لا تزال مبادرة “التيار الثالث”، التي أطلقها أكاديميون وناشطون في السويداء، تلقى أصداء متفاوتة في المحافظة.

“التيار الثالث” مبادرة أعلنت خارطة طريق تهدف إلى حماية المجتمع ومنع الانزلاق إلى الفوضى، من خلال إنشاء “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، وهي هيئة مدنية.

الموقعون على المبادرة، والبالغ عددهم 21 شخصًا، أصدروا بيانًا في مطلع شباط الحالي، وقالوا فيه إن “التيار” فرضه واقع الاستعصاء في محافظة السويداء، وهذا ما أدى إلى رفع صوتهم بـ”جرأة وشفافية”، انطلاقًا من مسؤوليتهم الأخلاقية والتاريخية تجاه حماية المجتمع وضمان استقراره وكرامته وأمانه.

مشروع مدني لإخراج السويداء من الاستعصاء

وفي هذا الإطار، يشرح  الناشط السياسي والمتحدث الإعلامي باسم “التيار الثالث”، الدكتور كنان مسعود، ل، طبيعة المبادرة، ويكشف عن الرؤية التي يحملها “التيار الثالث” في التعامل مع الأزمات الاجتماعية والسياسية داخل السويداء، إلى جانب التحديات التي واجهت المشروع منذ انطلاقه.

المتحدث الإعلامي باسم “التيار الثالث”، قال إن التيار طرح مشروع عمل مدني دون التواصل مع أي جهة، سواء من الحكومة السورية أو ما يدعى “الحرس الوطني”، مؤكدًا أن المبادرة انطلقت كمشروع سوري مستقل يهدف إلى إخراج محافظة السويداء من حالة الاستعصاء إلى مسار عمل قائم على جدول زمني محدد.

وذلك عبر تحويل حالة الانسداد إلى مطالب محقة ومجدولة يمكن العمل على إيجاد حلول لها.

وأوضح مسعود أن أصداء المبادرة داخل السويداء كانت “إيجابية جدًا”، حيث تلقفها السكان باهتمام، لا سيما أن مؤسسي التيار يضمون طاقم عمل من ناشطين في العمل المدني، وسياسيين لهم تاريخ نضالي ضد الاستبداد، إضافة إلى حقوقيين واقتصاديين وأطباء ومهندسين، ومن مختلف مكونات أبناء المحافظة.

وشدد على أن السويداء “أرض سورية وليست ملكًا لأي مكون من مكوناتها”.

وبيّن أن عددًا من الفعاليات المدنية أعلنت تضامنها مع المبادرة، لكنها فضلت عدم الكشف عن أسمائها بسبب حالة التهديد التي قد تصل، بحسب قوله، إلى “التصفية المعنوية وأحيانًا الجسدية”.

وفيما يتعلق بالجهات العسكرية، أكد مسعود أن “التيار الثالث” هو تيار مدني سياسي يرفض العنف كوسيلة لاحتكار الرأي.

ويرى أن الحوار والمقاربة الإنسانية هما السبيل لجمع مكونات الشعب السوري والوصول إلى حلول، لا العنف أو احتكار القوة.

وأضاف: “البندقية لم تصنع يومًا حضارة، لكن القلم غيّر الوجود الإنساني”.

ولفت إلى ورود تساؤلات من أشخاص اضطروا لحمل السلاح دفاعًا عن حياتهم خلال أحداث تموز 2025، موضحًا أن اللجنة الحقوقية في التيار طمأنتهم بأن من اضطر إلى القتال في تلك الظروف يختلف عن “المجرمين وأرباب السوابق وتجار المخدرات” المتورطين في السلب والخطف والسرقة ولديهم سجلات جنائية.

وأكد أن هذا التوضيح ترك أثرًا كبيرًا لدى كثيرين كانوا يعتقدون أنهم مضطرون للاستمرار في حمل السلاح لغياب البدائل.

مهام لجان “التيار”

وعن الخطوات المقبلة، قال مسعود إن التيار لا يزال في طور توزيع المهام بين لجانه.

وتعمل اللجنة القانونية على إعداد مشروع للتوصيف الجرمي ورفع القضايا وتأكيد الحقوق، بهدف تحويل مطالب الناس المحقة من آلام عامة إلى قضايا قانونية تضمن تحصيل الحقوق والتعويض العادل المعنوي والمادي وجبر الضرر.

أما اللجنة الاقتصادية، فقد وضعت خطة لآليات ترميم المنازل المتضررة بما يسمح بعودة أكبر قدر ممكن من المهجرين من مختلف مكونات السويداء، من خلال تأمين غرفة معيشة مع مطبخ وحمام لائق لكل منزل بدلًا من ترميم منزل كامل وترك جاره عاجزًا عن العودة، مع التأكيد على ضرورة تعويض الجميع، لأن “المنزل هو الوطن”، بحسب الدكتور كنان مسعود.

صعوبات تعترض سير عمل “التيار”

وفيما يخص الصعوبات، كشف مسعود أن أبرز التحديات تتمثل في احتكار القرار والتهديدات التي يتلقاها مؤيدو فكرة “التيار الثالث”، تحت ذريعة “أولياء الدم”.

وأشار إلى تعرض المبادرة لحملات تشهير وتخوين عبر ما وصفه بـ“الذباب الإلكتروني” وأشخاص مرتبطين بأجندات تستفيد من حالة الاستعصاء القائمة، ومن المتاجرة بآلام الناس والمحروقات وتحويلها إلى أرصدة بنكية.

وقال إن التيار يرى أن جميع أبناء السويداء هم من أولياء الدم، متسائلًا عما إذا كان من سقطوا في الحروب أو “المسرحيات بين النظام البائد والاحتلال الإسرائيلي” يُعدّون أيضًا من أولياء الدم.

وأضاف أنهم حاولوا توضيح أن استخدام عبارة “أولياء الدم” يُستغل للتلاعب بآمال الناس وآلامهم، لا لتحقيق حقوقهم، منوهًا إلى أن من فقدوا لا يمكن إعادتهم إلى الحياة، وأن أي حل لن يعيدهم، لكن الهدف هو الحفاظ على كرامة الناجين واستمرار عجلة الحياة الإنسانية.

“التيار” لم يتواصل مع أي جهة

وبشأن الدعم، أكد مسعود أن “التيار الثالث” تأسس كمبادرة ذاتية من ناشطين مدنيين من مختلف مكونات محافظة السويداء، دون أي مصالح شخصية، بل انطلاقًا من مصلحة عامة تحقق مصالح الجميع.

وشرح أن أعضاء التيار لم يتواصلوا مع أي جهة، معربين عن أملهم في أن تلقى مبادرتهم استجابة حتى من صناع القرار، وأن تمتد فكرتها لإعادة تعريف ودمج الناس ببعضها، ليس في السويداء فقط بل على مستوى الوطن السوري كاملاً.

وختم بالقول إن “التيار الثالث” فكرة عمل إنسانية مدنية لا تدعي احتكار الحقيقة، بل تهدف إلى الحفاظ على إنسانيتنا، بحيث يصبح عدم معاداة الآخر شكلاً من أشكال الثورة بحد ذاته.

إدانة المجازر وتحميل السلطة مسؤوليتها

حدد “التيار الثالث” سبعة أهداف رئيسة لـ”هيئة الإنقاذ المدني” هي:

  • إدانة المجازر والمطالبة بالمحاسبة وجبر الضرر.
  • تحميل السلطة مسؤولية أحداث تموز الدامية.
  • السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا الموحدة، واعتماد اللامركزية الإدارية التوافقية.
  • عودة الأهالي إلى قراهم، والإفراج عن المختطفين، وتعويض المتضررين.
  • حماية الطلاب وضمان الحق في التعليم.
  • تحييد السويداء عن المحاور الإقليمية وضمان العيش الكريم.
  • الحوار والتعاون المدني أساس العمل المجتمعي.

قراءة سياسية في “التيار”

الصحفي والمحلل السياسي درويش خليفة، قال في حديث سابق ل، إن المبادرات التي تصدر عن ناشطات وناشطين مجتمعيين وسياسيين من أبناء السويداء في الداخل والخارج، تحمل توجّهًا لإنقاذ المحافظة من حالة الجمود، ونقلها من “غرفة العمليات” إلى مرحلة النقاهة، ثم العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية.

غير أن التجربة السورية خلال السنوات الماضية، أثبتت أن كل استعصاء سياسي أو مجتمعي كبير غالبًا ما يستدعي وجود “ضامن خارجي” يضمن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه، أو يفرض الحد الأدنى من الالتزام ببنوده، أضاف المحلل السياسي خلال حديثه إلى.

وتبدو اللغة المطروحة أقرب إلى الدعوة لتكريس اللامركزية الإدارية، بما يسمح لأبناء المحافظة بإدارة شؤونهم المحلية والخدمية والأمنية ضمن إطار الدولة، وبما يفتح الباب أمام تسوية تدريجية لملف السلاح عبر دمج الفصائل المحلية أو تسليم سلاحها إلى وزارة الدفاع السورية.

في المقابل، أشار إلى أن المبادرة بصيغتها الأخيرة تفتقر إلى عناصر جوهرية تجعلها قابلة للتحول إلى مسار عملي، وفي مقدمتها: غياب آليات التنفيذ، وغياب الإطار الزمني، وغياب تصور واضح للتعامل مع السويداء باعتبارها “مجتمعًا سياسيًا” لا مجرد “مكوّن طائفي”.

واعتبر خليفة أن هذه ثغرة أساسية، مشيرًا إلى أن اختزال المحافظة ضمن مقاربة هوياتية سيعيد إنتاج الأزمة بدل حلها، ويُبقيها رهينة الخوف المتبادل والوصاية الأمنية.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.