قضت محكمة استئناف فيدرالية أميركية، الجمعة، بأن الرئيس دونالد ترمب لا يملك الحق القانوني في فرض رسوم جمركية شاملة، لكنها أبقت في الوقت الحالي على مساعيه لبناء جدار حمائي حول الاقتصاد الأميركي، فيما اعتبر ترمب أن القرار له “تبعات كارثية” على البلاد.

وأيد الحكم إلى حد كبير قراراً أصدرته محكمة تجارية فيدرالية متخصصة في نيويورك خلال مايو الماضي، لكن قرار المحكمة بأغلبية 7 مقابل 4 ألغى جزءاً من ذلك الحكم الذي كان يقضي بإلغاء الرسوم الجمركية فوراً، ما أتاح لإدارته وقتاً للاستئناف أمام المحكمة العليا.

وحسب وكالة “أسوشيتد برس”، يُعقّد هذا القرار طموحات ترمب في تغيير سياسة التجارة الأميركية القائمة منذ عقود.

ويمتلك ترمب قوانين بديلة لفرض الرسوم الجمركية، لكنها ستحد من سرعة وصرامة إجراءاته. 

ترمب: حكم كارثي

وتعليقاً على الحكم، كتب ترمب على منصة “تروث سوشيال”، أن جميع التعريفات الجمركية لا تزال سارية، واصفاً محكمة الاستئناف بأنها “شديدة التحيز”، وأضاف: “لكنهم يعلمون أن الولايات المتحدة الأميركية ستنتصر في النهاية”.

وحذر ترمب من أنه “إذا تم إلغاء هذه التعريفات، فستكون كارثة كاملة على البلاد. ستجعلنا ضعفاء مالياً، وعلينا أن نكون أقوياء”.

وأضاف: “لن تتسامح الولايات المتحدة الأميركية بعد الآن مع العجز التجاري الهائل والتعريفات الجمركية غير العادلة والحواجز التجارية غير الجمركية التي تفرضها دول أخرى، صديقة كانت أم عدوة، والتي تقوض مصنعينا ومزارعينا وكل شخص آخر”. 

وأوضح أنه “إذا سُمح لهذا القرار (القضائي) بالبقاء، فسيدمر الولايات المتحدة الأميركية حرفياً. في بداية عطلة عيد العمال هذه، يجب أن نتذكر جميعاً أن التعريفات الجمركية هي أفضل أداة لمساعدة عمالنا، ودعم الشركات التي تنتج منتجات رائعة مصنوعة في أميركا”. 

وتابع: “لسنوات عديدة، سُمح باستخدام التعريفات الجمركية ضدنا من قبل ساستنا غير المبالين وغير الحكماء. والآن، بمساعدة المحكمة العليا للولايات المتحدة، سنستخدمها لمصلحة أمتنا، ونجعل أميركا غنية وقوية ومقتدرة من جديد! شكراً لاهتمامكم بهذا الأمر”.

وهزت الرسوم الجمركية، والطريقة غير المنتظمة التي طبقت بها الأسواق العالمية، وأبعدت شركاء الولايات المتحدة التجاريين وحلفائها، وأثارت مخاوف من ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو الاقتصادي، بحسب “أسوشيتد برس”.

ضغوط على الحلفاء

واستخدمت  إدارة ترمب الرسوم للضغط على الاتحاد الأوروبي واليابان ودول أخرى لقبول صفقات تجارية أحادية الجانب، ولضخ عشرات المليارات من الدولارات في الخزانة الفيدرالية للمساعدة في تمويل التخفيضات الضريبية الهائلة التي وقّعها ليصبح قانوناً في 4 يوليو.

وقالت آشلي أكيرز، كبير المستشارين في شركة هولاند آند نايت للمحاماة ومحامي المحاكمات السابق في وزارة العدل، قبل قرار محكمة الاستئناف لـ”أسوشيتد برس”، إنه “في حين أن الصفقات التجارية القائمة قد لا تنهار تلقائياً، إلا أن الإدارة قد تفقد ركيزة من ركائز استراتيجيتها التفاوضية، ما قد يشجع الحكومات الأجنبية على مقاومة المطالب المستقبلية، وتأخير تنفيذ الالتزامات السابقة، أو حتى السعي لإعادة التفاوض على الشروط”.

وأضافت أن “الحكم ضد الرسوم الجمركية لن يمثل هزيمة قانونية فحسب، بل ضربة قوية لنموذج الإدارة في الدبلوماسية التجارية القسرية”.

وقد تضطر الحكومة أيضاً إلى استرداد بعض ضرائب الاستيراد التي جمعتها، ما يوجه ضربة مالية لوزارة الخزانة الأميركية.

وحذّرت وزارة العدل الأميركية في ملف قانوني خلال وقت سابق من أغسطس، من أن إلغاء الرسوم الجمركية قد يعني “خراباً مالياً” للولايات المتحدة.

حالة الطوارئ

يشمل الحكم مجموعتين من ضرائب الاستيراد، برّر ترمب كليهما بإعلان حالة طوارئ وطنية بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977.

وكان ترمب قد أعلن في أبريل الماضي فرض الرسوم الجمركية الشاملة، عندما فرض رسوماً جمركية “متبادلة” تصل إلى 50% على الدول التي تعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري معها، ورسوماً جمركية “أساسية” بنسبة 10% على جميع الدول الأخرى تقريباً. 

وقال ترمب حينها إن حالة الطوارئ الوطنية التي تكمن وراء الرسوم الجمركية هي الفجوة طويلة الأمد بين ما تبيعه الولايات المتحدة وما تشتريه من بقية العالم.

وبدأ الرئيس الأميركي في فرض معدلات التعريفات الجمركية المعدلة في أغسطس، لكن السلع من البلدان التي تحقق الولايات المتحدة فائضاً تجارياً معها تواجه الضرائب أيضاً.

وشمل الحكم أيضاً “رسوم الاتجار بالبشر” التي أعلن عنها ترمب في الأول من فبراير على الواردات من كندا والصين والمكسيك. وصُممت هذه الرسوم لحث هذه الدول على بذل المزيد من الجهود لوقف ما أعلنه حالة طوارئ وطنية: التدفق غير المشروع للمخدرات والمهاجرين عبر حدودها إلى الولايات المتحدة”.

ويمنح الدستور الأميركي الكونجرس سلطة فرض الضرائب، بما في ذلك الرسوم الجمركية. لكن على مدى عقود، تنازل المشرعون عن صلاحياتهم للرئيس، واستغل ترمب فراغ السلطة على أكمل وجه، بحسب “أسوشيتد برس”.

لكن تأكيد ترمب على أن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية يمنحه سلطة غير محدودة لفرض ضرائب على الواردات سرعان ما أثار طعوناً قانونية. 

ولم يسبق لأي رئيس أن استخدم هذا القانون لتبرير الرسوم الجمركية، على الرغم من أن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية استُخدم كثيراً لفرض قيود على الصادرات وعقوبات أخرى على خصوم الولايات المتحدة مثل إيران وكوريا الشمالية.

ويجادل المدعون بأن قانون صلاحيات الطوارئ لا يجيز استخدام الرسوم الجمركية، كما يشيرون إلى أن العجز التجاري لا يرقى إلى مستوى تعريف التهديد “غير العادي والاستثنائي”؛ الذي يبرر إعلان حالة الطوارئ بموجب القانون. 

سابقة تاريخية

وتعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري، حيث تشتري من الدول الأجنبية أكثر مما تبيع لها، منذ 49 عاماً متتالية.

وجادلت إدارة ترمب بأن المحاكم وافقت على استخدام الرئيس ريتشارد نيكسون للرسوم الجمركية في حالات الطوارئ خلال أزمة اقتصادية عام 1971، والتي نشأت نتيجة الفوضى التي أعقبت قراره بإنهاء سياسة ربط الدولار الأميركي بسعر الذهب. 

وفي مايو الماضي، حكمت محكمة التجارة الدولية الأميركية في نيويورك بأن رسوم ترمب الجمركية “تتجاوز أي سلطة ممنوحة للرئيس” بموجب قانون صلاحيات الطوارئ.

وجاء القرار إثر طعنين، أحدهما من 5 شركات والآخر من 12 ولاية أميركية، جمعا في قضية واحدة.

وفي قضية رسوم الاتجار بالمخدرات والهجرة المفروضة على كندا والصين والمكسيك، قضت المحكمة التجارية بأن الرسوم لا تستوفي شرط قانون IEEPA بأن “تعالج” المشكلة التي كان من المفترض أن تعالجها.

ولا يشمل الطعن القضائي رسوم ترمب الجمركية الأخرى، بما في ذلك الرسوم على الصلب والألمنيوم والسيارات الأجنبية التي فرضها الرئيس الأميركي، بعد أن خلصت تحقيقات وزارة التجارة إلى أن هذه الواردات تُشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي.

كما أنه لا يشمل الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب على الصين في ولايته الأولى، والتي احتفظ بها الرئيس جو بايدن، بعد أن خلص تحقيق حكومي إلى أن الصينيين استخدموا ممارسات غير عادلة لمنح شركاتهم التكنولوجية ميزة تنافسية على منافسيهم من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.

وقد يلجأ ترمب إلى سلطات بديلة لفرض ضرائب على الواردات، وإن كانت أكثر محدودية. على سبيل المثال، تسمح المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 للرئيس الأميركي بفرض ضريبة على الواردات من الدول التي تعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري كبير بنسبة 15% لمدة 150 يوماً.

وبالمثل، تسمح المادة 301 من قانون عام 1974 نفسه للرئيس بفرض ضريبة على الواردات من الدول التي يثبت تورطها في ممارسات تجارية غير عادلة بعد تحقيق أجراه مكتب الممثل التجاري الأميركي. وقد استخدم ترمب سلطة المادة 301 لشن حربه التجارية مع الصين خلال ولايته الأولى.

شاركها.