غزوان قرنفل
تعود مجددًا إلى واجهة المشهد السوري الجديد ظاهرة المحسوبية وتغليب روابط القرابة، ولكن هذه المرة في سياق ما يفترض أنه “بداية جديدة” و”مرحلة تأسيسية” لدولة القانون والمواطنة وتكافؤ الفرص! بعد عقود من النهب والخراب.
فكل ما يجري على أرض الواقع يؤكد ذلك تمامًا، إذ نشهد تسلق الإخوة والأقارب وأبناء الدوائر الضيقة للمسؤولين الجدد إلى مواقع القرار العليا في الدولة، دون أي اعتبار يُذكر للكفاءة أو الخبرة أو المؤهلات العلمية والمهنية، ودون أدنى احترام لما يجب اتباعه من آليات قانونية للتوظيف وشغل المناصب والمواقع الإدارية، وكأننا في هذا البلد، بكل ما تحمله من جراح وتحديات وما عاناه هذا المجتمع المستنزف طوال عقود، لم نتعلم شيئًا من تلك الدروس القاسية.
إن تولي الأقارب والمحاسيب المناصب الحساسة لا يمكن توصيفه بكونه مجرد خلل إداري عابر، بل هو مؤشر بنيوي على طبيعة السلطة الحاكمة ورؤيتها للدولة، فالدولة التي تدار بعقلية العائلة أو الجماعة المغلقة لا يمكن أن تتحول إلى دولة مؤسسات، لأن المؤسسة بطبيعتها تقوم على معايير قانونية وإدارية واضحة، وقواعد تنافس ضمن سياق مبدأ تكافؤ الفرص، وعلى آليات رقابة ومساءلة، بينما تقوم المحسوبية على الثقة الشخصية، والولاء، والانتماء، وليس على الكفاءة والإنجاز.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يعيد إنتاج النموذج الذي قاد سوريا أصلًا إلى الانهيار، فالنظام السابق لم يسقط فقط بسبب الاستبداد السياسي، ولا بسبب البطش الأمني فحسب، بل بسبب تحويل الدولة إلى شبكة مصالح عائلية وأمنية ضيقة ابتلعت الاقتصاد وأقصي فيها المجتمع، وهمشت الكفاءات، وجففت الحياة العامة.
اليوم، وبدل أن يكون ما جرى وما تغير يمثل قطيعة مع هذا الإرث، فإنه مع الأسف يبدو كامتداد له بأدوات جديدة وخطاب مختلف، فحين يتولى شقيق مسؤول، أو قريبه، أو صهره، منصبًا رفيعًا دون مسار مهني واضح أو مؤهلات مناسبة، فإن الرسالة التي يتم إرسالها للمجتمع تبدو واضحة وقاسية.. هذه الدولة ليست لكم، وهذه الفرص ليست متاحة أمامكم، والاجتهاد والخبرة لا قيمة لهما أمام رابطة الدم أو القرب من مركز القرار! هذه الرسالة كفيلة وحدها بتدمير أي أمل ببناء عقد اجتماعي جديد.
إن بناء الدولة بعد صراع مدمر لا يكون بالشعارات والكرنفالات الاحتفالية، بل بإجراءات عملية تعيد الثقة بين السلطة والمجتمع، وأول هذه الإجراءات هو اعتماد مبدأ تكافؤ الفرص والالتزام بموجباته، وفتح المجال العام أمام الكفاءات الوطنية بمختلف انتماءاتها، وإرساء معايير شفافة للتعيين والترقية، على عكس ما يحصل اليوم تمامًا من إغلاق متزايد للدائرة الحاكمة، وتكريس لمنطق الاستئثار والتفرد.
خلال عام واحد فقط من عمرها الافتراضي، أسست السلطة القائمة لانقسام وطني عميق، ليس فقط بسبب سياساتها الإقصائية وجموحها اللامحدود نحو التفرد، بل أيضًا بسبب غياب أي جهد حقيقي للمساءلة والمصالحة وترميم التصدع المجتمعي، فهي لم تقدم مجرد رؤية حتى لمشروع وطني جامع، ولا خطوات ملموسة لإعادة إدماج السوريين بعضهم مع بعض في دولة واحدة تحترم التنوع، بل على العكس قامت بتجييش السوريين وتأليب بعضهم ضد بعض، وغضت الطرف عن المذابح والانتهاكات التي ارتكبت بحق أقليات سعت لإخضاعها بقوة السلاح بدلًا من الحوار وتعزيز المشاركة، فكرست الانقسام ثم عززته أكثر عبر التعيينات، والخطاب الإعلامي، والممارسات اليومية، وكأن الانقسام بات أداة حكم وليس مشكلة يجب العمل على حلها.
إن استمرار هذا النهج ينذر بخراب جديد يضاف إلى الخراب القائم، فالدولة التي تدار بالمحسوبيات عاجزة عن تقديم الخدمات، وفاشلة في إدارة الأزمات، وضعيفة أمام التحديات، ومع الوقت تتحول إلى كيان هش، تفقد فيه الأطراف المختلفة شعورها بالانتماء وتبدأ بالبحث عن بدائل جغرافية أو طائفية أو مناطقية، وهنا يصبح التقسيم عاجلًا أو آجلًا نتيجة شبه حتمية، دون الحاجة لوجود مؤامرة خارجية كما يروَّج عادة.
الأدهى أن السلطة الحالية لا تظهر أي مؤشر على وعي هذا الخطر، ولا على رغبة حقيقية في تغييره، فلا مراجعات، ولا اعتراف بالأخطاء، ولا إشارات إلى نية ولا مؤشر إلى رغبة بإعادة بناء الثقة وفتح المجال العام إلا للمنتفعين والمطبلين، في رسالة إلى المجتمع أن المطلوب من السوريين هو القبول بالأمر الواقع حتى وإن كان هذا الواقع يقودهم إلى مزيد من التفتت أو حتى إلى ما يرونه إعادة إنتاج نفس البنية السلطوية التي ثاروا عليها، ولكن بلبوس جديدة.
إن دولة الأقارب والمحاسيب ليست مجرد خلل أخلاقي أو إداري أو قانوني، بل هي النقيض تمامًا لفكرة الدولة الحديثة، وإذا ما استمر هذا المسار فإن الحديث عن بناء مؤسسات سيبقى مجرد وهم ومحض هراء، وستظل سوريا عالقة في دائرة إعادة إنتاج الفشل، ولكن بأسماء جديدة ووجوه مختلفة لا أكثر.
مرتبط
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
