عندما أعلنت الحكومة الكوبية، هذا الأسبوع، مصرع عناصر من قواتها المسلحة وأجهزة الاستخبارات خلال العملية الأميركية التي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أثار الأمر أسئلةً بشأن حضور هافانا في دائرة أمن قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس.

وكانت وكالة “رويترز” قد أشارت إلى أن كوبا قدمت “بعض الحماية الأمنية” لمادورو منذ وصوله إلى الحكم عام 2013، من دون أن يتبيّن عدد الكوبيين الذين كانوا ضمن الحلقة القريبة منه وقت العملية.

لكن وجود حراس كوبيين في فنزويلا، لم يبدأ مع مادورو، بل تعود جذور هذا التعاون الأمني إلى قرار اتخذه سلفه هوجو تشافيز، الضابط السابق الذي جاء إلى السلطة بعلاقة استثنائية مع هافانا، تعمقت على نحو حاسم بعد عام 2002.

 “صدمة 2002” نقطة التحول

في أبريل 2002 تعرّض الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز لمحاولة انقلاب أطاحت به مؤقتاً قبل أن يعود إلى القصر خلال أيام.

ووفقاً لموسوعة “بريتانيكا” أطاح الانقلاب بتشافيز لفترة وجيزة ثم أُعيد إلى منصبه خلال يومين تقريباً نتيجة احتجاجات مؤيديه وتحول بعض القوات لصالحه، إذ كان تشافيز يتمتع بشعبية كبيرة وتأييد واسع في بلاده.

بعد تلك التجربة، بدأت “عقيدة أمنية” جديدة تتبلور، مفادها أنه إذا كانت المؤسسة العسكرية والاستخبارات المحلية يمكن أن تنقلب، فالزعيم بحاجة إلى طبقات حماية إضافية، ومن هنا دخلت كوبا، بحكم العلاقة الوثيقة واعتبارها ضمن “المعسكر الاشتراكي” نفسه، بثقل أكبر إلى قلب المنظومة الأمنية الفنزويلية.

وفي تحقيق استقصائي عام 2019، نقلت وكالة “رويترز” عن مستشارين سابقين ومسؤولين عسكريين سابقين أن تشافيز، وبمباركة من فيدل كاسترو، أدخل مستشارين كوبيين إلى دائرته الداخلية لـ”تشديد الأمن”، وبدأ حملة تطهير داخل جهاز الاستخبارات وبعض الصفوف العليا في الجيش.

ثم سرعان ما أبرم البلدان اتفاقيتين منحتا كوبا وصولاً عميقاً إلى الجيش الفنزويلي، وحرية واسعة للتجسس عليه وإعادة هيكلته.

وأشارت “رويترز” إلى أن هاتين الاتفاقيتين، قادتا إلى فرض رقابة صارمة على القوات الفنزويلية عبر جهاز استخبارات محلي يُعرف الآن باسم “المديرية العامة لمكافحة التجسس العسكري” DGCIM.

واستطاعت فنزويلا بإشراف مستشارين عسكريين كوبيين، إعادة تشكيل وحدة الاستخبارات لتصبح جهازاً يتجسس على قواته المسلحة نفسها، بما “يزرع الخوف والارتياب ويقمع أي معارضة”.

بالتوازي مع بدء كوبا تدريب كوادر المديرية العامة لمكافحة التجسس العسكري، تحولت المؤسسة إلى أداة رقابة داخلية واسعة النطاق داخل الثكنات العسكرية، إذ زرعت الاستخبارات عملاء- غالباً بزي عسكري أسود- لجمع ملفات عن “مثيري الشغب” المشتبه بهم، ورصد أي مؤشرات على عدم الولاء، وذلك بحسب ما ذكر أكثر من 20 مسؤولاً عسكرياً واستخباراتياً فنزويلياً سابقاً.

وامتدت الحملة إلى التنصّت على هواتف الضباط، بمن فيهم كبار القادة، بحثاً عن أي مؤامرات، ما أسفر عن اعتقال المئات.

وقالت الجمعية الوطنية التي تقودها المعارضة، إن ما لا يقل عن 200 مسؤول عسكري لا يزالون رهن الاحتجاز، بينما تُقدّر منظمة “مراقبة المواطنين” العدد بأكثر من 300.

وفي وثيقة تعود إلى يونيو 2017 اطلعت عليها “رويترز”، وُجهت تهمة “التخريب الأيديولوجي والسياسي” إلى أحد الجنود بسبب التحاقه بجامعة تُعد موالية للمعارضة، كما روى ملازم سابق، طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول “دانيال”، أنه قُيّد بالأصفاد إلى كرسي في غرفة مضاءة باستمرار وتعرض للضرب حتى كُسرت فقرتان من عموده الفقري.

ومنذ إعادة تشكيله، تضخّم الجهاز من بضع مئات في بدايات عهد تشافيز إلى ما لا يقل عن 1500 عميل عام 2019، وفقاً لمسؤولين عسكريين سابقين، فيما اتهم تقرير حديث للأمم المتحدة الجهاز بـ”ممارسة التعذيب”، بما في ذلك الصعق بالكهرباء والخنق والإيهام بالغرق والعنف الجنسي والحرمان من الماء والغذاء.

وفي عهد مادورو، صعد ضباط الجهاز إلى مناصب عليا، بما في ذلك قيادة فريق حمايته الشخصية، وهو ما تقول المعارضة إنه ساهم في إخضاع القوات المسلحة، رغم أن دعواتها المتكررة للتمرد العسكري لم تجد استجابة تُذكر، إذ نقلت “رويترز” عن مسؤول معارض رفيع شارك في محاولات التواصل مع القادة العسكريين قوله: “لقد فشلنا. ليس لدينا ما نقدمه لإقناعهم”.

واعتُبرت هذه الخطوة بمثابة إعادة هندسة لمنطق الثقة والولاء داخل أجهزة الدولة الفنزويلية.

“أقل عرضة للاختراق”

إذ كان وجود كوبيين داخل المنظومة الأمنية الفنزويلية يُقرأ أحياناً بوصفه وسيلة لـ”تحصين النظام”، عبر إضافة طبقات حماية تقيه من التقلبات العائلية والمالية والعسكرية، وتوزيع مراكز القوة داخل الدولة، فإن فهم سبب اختيار كوبا تحديداً لا يكتمل من دون العودة إلى الصفقة الأوسع التي نسجها هوجو تشافيز مع هافانا. فقد قام هذا الارتباط على تحالف اقتصادي ـ أيديولوجي عميق، جعل بقاء الحليف في كراكاس مسألة تتجاوز حدود المجاملة السياسية، لتدخل في صميم حسابات “العيش اليومي” في كوبا، وفي الوقت ذاته في شرعية المشروع “البوليفاري” داخل فنزويلا.

منذ بدايات “المحور البوليفاري” بين تشافيز وفيدل كاسترو، تأسست العلاقة على معادلة تبادل واضحة، نفط فنزويلي يمدُّ كوبا بطاقة تفضيلية، مقابل خدمات بشرية كوبية واسعة داخل فنزويلا (أطباء، ومدرسون، وخبراء)، وذلك في إطار خطاب أيديولوجي عن “التضامن الثوري” ومناهضة النفوذ الأميركي.

وأشارت تقارير إلى تدفّق كوادر كوبية إلى فنزويلا في إطار برامج اجتماعية مختلفة، في وقت أصبحت فيه كوبا تعتمد بشكل متزايد على الإمدادات النفطية الفنزويلية لتشغيل قطاعات حيوية في اقتصادها.
 
 

ومع مرور الوقت تحول النفط إلى شريان لا يمكن فصله عن استقرار هافانا الداخلي، وذكرت صحيفة “الجارديان” البريطانية في تقرير حديث أن الإمداد النفطي الفنزويلي المدعوم كان بالغ الأهمية للحفاظ على عمل شبكة الكهرباء المتقادمة في كوبا. وحتى مع تراجع الكميات في السنوات الأخيرة ، لم يعد دعم كوبا لنظام كراكاس مجرد تقارب سياسي، بل استثماراً في “استمرار الصفقة” نفسها.

وفي تقرير نُشره خلال فبراير 2020، وصف مركز “ويلسون” البلدين بأنهما صارا مترابطين بشكل “اعتمادي”، لافتاً إلى أن عناصر عسكرية واستخبارية كوبية تساعد مادورو على البقاء، بينما يواصل النفط الفنزويلي توفير دعم يحتاجه الاقتصاد الكوبي.

وحتى تحت ضغط العقوبات الأميركية، نقلت “رويترز” عن مسؤولين فنزويليين تعهدهم بمواصلة الوفاء بالالتزامات النفطية تجاه “الحليف الأيديولوجي”، كوبا، في إشارة إلى أن البعد السياسي جزء من العقد غير المكتوب بين الطرفين.

كيف ظهر الحرس الكوبي حول مادورو؟

بحسب صحيفة “إل باييس” الإسبانية، تحدث مادورو خلال رئاسته عن “عشرات” مخططات الاغتيال، لافتةً إلى أن ذلك دفعه إلى إنشاء “حلقة أولى” من الأمن، هي الحرس الشرفي الرئاسي الذي يضم العشرات من الحراس “مختارين من كوبا ومن أجهزة الأمن الفنزويلية”.

وشهد هذا الحرس تغييرات في قيادته بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في 28 يوليو 2014، ما دفع الزعيم التشافيزي إلى إعادة تشكيل فريقه لمواجهة الأزمة السياسية التي أثارتها مزاعم التزوير الانتخابي.

وعُين الجنرال خافيير خوسيه ماركانو تاباتا رئيساً للحرس، خلفاً لإيفان هيرنانديز دالا، الذي كان مسؤولاً عن أمن مادورو لما يقرب من عقد من الزمان.

وفي خطاب ألقاه عام 2017، قال نيكولاس مادورو: “نحن ممتنون للقوات المسلحة الثورية الكوبية. نحييهم وسنرحب بهم دائماً”.

ولا يُعد الحضور الكوبي داخل المؤسسات الأمنية الفنزويلية جديداً على الجدل العام في فنزويلا، فبحسب تقرير لـ”رويترز” يعود لعام 2010، حذّر جنرال فنزويلي متقاعد من أن وجود جنود كوبيين في مستويات صنع القرار العسكري العليا يُمثل “تهديداً أمنياً”، وهو ما يُشير إلى أن القضية مطروحة منذ سنوات بوصفها عنواناً لصراع السيادة والثقة داخل الدولة.

شاركها.