يقبع مخيم الهول شمال شرقي سوريا كأحد أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا، حيث تحول من ملجأ مؤقت إلى سجن مفتوح لعشرات الآلاف من النساء والأطفال، بينما تعده حكومات المنطقة تهديدًا أمنيًا يلوح في الأفق.
وبين رفض الدول استعادة مواطنيها، وظروف عيش لا إنسانية، وجيل كامل ينشأ على هاوية اليأس والتطرف، تتفاقم المأساة يوميًا تحت صمت العالم.
في محاولة لتسليط الضوء المباشر على الواقع الإنساني الصعب داخل المخيم، حاول مراسل الوصول إلى داخل مخيم الهول لتوثيق الظروف المعيشية والاستماع إلى سكانه. إلا أن القوات المسؤولة عن تأمين المحيط الخارجي للمخيم منعته من الدخول. رغم ذلك، تمكن المراسل من الرصد من المناطق المحيطة والخارجية للمخيم.
الهول.. الموقع والنشأة
يقع مخيم الهول في ريف الحسكة شمال شرقي سوريا، على بعد حوالي 13 كيلومترًا من الحدود العراقية، وتبلغ مساحته 3.1 كيلومترات مربعة محاطة بسياج أمني.
أُنشئ المخيم عام 1991 لإيواء النازحين العراقيين، وأعيد افتتاحه عام 2016 ليكون مكانًا لعائلات عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” بعد انهيارها.
كانت تديره “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا، بينما تولت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) الجوانب الأمنية، وتلقى دعمًا من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، إلى أن استلمته الحكومة السورية في 21 كانون الثاني بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية منه بشكل مفاجئ.
تشير أحدث تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود أكثر من 30 ألف شخص، أغلبيتهم الساحقة من النساء والأطفال الذين يشكلون حوالي 60% من السكان، معظمهم تحت سن 12 سنة.
كما توجد ما بين 40 إلى 60 جنسية مختلفة في المخيم، فبالإضافة إلى السوريين والعراقيين، يوجد ما يقارب 8,500 أجنبي من أكثر من 60 دولة.
حياة على حافة الهاوية
لا يمكن وصف الظروف داخل مخيم الهول إلا بأنها انتهاك للكرامة الإنسانية، حيث يعيش السكان، وخاصة الأطفال، في واقع يتحدى أبسط معايير البقاء.
يحتجز الآلاف تعسفيًا في ظروف غير إنسانية دون تهم محددة أو محاكمة، في انتهاك للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
وصف تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” في 7 من شباط 2025 المخيم بأنه يحتوي على انتهاكات منهجية لحقوق أكثر من 56 ألف محتجز في المنطقة.
وأشار التقرير إلى أن المخيم يعاني من الاكتظاظ الشديد، والخيام المتهالكة، ونقص المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي، كما يفتقر إلى الرعاية الصحية الكافية.
وانتشرت أمراض يمكن الوقاية منها مثل سوء التغذية الحاد والإسهال والجرب، مما أدى إلى وفيات متكررة بين الأطفال.
من جهته وثق تقرير لمنظمة “العفو الدولية” تعرض محتجزين (بمن فيهم في مراكز اعتقال مرتبطة بـ”قسد”) للتعذيب، بما في ذلك الضرب المبرح والصعق الكهربائي والعنف الجنسي، كما شهد المخيم عمليات قتل داخلية.
جيل ضائع
يُحرم الأطفال من التعليم النظامي ويعانون من أزمة هوية بسبب عدم حصول الكثيرين على وثائق رسمية، بحسب ما نشرته مجلة شيكاغو للقانون الدولي.
أشارت منظمة “أنقذوا الأطفال” إلى تعرض الأطفال للتجنيد والتطرف، وحذرت من أن المخيم أصبح “بيئة خصبة لانتاش الأفكار المتطرفة” و”حاضنة للتطرف”. يتم تعبئة بعض الأطفال بأيديولوجيا انتقامية تجاه من قتل آباءهم.
يخلق هذا الواقع جيلًا كاملًا ينشأ في بيئة غير صحية نفسيًا وجسديًا وفكريًا، تحمل ندوبًا عميقة يصعب علاجها.
المسؤولية الدولية وإشكالية العودة
يكمن أحد الجوانب الأكثر إثارة للجدل في هذه الأزمة في تهرّب العديد من الدول، خاصة الأوروبية، من استعادة مواطنيها، مما عمق الأزمة الإنسانية والأمنية.
أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، في 22 كانون الثاني، بحسب تصريح لقناة “رووداو” العراقية، عن استلام الوجبة 31 من العائدين، ليرتفع العدد الإجمالي إلى ما يقارب 19,000 شخص، مع بقاء أقل من 5000 عراقي داخل المخيم.
وأكد وكيل الوزارة كريم النوري أن عملية العودة تجري بتنسيق عالٍ مع الجهات الأمنية لمتابعة الملف، مع تسليم من تثبت عليهم مؤشرات أمنية إلى القضاء العراقي.
أظهر العراق التزامًا ملحوظًا، حيث أعاد الكثير من مواطنيه من المخيمات ضمن عملية متكاملة تركز على إعادة الدمج المجتمعي. وصف الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق هذه الخطوات بأنها “شجاعة”.
في المقابل، ترفض غالبية الدول الأخرى، وخاصة الأوروبية، بحسب تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش“، استعادة مواطنيها بحجة المخاوف الأمنية والضغوط السياسية الداخلية. منذ 2019، قامت 36 دولة باستعادة حوالي 3,365 شخصًا فقط (منهم 2,200 طفل)، بينما استعاد العراق وحده أكثر من 10,000.
يخلق هذا الرفض حالة من “العقاب الجماعي”، الذي يعد جريمة حرب، ويجعل الآلاف فعليًا في حالة “انعدام جنسية”، حيث لا مكان يرحب بهم.
تطورات جديدة و سيطرة للحكومة السورية
تغير الوضع بشكل جذري في الأيام الماضية، حيث انتقلت السيطرة الكاملة على مخيم الهول من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى الحكومة السورية في دمشق.
بعد أيام من الاشتباكات، دخلت قوات الجيش وقوات الأمن السوري المخيم، في 21 من كانون الثاني، في خطوة وصفتها قوات الحكومة السورية الجديدة بأنها تمت “دون أي تنسيق”، وأدت إلى فراغ أمني وأزمة إنسانية فورية داخل المخيم، بينما انسحبت “قسد” منه، معلنة أن انسحابها جاء بسبب “اللامبالاة الدولية” تجاه ملف تنظيم “الدولة الإسلامية”.
يُمثل استلام الحكومة السورية لمخيم الهول اختبارًا حقيقيًا لها. فهو ملف معقد يجمع بين التحدي الأمني وبين تحد إنساني ملح لمعالجة معاناة عشرات الآلاف من النساء والأطفال، العديد منهم ضحايا ظروفهم.
في الوقت نفسه، يشير تحول موقف الولايات المتحدة، التي قالت إن دور “قسد” “انتهت صلاحيته إلى حد كبير” وإن دمشق أصبحت “راغبة وقادرة” على تولي المسؤوليات الأمنية، إلى أن السلطات السورية أمامها نافذة فرص، لكنها مسؤولة مباشرة الآن عن مصير المخيم الذي يوصف بـ”القنبلة المجتمعية الموقوتة”.
مخيم اعتقال للمدنيين أم سجن عسكري للمقاتلين؟
بينما يُنظر إلى مخيم الهول وسجون “قسد” على أنهما حالة متشابهة، إلا أن طبيعة كل منهما والغاية من إنشائهما تختلفان جوهريًا.
يشكل مخيم الهول مدنيون بالغالبية الساحقة من قاطنيه، وهم في معظمهم نساء وأطفال عائلات مقاتلي تنظيم الدولة، بالإضافة إلى نازحين سوريين وعراقيين قد لا تكون لهم أي صلة بالتنظيم. الهدف الأساسي من وجوده هو احتجاز هذه العائلات كإجراء جماعي احترازي.
بينما تمثل السجون مثل الشدادي وغويران فئة مختلفة تمامًا، وهي المقاتلون الرجال المشتبه بانتمائهم أو المنتسبين فعليًا لتنظيم “الدولة”، والذين تم أسرهم خلال المعارك. الهدف هنا هو عسكري وأمني بحت، يتمثل في عزل عناصر مسلحة خطيرة ومنعهم من العودة إلى ساحة القتال.
هذه السجون تمثل تهديدًا أمنيًا مباشرًا، حيث أن أي خلل في حراستها قد يؤدي إلى هروب مئات المقاتلين المدربين.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” أنها نقلت بالفعل 150 مقاتلًا من تنظيم الدولة الإسلامية من محافظة الحسكة في سوريا إلى “موقع آمن” في العراق.
وقالت القيادة المركزية إن هذه الخطوة تهدف إلى منع السجناء من الهروب وإعادة تنظيم صفوفهم.
ويأتي هذا النقل في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار الذي أفضى إلى سيطرة الحكومة في دمشق على جزء كبير من شمال شرق سوريا، بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي يقودها الأكراد من مناطق رئيسية، بما في ذلك مواقع الاحتجاز التي تضم آلاف المشتبه بانتمائهم لتنظيم الدولة الإسلامية وأقاربهم.
Related
المصدر: عنب بلدي
