بعد ساعات من إلقاء قوات العمليات الخاصة الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تحذيراً إلى حلفاء الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية قائلاً: “لا تلعبوا بالنار”.

وزير الخارجية، الذي كان يقف إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتجع مارالاجو أثناء تنفيذ العملية، حذر كوبا ودولاً أخرى “معادية للمصالح الأميركية” من اختبار الرئيس، وقال: “لن ينتهي الأمر على نحوٍ جيد”.

وبات روبيو الذي تعود أصوله إلى كوبا، يواجه اليوم ربما أخطر مهمة في مسيرته المهنية، إذ يتعين عليه إدارة السياسة الأميركية تجاه فنزويلا بنجاح، مع الحفاظ في الوقت نفسه على طموحاته السياسية، وفق صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية.

وجاءت تصريحات روبيو، التي اتسمت بقدر من التباهي على طريقة ترمب، تتويجاً لتحول استمر عقداً من الزمن، انتقل خلاله من محافظ تقليدي ينتمي إلى المؤسسة الحاكمة إلى أحد أتباع حركة اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً MAGA، وهو ما أوصله إلى قلب “أخطر مقامرة يخوضها ترمب حتى الآن في السياسة الخارجية”.

كما مثّلت تلك اللحظة انتصاراً لابن المهاجرين الكوبيين الذي سعى طويلاً إلى مواجهة حكام المنطقة الأقوياء.

وبرز روبيو كوجه علني لاستراتيجية ترمب تجاه فنزويلا، مدافعاً عن الرئيس على شاشات التلفزيون، وموفداً رسائل واشنطن إلى خليفة مادورو، ديلسي رودريجز، بينما كان يحاول تهدئة مشرعين غاضبين من الحزبين.

طموحات سياسية تحت الاختبار

وأصبح وزير الخارجية قناة الاتصال الرئيسية للإدارة مع رودريجيز، في وقت عملت فيه الولايات المتحدة على فتح خط تواصل مباشر مع كاراكاس في أعقاب الفوضى التي أعقبت مداهمة 3 يناير.

ووفقاً لمسؤولين في الإدارة، أجرى روبيو مكالماته المتعددة مع رودريجيز باللغة الإسبانية لتقليل مخاطر سوء الفهم.

وخلال تلك المكالمات، عرض روبيو مطالب البيت الأبيض، ومنها أن تنأى فنزويلا بنفسها عن “روسيا وإيران والصين”، وأن توقف بيع النفط لخصوم الولايات المتحدة، وأن توافق على مجموعة من الشروط المواتية لشركات النفط الأميركية، بحسب أشخاص مطلعين على النقاشات.

ولم يوضح روبيو علناً كيف أو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدفع على المدى الطويل نحو انتقال ديمقراطي في فنزويلا، أو إلى متى ستواصل العمل مع المؤسسة الأمنية التي فرضت حكم مادورو بقبضة من حديد.

والأحد الماضي، بدا أن روبيو يتراجع عن تأكيد ترمب أن الولايات المتحدة ستدير البلاد، قائلاً إن الإدارة “تدير السياسة” بدلاً من ذلك، مستخدمة العقوبات على شحنات النفط من وإلى فنزويلا كأداة ضغط.

وبعد ساعات، قدّم ترمب تقييماً مختلفاً قائلاً: “نحن من يتولى القيادة”.

وخلال العام الماضي، أصبح روبيو أحد أكثر مستشاري الرئيس موثوقية، وفقاً لمسؤولين في الإدارة، بعدما كسب تأييد حلفاء ترمب الذين كانوا في السابق يستخفون بعضو مجلس الشيوخ السابق عن فلوريدا والمرشح الرئاسي السابق، معتبرينه من المحافظين الجدد.

ويُعد ذلك تحولاً لافتاً لروبيو، الذي كان قد وصف ترمب يوماً بأنه “محتال” يختطف الحركة المحافظة، ليرد ترمب عليه بلقب “ماركو الصغير”.

ويبلغ روبيو من العمر 54 عاماً، ولديه طموحات خاصة للوصول إلى البيت الأبيض، بحسب حلفائه، فيما غذّى ترمب المنافسة بينه وبين نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يُنظر إليه على أنه الوريث المرجح لحركة “MAGA”.

وقال روبيو في مجالسه الخاصة إنه لن يتحدى فانس على ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة في عام 2028، فيما ذكر مقربون منه أنه منفتح على الترشح ضمن البطاقة نفسها، بحسب ما أفادت به صحيفة “وول ستريت جورنال” سابقاً.

صعود روبيو في عالم “MAGA” وتصاعد التوتر مع مادورو

وكان روبيو أحد أكثر المسؤولين في الإدارة حماسة للدعوة إلى الإطاحة بمادورو من السلطة، بحسب مسؤولين أميركيين.

وبالعمل مع مستشار الأمن الداخلي ستيفن ميلر، قدّم روبيو عزل مادورو باعتباره محورياً للأولويات التي خاض ترمب حملته الانتخابية على أساسها، ومنها كبح تدفق المخدرات إلى الولايات المتحدة، وترحيل المهاجرين، وإعادة تأكيد الهيمنة الأميركية في المنطقة.

وقال مادورو في سبتمبر: “السيد الرئيس دونالد ترمب، انتبه، لأن السيد روبيو يريد أن يلطّخ يديك بالدماء”.

ودفعت العملية التي نُفذت نهاية الأسبوع الماضي، بروبيو إلى صدارة المشهد وانتشار واسع في أميركا اللاتينية، حيث صوّرته صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي على أنه “كابتن أميركا” و”القديس روبيو”، مع وضع صورته على شمعة صلاة كاثوليكية. 

وقال كارلوس تروخيو، حليف روبيو الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى منظمة الدول الأميركية في إدارة ترمب الأولى: “إنه يحقق أخيراً عمل حياته”.

وأثار صعود روبيو في عالم MAGA غضب بعض زملائه السابقين في مجلس الشيوخ، الذي صادق على تعيينه وزيراً للخارجية بأغلبية 99 صوتاً مقابل صفر، بمن فيهم مشرّعون ديمقراطيون كانوا يأملون أن يكبح جماح ترمب.

وقال السيناتور كريس فان هولن وهو ديمقراطي عن ماريلاند، العام الماضي خلال جلسة استماع: “أعتقد أنه خضع لعملية استئصال دماغ كاملة على طريقة MAGA”.

من معارض إلى منفذ لسياسات ترمب

ويركّز روبيو على فنزويلا منذ ما يقرب من عقدين، ففي المجلس التشريعي لولاية فلوريدا ولاحقاً في مجلس الشيوخ الأميركي، بنى علامته السياسية عبر الدفع بحملات ضغط أميركية ضد الحكومات اليسارية الاستبدادية في أميركا اللاتينية.

وخلال الولاية الأولى لترمب، عمل روبيو مع البيت الأبيض لتنسيق حملة دبلوماسية للضغط من أجل إزاحة مادورو عن السلطة بعد اتهامه على نطاق واسع بتزوير انتخابات فنزويلا، إلا أن الحملة فشلت.

وفي الأسبوع الذي أعقب فوزه بولاية ثانية، أعلن ترمب اختيار روبيو لتولي وزارة الخارجية، ليصبح أول أميركي من أصول لاتينية يشغل هذا المنصب.

أما الذين كانوا يأملون أن يستخدم روبيو خبرته العميقة لإعادة تشكيل السياسة الخارجية لترمب، فقد رأوه بدلاً من ذلك يتبنى اندفاعات الرئيس وينفذها بحماسة فاجأت حتى بعض حلفائه.

فعلى الرغم من كونه من المدافعين منذ زمن طويل عن المساعدات الخارجية، أيّد روبيو تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، واعتمد لهجة ترمب التصادمية تجاه حلفاء كان يطمئنهم في السابق.

كما فرض حظر تأشيرات على أوروبيين اتهمهم بتقييد حرية التعبير، وهدد بالرد إذا قاومت “بنما” مطالب ترمب بشأن القناة، وحذّر من أن اهتمام الرئيس بضم جرينلاند “ليس مزحة”.

فبعد أن كان أحد مهندسي إصلاح الهجرة في السابق، أصبح منفذاً لأجندة ترمب، متفاوضاً على اتفاق لاحتجاز المرحّلين من الولايات المتحدة في سجون بالسلفادور.

وقال إليوت أبرامز، الذي شغل مناصب في السياسة الخارجية في 3 إدارات جمهورية، من بينها إدارة ترمب: “لقد تبنّى روبيو رؤية ترمب القائمة على الصفقات في السياسة الخارجية، وهي بالتأكيد ليست الرؤية التي كان يتبناها في مجلس الشيوخ”.

وبحسب مسؤولين في الإدارة، أقام روبيو علاقة وثيقة مع ترمب. فهو يقضي وقتاً قليلاً في مقر وزارة الخارجية، ويعمل بدلاً من ذلك من داخل البيت الأبيض وعلى مقربة مباشرة من الرئيس.

وفي مواجهة مادورو، وجد روبيو حليفاً في ميلر، الذي كان قد هاجم، عندما عمل مساعداً في مجلس الشيوخ، تشريع الهجرة الذي صاغه روبيو بدعم من الحزبين. وفي عام 2023، ساعد ميلر في تنظيم حفل إطلاق كتاب لروبيو، وتطورت بين الرجلين علاقة عمل أوثق.

روبيو بين 10 زيارات لاتينية ونفوذ متصاعد

ومنح روبيو أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي اهتماماً غير معتاد من وزير خارجية أميركي، إذ زار 10 دول في المنطقة خلال عامه الأول.

ووضع هذا التركيز روبيو على مسار تصادمي مع ريك جرينيل، المبعوث الخاص الذي أوفده ترمب إلى كاراكاس للتفاوض مع مادورو، والذي جرى تجاوزه عند اختيار وزير الخارجية.

وكان جرينيل يفضّل نهجاً مختلفاً، داعياً البيت الأبيض إلى العمل مع مادورو لتأمين الإفراج عن محتجزين أميركيين، والتفاوض بشأن رحلات الترحيل، وفتح احتياطيات فنزويلا من النفط والمعادن. غير أن جرينيل جرى تهميشه في نهاية المطاف مع تبلور الخط المتشدد الذي دعا إليه روبيو، بحسب مسؤولين في الإدارة.

وبحلول أواخر الصيف، كان كبار المسؤولين يضعون خيارات لإزاحة مادورو من السلطة. 

وبدأ روبيو يعقد اجتماعات منتظمة مع ميلر، ووزير الدفاع بيت هيجسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ودان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، لبحث العملية العسكرية المحتملة.

وعندما رفض مادورو مخارج التسوية، خلص روبيو وكبار المساعدين الآخرين إلى أنه غير مستعد للتفاوض بجدية، وفقاً لمسؤولين في الإدارة.

وبعد أن رفض مادورو عرضاً قُدم له في 23 ديسمبر، بمغادرة البلاد إلى المنفى في دولة أخرى، قرر ترمب إطلاق العملية العسكرية.

ومع بدء ظهور الأخبار ومقاطع الفيديو الأولى للمداهمة في الساعات الأولى من الثالث من يناير، عبّر بعض المشرعين الجمهوريين، الذين انتقدوا ما يسمونه تجاوزاً رئاسياً في الحروب الخارجية، عن قلقهم إزاء اعتقال زعيم أجنبي. عندها تدخّل روبيو سريعاً.

شاركها.