يرى محللون دوليون وخبراء قانونيون أن من غير المرجح أن تتراجع الحكومات حول العالم عن الاتفاقات التجارية التي وقعتها مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال العام الماضي، رغم حكم المحكمة العليا الأميركية الذي قضى بعدم قانونية كثير من الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة، وفق ما أوردته صحيفة “فاينانشيال تايمز”.

ولم تتأثر قطاعات مثل السيارات والصلب بحكم المحكمة العليا الأميركية. ومن المتوقع أن تُحجم دول عن محاولة التراجع عن اتفاقاتها خشية التعرض لإجراءات انتقامية في تلك القطاعات من جانب إدارة ترمب “المتقلبة”، إلى جانب ما تملكه واشنطن من أوراق ضغط في مجالات أخرى مثل الدفاع والأمن.

وقال نائب الأمين العام لغرفة التجارة الدولية أندرو ويلسون إن الحكم القضائي يثير تساؤلات جوهرية بشأن مدى صلابة اتفاقات ترمب على المدى البعيد، لكنه لا يعني أنها تواجه خطر الانهيار الوشيك.

وأضاف: “من خلال محادثاتنا الأخيرة مع الحكومات، لا نتوقع أن نرى أي جهة تنسحب فوراً من الاتفاقات التي أُبرمت خلال الأشهر الماضية”.

رسوم “المعاملة بالمثل”

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، أبرم ترمب حزمة من الاتفاقات المعروفة باسم اتفاقات “الرسوم الجمركية القائمة على أساس المعاملة بالمثل”، فرض بموجبها تعريفات شاملة تتراوح بين 15 و20% على معظم الدول التي تصدّر إلى الولايات المتحدة سلعاً تفوق ما تستورده منها.

وقضت المحكمة العليا الأميركية، الجمعة، بأن الرسوم المفروضة استناداً إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية “غير قانونية”، فيما ظلت الرسوم الأخرى المفروضة على السيارات والصلب، والتي استندت إلى أساس قانوني مختلف، قائمة.

وعقب الحكم، سارع ترمب إلى الرد مستخدماً تشريعاً آخر، هو المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، لفرض رسوم بنسبة 10% على جميع المنتجات، علماً بأن هذه الرسوم لا تسري لأكثر من 150 يوماً من دون موافقة إضافية من الكونجرس الأميركي، إذ قال ترمب، السبت، إنه سيرفع هذه النسبة إلى 15%.

مصير الاتفاقيات التجارية

ورغم الضبابية القانونية المستجدة، وحقيقة أن كثيراً من الدول ستدفع الآن رسوماً أقل، رأى محللون أن من غير المرجح انهيار الاتفاقات القائمة، وإن كان من الممكن أن يتأخر تنفيذ بعضها إلى حين اتضاح الصورة القانونية. 

وقال سيمون إيفينيت، أستاذ الجغرافيا السياسية والاستراتيجية بكلية إدارة الأعمال بالمعهد الدولي للإدارة والتطوير في لوزان بسويسرا، إن الحكم لم يقلص أدوات الضغط المتاحة للإدارة الأميركية، بل استبدل مجموعة من التهديدات بأخرى. 

وكتب في تدوينة: “بالنسبة للدول التي تجري حالياً مفاوضات مع الولايات المتحدة، أو التي أبرمت اتفاقات مؤقتة، مثل سويسرا، فإن التهديد بفرض رسوم مرتفعة بعد انقضاء فترة الـ150 يوماً يُبقي الضغط لتقديم تنازلات، بل وربما يزيده.. عموماً، لا أتوقع تغيراً كبيراً”.

وتوقع إيفينيت أن يضيف الطابع غير التقليدي لاتفاقات ترمب التجارية، التي يُشار إليها أحياناً بـ”اتفاقات المنديل”، حيث يُتفق على الخطوط العريضة سريعاً ثم تُفصَّل لاحقاً في مفاوضات لاحقة، مزيداً من الضبابية. 

وتسمية “اتفاقات المنديل” ليست مصطلحاً رسمياً في التجارة الدولية، بل تعبير مجازي يستخدمه بعض المحللين لوصف أسلوب التفاوض السريع وغير التقليدي، عندما يكون الاتفاق مرتجلاً وسريعاً جداً، بحيث تُكتب خطوطه العريضة على أي شيء متاح – حتى لو كان منديلاً ورقياً – ثم تُترك التفاصيل الدقيقة للتفاوض لاحقاً.

وأضاف إيفينيت: “يعزز ذلك الموقف التفاوضي لشركاء تجاريين مثل الهند، ويغذي سردية أن ترمب يتراجع دائماً”. 

غير أنه في الحالات التي أُبرمت فيها اتفاقات بالفعل، مثل تلك الموقعة مع الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية، يتوقع محللون أن يحدّ الخوف من الإجراءات الانتقامية من تداعيات حكم المحكمة العليا الأميركية.

سند قانوني

وفُرضت رسوم ترمب على الصلب والسيارات وأشباه الموصلات والسلع الطبية استناداً إلى المادتين 232 و301 من قانون التجارة الأميركي، وهي أدوات قانونية ما زالت متاحة للإدارة لمعاقبة الشركاء الذين يحاولون التنصل من التنازلات التي سبق أن قدموها. 

ومن المقرر أن يجتمع البرلمان الأوروبي، الإثنين، لبحث تأجيل التصديق على ما يُعرف باتفاق “تيرنبيري”، وهو اتفاق أُبرم بين بروكسل وواشنطن العام الماضي فرض رسوماً بنسبة 15% على معظم السلع الأوروبية المستوردة إلى الولايات المتحدة. 

ورغم بعض المعارضة للاتفاق، يتوقع نيكولا كوهلر-سوزوكي، مستشار التجارة والأمن الاقتصادي في معهد جاك ديلور، صمود اتفاق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بسبب التهديد الذي يمثله “الردع البديل”. 

وأضاف: “العصا تتمثل في تهديدات قانونية بديلة، لا سيما الرسوم الجمركية على السيارات. سيشعر البرلمان الأوروبي بجرأة أكبر بعد الحكم، لكن المخاطر الاقتصادية المترتبة على إعادة فرض رسوم السيارات تظل قائمة وتُحيد الحافز لتحدٍ مباشر”. 

وقال محللون إن استكمال الاتفاقات التي أُعلن عنها حديثاً، مثل الاتفاق الأميركي-الهندي الذي أُعلن هذا الشهر وخفّض فيه ترمب الرسوم على السلع الهندية من 50% إلى 18%، قد يتباطأ الآن مع سعي الحكومات إلى استغلال الصعوبات القانونية التي يواجهها ترمب. 

وأصدرت وزارة التجارة الهندية بياناً عقب الحكم، قالت فيه إنها “تدرس جميع هذه التطورات”، فيما بدا أن ترمب يوجه تحذيراً إلى نيودلهي، الجمعة، عندما سُئل عن الاتفاق مع الهند، قائلاً: “لا شيء يتغير”.

وقال براتيك داتاني، مؤسس مركز الأبحاث “بريدج إنديا”، إن الحكم قد يتيح للهند مساحة لإبطاء وتيرة المحادثات، وربما انتظار طعن قانوني في الرسوم الجديدة، أو تحول في موازين القوى داخل الكونجرس الأميركي بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. 

وأضاف إيفينيت أنه في ظل مواصلة الولايات المتحدة مساعيها للتوسط في سلام بين موسكو وكييف، يتعين على أوروبا أيضاً أن تدرس مخاطر سحب ترمب الدعم الأمني لأوكرانيا، وهو عامل رئيسي في قرار بروكسل الأصلي بتوقيع اتفاق تيرنبيري رغم المعارضة السياسية.

واقع مشابه في آسيا 

وعكست ردود الفعل الخافتة في أنحاء آسيا واقعاً مشابهاً تواجهه دول مثل كوريا واليابان، حيث تواجه قطاعات السيارات خطر التعرض لرد انتقامي.

ومع ذلك، حذرت ألي رينيسون، المسؤولة السابقة في وزارة التجارة البريطانية والتي تعمل حالياً في شركة الاستشارات SEC Newgate، من أنه رغم احتفاظ الولايات المتحدة بأوراق ضغط في المفاوضات التجارية الجارية، فإن واشنطن ستحتاج الآن إلى توخي قدر أكبر من الحذر.

وأضافت: “سيأمل البيت الأبيض أن يبقي النهج غير المتوقع للرئيس ترمب في العلاقات الخارجية محاولات إعادة التفاوض تحت السيطرة، لكن ذلك سيتوقف أيضاً على قدرة واشنطن على إحياء مهاراتها الدبلوماسية”. 

شاركها.