خطيب بدلة

قال الفنان المبدع الكبير، زياد الرحباني، في إحدى مقابلاته الأخيرة: حاسس إني ما عاد إلي لزوم! جملة موجعة، أرى أننا، نحن المثقفين، أو المتوهمين بأننا مثقفون، بحاجة ماسة للوقوف عندها، والتفكر فيها، قبل أن يدركنا الموت، مثلما أدرك زياد، ونغادر ذاكرة الناس، وكأننا لم نكن موجودين فيها قط.

قبل حوالي عشرين سنة، حينما عرضتُ على صديقي الأديب، تاج الدين الموسى، فكرة أن أجري معه حوارًا صحفيًا، باغتني بجواب لم أكن أتوقعه، قال: يعني خلاص، أنا بدي أغادر؟ فكرت، يومها، بأن ما دفع صديقي تاج، إلى هذا الاستنتاج، أنه أصيب، في تلك الآونة، بسرطان الرئة، وفهم أن أيامه في الحياة صارت قليلة، وما زاد في ريبته، أنني معروف في عالم الكتابة قبله، والمنطق يقضي بأن يحاورني هو، وليس العكس! أذكر أنني لجأت، في مواجهة ذلك الموقف، إلى اللفلفة، والمراوغة، لأبعد عنه شبح الموت، ولو على نحو مؤقت.. والمهم أننا أجرينا اللقاء، ونشرته في صحيفة “النور”، وبعد سنوات قليلة، وتحديدًا في سنة 2012، غادرنا، وكان في عمر 57 سنة.

الفكرة التي طرحها زياد الرحباني، مع ذلك، قوية، وصادمة، تمسك بتلابيب الإنسان، وتجعله يفكر فيها باستمرار، يعود ذلك إلى أننا دخلنا، اليوم، في عصر صاخب، موجاتُه متلاحقة، يطوي صفحات المبدعين، والسياسيين، مهما كانوا متألقين، متميزين.. ويا ليت الأمر يقتصر على النسيان، فما حصل على أرض الواقع، أن الأجيال الحالية فقدت الاحترام للمبدعين، والمؤثرين، وحتى المناضلين، فمثلًا، ترسخ في أذهان السوريين، خلال أكثر من مئة سنة، أن الأشخاص الذين أعدمهم جمال باشا، سنة 1916، أبطال، صناديد، استشهدوا في سبيل الوطن والقضية، وواجهوا المشنقة كما لو أنه أرجوحة، ولكن، من كان يدري أن تأتي حكومة تمنع الاحتفال بذكراهم، وتثير حول مواقفهم الوطنية الشكوك؟

خلال سنوات المقتلة، التي بدأت بعد سنة 2011، سقط عدد كبير من المبدعين، الذين كانوا مصنفين في خانة الكبار، من أعين الكثيرين، وأصبحت صفة “شبيح” تلازم بعضهم، وصفة “خاين” تطلق على بعضهم الآخر، وهاتان الصفتان أفرزتا عبارات تهكمية، وشتائم لا تقل قساوة عنهما، مثل: يضرب هو وأدبه، تافه، منحط، من عبيد البوط، أو: عميل مأجور من جماعة البترودولار، والذين اتخذوا وضعية المزهرية، اتهمهما أحد الطرفين بتأييد الدكتاتور، وطالبهما الطرف الآخر بإعلان موقف واضح من إرهاب الثوار، المدعومين من جهات مشبوهة، بحسب زعمهم.

عندما قال زياد الرحباني تلك العبارة الموجعة، كان في أوج تألقه، فقد تغلب على أكبر تحدٍّ يمكن أن يواجهه موسيقار صاعد، وهو أن يكون ابن مدرسة موسيقية غنائية جبارة، أعني مدرسة الرحباني، ويستطيع، بعبقرية نادرة، أن يكون متميزًا، ذا صوت فريد في عالم التلحين، والغناء، والسخرية.. وهنا ينشأ سؤال: إذا كان العبقري زياد لا لزوم له، فما بالك بأدبائنا، ومبدعينا، وكل واحد منهم عنده مشكلة إبداعية، تصل إلى حدود العاهة؟

إنه أمر أكثر من طبيعي: في عصر الثورات، والحروب الأهلية، والعصبيات القومية، والدينية، والطائفية، ألا يبقى للمبدعين لزوم.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.