤل أوروبي بقرب التوصل إلى وقف إطلاق نار.

وتعتقد غالبية الدول الأوروبية أن روسيا تستخدم المفاوضات لكسب الوقت ومواصلة القتال، رغم الخسائر البشرية الكبيرة والمكاسب الميدانية المحدودة والتدهور الاقتصادي الذي تواجهه موسكو.

ويؤكد هذا التقييم أن الصراع لا يزال بعيداً عن الحسم، وأن أوروبا تستعد لمرحلة طويلة من المواجهة غير المباشرة مع روسيا.

المصدر: وكالة ستيب الاخبارية

شاركها.