في عام 2018، قال السيناتور عن ولاية فلوريدا آنذاك، ماركو روبيو، في مقابلة مع قناة “يونيفزيون” Univision: “أعتقد أنه لا ينبغي استخدام القوات المسلحة الأميركية إلا في حالات تهديد الأمن القومي، وهناك حجة قوية يمكن تقديمها الآن مفادها أن فنزويلا ونظام نيكولاس مادورو أصبحا يشكلان تهديداً للمنطقة وللولايات المتحدة”.
وفي 28 يناير 2026، وقف وزير الخارجية ماركو روبيو، في جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بشأن موعد إجراء الانتخابات في فنزويلا، قائلاً: “النتيجة التي نريدها: فنزويلا حرة ونزيهة ومزدهرة وودودة. لن نصل إلى ذلك في 3 أسابيع، بل سيستغرق الأمر بعض الوقت”.
ومنذ إلقاء الإدارة الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته خلال أوائل يناير الماضي، في عملية عسكرية محدودة، أصبح روبيو الوجه الأبرز للإدارة الأميركية في فنزويلا، وفي المؤتمر الصحافي الذي عُقد في اليوم التالي في منتجع مارلاجو، وقف روبيو بجانب الرئيس دونالد ترمب وهو يقول: “سندير البلاد”.
بحكم نشأته الأسرية، كابن لمهاجريين من كوبا، ونشأته السياسية كناشط ضد أنظمة الحكم الشيوعية في أميركا اللاتينية، كان مؤتمر القبض على مادورو يُشكل لحظة نجاح كبير في مسيرة روبيو السياسية، وعندما جاء دوره في الحديث أشاد بترمب قائلاً: “يجب أن يفهم الناس أن هذا ليس رئيساً يكتفي بالكلام، وكتابة الرسائل، وعقد المؤتمرات الصحافية، إذا قال إنه جاد بشأن شيء ما، فهو يعني ما يقول”.
رغم عدائهما القديم، صعد روبيو، البالغ من العمر 54 عاماً، سريعاً في إدارة ترمب، وقبل انتهاء أول 100 يوم له في منصبه وزيراً للخارجية في إدارة ترمب، شغل روبيو مناصب أخرى، أهمها مستشار الأمن القومي المؤقت، بجانب القائم بأعمال مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID، إضافة إلى منصبه القائم بأعمال أمين المحفوظات في إدارة الأرشيف والسجلات الوطنية، حتى وصفته صحيفة “نيويورك تايمز” بأنه “وزير كل شيء”.
رحلة الصعود في عالم ترمب
يتمتع روبيو بذكاء ومرونة سياسية لافتة في تحويل مواقفه عند اللحظات الحاسمة. تكيّف مع أولويات ترمب في ولايته الثانية على نحو لم يكن متوقعاً، خاصة فيما يخص قضايا الهجرة.
انتُخب روبيو، في عام 1999 لعضوية مجلس نواب فلوريدا، وبعد أربع سنوات، فقط، صار رئيساً للمجلس بالانتخاب، وعندما انتهت فترة ولايته في عام 2009، ترشح روبيو، ذو الـ37 عاماً، لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، وفاز بالمقعد.
في عام 2013، قاد السيناتور الجمهوري روبيو، ابن العائلة الكوبية المهاجرة، حملة لإصلاح قوانين الهجرة، وظهر على غلاف مجلة “تايم” تحت عنوان “المُنقذ الجمهوري”، بوصفه الوجه الجديد للحزب الذي يستميل الناخبين اللاتينيين.
كان روبيو، آنذاك، العضو الأبرز في “عصابة الثمانية”، المكونة من ثمانية أعضاء، أربعة جمهوريين وأربعة ديمقراطيين، قادوا مبادرة لإصلاح الهجرة الشاملة بدعم من الحزبين.
كان المشروع يجمع بين تشديد أمن الحدود وتوفير مسار يمنح المهاجرين غير النظاميين فرصة للحصول على الجنسية، وهو ما عرّض روبيو لانتقادات حادة، من الجناح اليميني الصاعد في الحزب حينها، على حد قول أستاذ العلوم السياسية في جامعة باري في ميامي، شون فورمان، باعتباره يمنح “عفواً” للمهاجرين غير القانونيين، ولا يعالج مشكلة الهجرة فعلياً.
تراجع روبيو عن دعم المشروع مع تصاعد المعارضة من الجناح اليميني في الحزب، ومع ذلك، ظل كثيرون في معسكر حركة “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً” MAGA يتذكرون روبيو باعتباره كان داعماً لقانون “العفو”، وحملوا ضده ضغائن طويلة الأمد، حتى إن مجرد طرح اسمه في أواخر 2024 كمرشح لمنصب وزير الخارجية، كان كفيلاً بإثارة الغضب والانتقادات الحادة من مؤيدي “ماجا”.
لكن مع الانتقال الفعلي إلى الولاية الثانية لترمب، تجاوز روبيو وصمة “العفو”، بقيادته سياسة ترمب المتشددة تجاه الهجرة، وأمن الحدود، وتعزيز برنامجه للترحيل الجماعي.
قال فورمان في حديثه لـ”الشرق”، إن روبيو تمكن، بهذه الطريقة، من البقاء ثم الازدهار داخل عالم ترمب “وأصبح اليوم ضمن الدائرة المقربة من ترمب، وأحد أبرز مستشاريه في السياسة الخارجية والأمن القومي”.
في أكتوبر 2025، مدح ترمب، روبيو، في الكنيست الإسرائيلي، يوم توقيع اتفاق السلام في غزة، ناسباً إليه الفضل في التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار والإفراج عن المحتجزين.
وقال ترمب إن التاريخ سيُذكر وربيو كأعظم وزير خارجية في الولايات المتحدة، وقبلها بأشهر، قال ترمب: “عندما أواجه مشكلة، أتصل بماركو. إنه يحلها”.
لم يكن هذا هو الحال دائماً بين روبيو وترمب، في عام 2016 ترشح روبيو للرئاسة وخسر أمام ترمب في الانتخابات التمهيدية، وأثناء الحملة الرئاسية، اتهم روبيو، ترمب، بأنه “محتال من الطراز العالمي”، واصفاً ترشيح الحزب الجمهوري بأنه “أكبر عملية نصب في التاريخ السياسي الأميركي”، ليرد عليه ترمب بسخرية ملقّبا إياه بـ”ماركو الصغير”.
وبعد فوز ترمب في عام 2016، تغير روبيو مثلما تغير كثير من الجمهوريين الآخرين الذين انتقدوه بشدة سابقاً، وقال أستاذ التاريخ السياسي في جامعة ويسكونسن، جوناثان كاسباريك، إن روبيو، أدرك، منذ أن أصبح ترمب رئيساً للمرة الأولى، أنه “إذا أراد أن يكون له أي نفوذ أو تأثير سياسي مستقبلي، فعليه أن ينخرط في أجندة ترمب، ويصطف معها”.
وبالفعل، ساعد روبيو، ترمب، خلال ولايته الأولى في صياغة آرائه في السياسة الخارجية من خلال خبرته، ونفوذه في مجلس الشيوخ، ووصف كاسباريك، روبيو، بأنه “ناجٍ بارع”، قائلاً لـ”الشرق”، إن “روبيو أراد السلطة، وأدرك أنه لا بد من الخضوع لترمب لتحقيقها”.
وأضاف: “يمطره بالمديح في كل ظهور مشترك وهذا هو أحد أسباب نجاحه حتى الآن، فهو يفهم طبيعة السلطة ويدرك أن ترمب هو من يمتلكها، وترمب يحب أن يتملقه من حوله، فكان الدعم العلني لترمب والتملق له من خصومه السابقين، وسيلة لتعزيز مسيرتهم السياسية بعد ترمب من خلال اكتساب خبرة ونفوذ كبيرين”.
أعلن روبيو الطموح، مراراً، أن إدارة السياسة الخارجية من اختصاص الرئيس، وأنه يُنفذ رغباته، ففي مايو الماضي، قال أمام ترمب في اجتماع لمجلس الوزراء: “لقد ورث هذا الرئيس ثلاثين عاماً من السياسة الخارجية التي بُنيت على أساس ما هو في مصلحة العالم.. أما في عهد الرئيس ترمب، فنحن نبني سياسة خارجية الآن تُركز على، هل هي في مصلحة أميركا؟ هل تجعل أميركا أقوى؟ هل تجعل أميركا أكثر أماناً؟ وهل تجعل أميركا أكثر ثراءً؟”.
بهذه اللغة، حافظ روبيو على موقعه في إدارة تطيح بكل من يشكك بها، بحسب المؤرخ ومدير معهد الدراسات النووية في الجامعة الأميركية في واشنطن بيتر كوزنيك: “الحزب الجمهوري أصبح عمليا حزب ترمب، بعد أن أُجبر معظم من شككوا فيه على التقاعد أو أُطيح بهم في الانتخابات التمهيدية”.
وأضاف كوزنيك في حديثه لـ”الشرق”، أن ترمب في ولايته الأولى كان محاطاً بمستشارين “كبحوا أسوأ نزعاته، أما اليوم فهو محاط بالمُمكّنين والمتملقين”، مضيفاً: “نحن أمام كاكيستوقراطية”، وهي شكل من أشكال الحكم، حيث تكون سلطة الدولة بيد الأسوأ، من قليلي الخبرة وغير المؤهلين.
روبيو ونصف الكرة الغربي
بعد خسارته أمام ترمب في انتخابات 2016، عاد روبيو إلى مجلس الشيوخ، الذي شغل فيه رئيس اللجنة الفرعية لنصف الكرة الغربي التابعة للجنة العلاقات الخارجية، وأصبح مصدراً موثوقاً به لإدارة ترمب في قضايا السياسة الخارجية، كما كان المحرك الرئيسي للعقوبات المفروضة على كبار المسؤولين الفنزويليين.
كانت إزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو هدفاً لترمب منذ ولايته الأولى، وكان إسقاط حكومة كوبا حلماً رئيسياً لروبيو يتطلب سقوط فنزويلا أولاً، وهو ما بدأه في ولاية ترمب الثانية.
وهنا أشار أستاذ العلوم السياسية شون فورمان، في حديثه لـ”الشرق”، إلى أن تأثير روبيو على نهج ترمب تجاه فنزويلا وأميركا اللاتينية، “بدأ عندما كان روبيو لا يزال في مجلس الشيوخ مستشاراً للسياسة الخارجية لترمب، وقد تعمق هذا التأثير خلال فترة ولايته كوزير للخارجية”.
يولي روبيو، ذا الأصول الكوبية، اهتماماً كبيراً بدول أميركا الجنوبية، منذ دخوله المعترك السياسي، منتقداً القمع وانتهاكات حقوق الإنسان في كوبا، ومتبنياً رؤية ترى المنطقة امتداداً مباشراً للأمن القومي الأميركي.
وبرز هذا التوجه بوضوح في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، التي حملت بصمته عبر تركيز غير مسبوق على فرض الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي، في إعادة إحياء موسّعة لـ”مبدأ مونرو”، الذي أعلنه الرئيس جيمس مونرو في عام 1823، لكن بصيغة تتلاءم مع أولويات إدارة ترمب.
في حين ركز “مبدأ مونرو” تاريخياً على منع التدخل الأوروبي في نصف الكرة الغربي، أضافت استراتيجية ترمب 2025 “ملحقاً ترامبياً” لفرض الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، ومواجهة النفوذ الصيني والروسي المتنامي.
في هذ السياق، يرى المؤرخ ومدير معهد الدراسات النووية في الجامعة الأميركية في واشنطن بيتر كوزنيك، خلال حديثه لـ”الشرق”، أن “هذا التركيز يعكس اهتمام روبيو بالمنطقة أكثر بكثير من اهتمام ترمب نفسه”، قائلاً إنه “يترك كل شيء للآخرين. روبيو لا يهتم سوى بأميركا اللاتينية”.
قاد رُبيو حملة الضغط العسكري المتصاعدة ضد فنزويلا والدفع نحو عملية اعتقال مادورو حتى إن مادورو نفسه، أشار إلى دور روبيو علناً، حين خاطب ترمب في مؤتمر صحافي قبل 4 أشهر من إلقاء القبض عليه قائلاً: “عليك أن تكون حذراً لأن ماركو روبيو يريد أن تتلطخ يداك بالدماء، بدماء أميركا الجنوبية، ودماء منطقة البحر الكاريبي، ودماء فنزويلا”.
تبين تصريحات مادورو النهج الذي اتبعه روبيو في التأثير على ترمب، ورجح أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا ديمون لينكر، أن يكون روبيو قد خاطب ترمب بالطريقة التي يفضلها، عبر تبسيط الصراع مع مادورو وتحويله إلى قضية أمن قومي وهجرة، ما يبرر التدخل أو الضغط لإسقاط الحكومة الفنزويلية.
وقال لينكر في تصريحات لـ”الشرق”، إن “روبيو يكره مادورو ويتعامل معه على أنه شيوعي يمثل خطراً أمنياً وسياسياً على الولايات المتحدة، سواء عبر تهريب المخدرات أو التسبب في موجات هجرة كبيرة، خاصة من فنزويلا خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن”، مضيفاً: “سيستمر ذلك إذا لم نوقف تدفّق الناس من هذه الدولة الفاشلة هناك، وهكذا تتحدث إلى ترمب إذا كنت تريد إسقاط الحكومة”.
سردية المنفى
كل شيء يبدأ وينتهي عند كوبا. هاجر والدا روبيو ماريو وأورياليس طواعية إلى فلوريدا قبل 12 عاماً من ولادة روبيو، وقبل ثلاث سنوات من الثورة الشيوعية لفيدل كاسترو في عام 1959.
مع ذلك، زعم روبيو أن والديه كانا “منفيين” من كوبا بسبب كاسترو، وفي هذا السياق أشار المؤرخ الأميركي بيتر كوزنيك، خلال حديثه لـ”الشرق”، إلى أن روبيو “بالغ في سيرته الذاتية، لكسب تأييد اللاجئين السياسيين والناخبين الجمهوريين من الجالية اللاتينية في ولاية فلوريدا، التي تضم أكثر من مليوني نسمة من أصول كوبية وفنزويلية”. وبالفعل، لعبت هذه السردية دوراً مهماً في صعود روبيو السياسي في فلوريدا.
المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في فلوريدا، خورخي دواني، أشار في حديثه لـ”الشرق”، إلى أن “سردية روبيو كابن لمنفيين كوبيين ميّزته عن المهاجرين الآخرين”، إذ أنها “رواية تحمل معاني التضحية والصمود والعمل الجاد”.
لكن دواني أكد أن “عقلية المنفى تُعدّ مكونا أساسياً في هوية روبيو الشخصية والسياسية”، لافتاً إلى تبرير روبيو، حين واجه انتقادات لروايته بأن والديه “لم يتمكنا من العودة إلى كوبا بعد ثورة عام 1959”.
وعلى الرغم من الجدل المتعلق بتوقيت وصول عائلة روبيو إلى الولايات المتحدة، عرّف روبيو نفسه بقوة بوصفه جزءاً من جماعة المنفيين الكوبيين، متبنياً أيديولوجيتهم المعادية للشيوعية وتجربتهم الجمعية القائمة على الصدمة والاقتلاع من الوطن.
أرجع دواني عداء روبيو الشديد للشيوعية إلى تنشئته داخل عائلة ومجتمع كوبي أميركي معادٍ لها بعمق، خصوصاً في ميامي، “حيث تأثر بقصص عائلية عن كوبا قبل وبعد الثورة، ولا سيما تأثير جده لأمه، إلى جانب تبنّيه مبادئ محافظة تتناقض جذرياً مع الفكر الشيوعي”.
وعلى حد وصف دواني، فإن “المجتمع الكوبي الأميركي في ميامي، قد أسهم ببيئته الثقافية والسياسية المشبعة بمعاداة كاسترو والشيوعية، في تشكيل المسار الأيديولوجي لروبيو رغم غياب تجربة نفي شخصية لديه”، موضحاً أن “المنفيين الأوائل قد رسّخوا ثقافة سياسية ترى نفسها استمرارا لكوبا ما قبل 1959، وانتقلت تجارب الاضطهاد والاقتلاع والحنين إلى الوطن عبر الأجيال”.
وأكد دواني أن هذه “الذاكرة الجمعية الموروثة” تؤثر في أبناء الجيلين الثاني والثالث، الذين نشأوا في مناخ محافظ تهيمن عليه مؤسسات وإعلام وثقافة سياسية كوبيّة أميركية قوية، موضحاً أن روبيو رغم أنه لم يعش الثورة أو المنفى بنفسه، فإن رؤيته للعالم متجذرة في ذاكرة وصراعات جيل سابق، ما يجعله في كثير من النواحي يعيش “حرب جيل آخر”.
وهو ما لم يخفيه روبيو، حين قال في حوار مع شبكة الإذاعة العامة الأميركية NPR في عام 2019، إن “أي شيء يضر بدكتاتورية شيوعية أؤيده”.
صقر جمهوري مؤيد لـ”ماجا”
كان روبيو واحداً من رموز التيار المحافظ التقليدي داخل الحزب الجمهوري، ومن أبرز الأصوات المنتقدة لما يمثله ترمب. لكن منذ توليه وزارة الخارجية في ولاية ترمب الثانية، بذل روبيو جهود حثيثة لكسب ثقة الرئيس.
تخلى روبيو إلى حد كبير عن مواقفه الداعمة للمساعدات الخارجية للدول الفقيرة ونشر الديمقراطية الأميركية ودعم حقوق الإنسان، وصار يردد أن جوهر المهمة الأساسية للسياسة الخارجية الأميركية، يتلخص في إنفاق كل دولار وتمويل كل برنامج وتبني كل سياسة لجعل أميركا أقوى وأكثر أماناً وازدهاراً.
اقترب روبيو من تيار “ماجا”، لكنه لم يتخل عن كونه صقراً جمهورياً تقليدياً، ما تغير فعلاً هو “تعريف معنى أن تكون صقراً في ظل التحولات السريعة في النظام الدولي”، بحسب أستاذ العلوم السياسية شون فورمان.
وبشأن ذلك، أشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة باري في ميامي، شون فورمان، إلى أنه مع تغير النظام الدولي وتراجع الحروب التقليدية، لم يعد وصف “الصقر” الذي يؤمن بالتدخل العسكري الواسع هو ذاته، بل أصبح أكثر انتقائية مركزاً على حماية المصالح المباشرة للولايات المتحدة.
وفي تناقض مع صورته السابقة كمدافع عن الدور الأميركي العالمي، دعم روبيو تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID، ومنظومة المساعدات الدولية، وهو ما اعتبره فورمان أمراً “مخيباً للآمال”، ومع ذلك، يرى فورمان أن روبيو استطاع تبرير هذا التناقض بمنطق المحافظة المالية وتقليل الإنفاق، “بما يتماشى مع خطاب أميركا أولاً دون إعلان قطيعة واضحة مع ماضيه”.
نجاح روبيو في صياغة تبريرات لمواقفه السياسية الجديدة، يراه أستاذ العلوم السياسية ديمون لينكر، “تطوراً واستيعاباً للواقع الذي يعنيه دعم ترمب وأن يكون رجل سياسة خارجية في هذا العالم”.
وقال لينكر لـ”الشرق”، إن روبيو “كان صقراً، ولا يزال صقراً جمهوياً. الفارق فقط هو أن نوع التبريرات التي يستخدمها للوصول إلى النتائج السياسية التي يريدها تطوّر في ضوء ما آلت إليه أوضاع الحزب الجمهوري بعد استحواذ ترمب عليه”.
صراع القديم والجديد
محاولة روبيو الموازنة بين قناعاته التقليدية وأجندة “ماجا”، تعكس صراعاً بين هويتين، فسرها المؤرخ كوزنيك، بأن روبيو يعاني من ازدواجية واضحة “يتصارع روبيو المتشدد القديم، الذي عُرف بمواقفه الصلبة تجاه روسيا والصين، وروبيو الجديد، “الموالي لحركة (ماجا)، والمتملق لترمب”.
ثنائية روبيو “القديم والجديد”، ظهرت بوضوح في وثيقة استراتيجية الأمن القومي 2025 التي أعلت مبدأ “أميركا أولاً” من حيث الربح والمنفعة الاقتصادية على التزامات الولايات المتحدة التقليدية الراسخة حتى فيما يخص الحلفاء الأوروبيين.
يجمع روبيو بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، ما يمنحه نفوذاً هائلاً ونادراً على صياغة سياسات الولايات المتحدة خارجياً وأدوات عملها، لم يسبقه إليه سوى هنري كيسنجر في عهد الرئيس السابق ريتشارد نيكسون.
الصراع داخل روبيو بين ما هو عليه وما ينبغي أن يكونه اليوم، تظهر ملامحه في مناسبات مختلفة. في المناقشات مع الأوروبيين حول خطة ترمب للسلام بين أوكرانيا وروسيا التي صدرت أواخر نوفمبر 2025، بدا روبيو أقرب إلى قناعاته القديمة، التي تتبنى الضغط السياسي على موسكو، والتنسيق الوثيق مع الأوروبيين، وعدم تقديم تنازلات سريعة باسم إنهاء الحرب بأي ثمن، باعتباره أحد أبرز الداعمين لأوكرانيا.
لكن قبل ثمانية أشهر من تلك المناقشات، لم يتدخل روبيو، خلال تعرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للتوبيخ من ترمب ونائبه جي دي فانس في اجتماع بالمكتب البيضاوي، للضغط عليه من أجل تقديم تنازلات لروسيا، وأثناء عملية التوبيخ التي نقلتها الكاميرات بدا روبيو متوتراً شاحب الوجه يتجنب النظر.
روبيو وحلم الرئاسة
بعد 10 سنوات من حملته الرئاسية الخاسرة، مازال روبيو يطمح إلى الرئاسة رغم عدم إعلانه ذلك صراحة. يقضي روبيو أكبر وقت ممكن في البيت الأبيض بجانب ترمب، وفسر كوزنيك ذلك بأن روبيو “ذكي ومراقب جيد ويطمح للرئاسة في 2028”.
وأضاف كوزنيك أن “روبيو يراقب أسلوب ترمب بعناية من خلال ملازمته له”، ويحاول تقليده “لكنه يفتقر إلى الجاذبية التي يتمتع بها ترمب لدى قاعدته.. روبيو أذكى وأكثر فصاحة من ترمب، لكنه لا يمتلك كاريزمته الشعبوية”.
وأشار كوزنيك إلى أن روبيو يرى في نائب الرئيس جي دي فانس خصمه الرئيسي على وراثة عباءة ترمب وكسب دعم “ماجا”، مضيفاً: “لكي تكون لديه فرصة حقيقية ليصبح وريث ترمب، عليه أن يحقق نجاحاً في أميركا اللاتينية، وهو أمر لن يكون سهلاً”.
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية شون فورمان، أن روبيو قد وضع بالفعل إطاراً وطنياً متيناً من خلال حملته الانتخابية الخاسرة أمام ترمب في عام 2016، مؤكداً أنه “مازال يطمح إلى الرئاسة”.
وأضاف فورمان أن فانس وروبيو من أبرز المرشحين لترشيح الحزب الجمهوري في عام 2028، “وأشار ترمب إلى كفاءة روبيو الرئاسية”.
واستطرد فورمان أن روبيو قد تكون لديه حسابات أخرى في المرحلة الراهنة “قد يقرر محاولة الاستفادة من خبرته في القطاع الخاص، ثم الترشح للرئاسة أو حتى لمنصب حاكم فلوريدا في وقت ما خلال ثلاثينيات القرن الحالي”.
