إعلانات ترويجية لـ «تطويل القامة» تستهدف ضحايا التنمر

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، أخيراً، إعلانات تروّج لجراحة تطويل القامة، التي تُجرى في الأصل لعلاج التشوهات الخلقية والفروق في طول الساقين، مقدمة نفسها كحل للأشخاص الذين يعانون عدم الرضا عن أنفسهم، بسبب قصر قاماتهم.
ورصدت «الإمارات اليوم» إعلانات على منصات التواصل الاجتماعي، تروج لهذه العمليات من خارج الدولة، مؤكدة أنها تمثل «حلاً سريعاً وسهلاً» لمشكلة قِصر القامة.
ويظهر شاب في فيديو مرفق بأحد الإعلانات، وهو يكتسب طولاً مباغتاً، كأن التغيير لم يستغرق أكثر من لحظة.
وتضمن الإعلان عروضاً شملت كلفة العملية وخدمات وإقامة VIP وجولات سياحية مجانية.
وفيما يكشف الترويج لهذا النوع من العمليات أنها تحولت من ضرورة طبية إلى حل تجميلي، للتخلص من التعليقات الساخرة والتنمر، حذر أطباء من إجراء تلك العمليات لأغراض تجميلية، لارتباطها بمخاطر صحية كبيرة، مثل إصابات الأعصاب والشرايين.
كما حذروا من الانجرار وراء الإعلانات التي تروّج لمراكز من خارج الدولة، تقدم عروضاً بأسعار رخيصة، لافتين إلى أنها تركز على الجانب التجاري فقط، ولا تهمها المتابعة الصحية بعد العملية.
وأكدوا أن نجاح العملية يعتمد بنسبة 30% على الإجراء الجراحي، و70% على الرعاية بعد الجراحة، إضافة إلى طول فترة التعافي، لافتين إلى تأثيرها في القدرة على الحركة والمشي.
وأكد متخصصون أن إقبال الشباب على هذا النوع من العمليات بالتعرض لتعليقات سلبية أو ساخرة أو تنمر في مرحلة مبكرة من حياتهم، ما يدفعهم إليها كوسيلة لتعزيز الثقة بالنفس، وتحقيق النجاح الشخصي والمهني.
وقال كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي، الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحداد: «عمليات تطويل القامة تدخل في أحكام العمليات التجميلية التي فيها تفصيل فقهي، وهو إن كان لضرر أصاب المرء من حادث أو كان بسبب تشوه خلقي كتقوس في الظهر أو في الأرجل أو عرج أو نحو ذلك، فأجرى عملية تطويل القامة حتى يعود إلى الوضع الطبيعي كأمثاله من الناس، فهذا يعد من التداوي الجائز شرعاً أو المندوب (على الخلاف الفقهي على التداوي هل هو مباح أو مندوب)».
وأضاف: «أما إذا كان المرء في الوضع الطبيعي إلا أنه قصير، فهذا غير جائز، لأنه من تغيير خلق الله تعالى، الذي نهت عنه الشريعة الإسلامية».
وتواصل محرر الصحيفة مع عدد من المراكز خارج الدولة من مروجي تلك الإعلانات، وتلقى ردوداً متباينة من المراكز، حيث قال أحدها إن تكاليف العملية تراوح بين 23 و46 ألف دولار، وتشمل خدمات مثل الفحوص والانتقالات والإقامة، في حين عرضت مراكز أخرى في دولة عربية أسعاراً تصل إلى 300 ألف درهم، مع تفاصيل شاملة حول إجراءات العملية والفترة المطلوبة للتعافي.
وتفصيلاً، قال مركز موجود خارج الدولة، إن هناك نوعين من عمليات التطويل، الأول «طريقة اللون»، وتبلغ تكلفتها 23 ألف دولار، ويتم فيها استخدام مسامير داخلية ومثبتات خارجية لتحقيق زيادة في الطول بالأطراف السفلية (تراوح بين 13 و17 سم، تتوزع بين 6 إلى 7 سم في الساق، و7 إلى 10 سم في الفخذ)، وتكون مدة الشفاء التام من 912 شهراً. والثاني «طريقة البريسايس» باستخدام التكنولوجيا المبتكرة، وتبلغ تكلفة العملية 46 ألف دولار، حيث يتم استخدام مسامير مغناطيسية داخل العظم لتحقيق زيادة في الطول تراوح بين 14 و18 سم، مدعين أن ألم هذا النوع أقل، وأن المريض يبدأ بالمشي بعد 5 إلى 6 أشهر، ويكمل الشفاء التام خلال 12 شهراً.
وعرض المركز العديد من الخدمات، مثل الاستقبال في المطار، وخدمات تنقل خاصة VIP، وإقامة ليومين في فندق فاخر قبل العملية، ومرافق حسب اللغة، وجولة مجانية ترفيهية في المدن السياحية، وتناول الطعام في أشهر المطاعم، وتوفير استشارات طبية مجانية طول فترة الإقامة.
واشترط مركز موجود في دولة عربية سداد تكاليف العملية مقدماً قبل إجرائها، طالباً ما يعادل 300 ألف درهم، تشمل 250 ألف درهم تكلفة الجراحة والأجهزة المستخدمة في عملية التطويل، إضافة إلى 28 ألف درهم تكاليف العلاج الطبيعي بعد العملية والتكاليف الأخرى للأشعة خلال فترة التعافي.
بدوره، قال استشاري جراحة العظام والكسور وتقويم الاعوجاجات، الدكتور زيد العبيدي، إن عملية تطويل القامة تعد من الجراحات المعقدة التي تتضمن كسر عظام الأطراف السفلية للجسم، واستخدام جهاز طبي خاص لتثبيتها أثناء مرحلة التئامها، ويتم في هذه المرحلة تطويل العظام بمعدل معين يومياً، حيث يُضاف إلى طول العظم ما بين 0.5 إلى 1 ملم يومياً، حتى يصل المريض إلى الطول المرغوب، مشيراً إلى وجود تقنيات متعددة وأجهزة حديثة تستخدم في هذه الجراحة، مثل الأجهزة التي يمكن برمجتها لتمديد العظام في مختلف الاتجاهات، إضافة إلى جهاز النخاع المغناطيسي، الذي يستخدم مسماراً نخاعياً يتم إدخاله في العظم لتحفيز التطويل عن طريق المجال المغناطيسي.
وأوضح أن العملية تُجرى عادة للمرضى الذين يعانون قصراً في طول الساقين، أو مشكلات نمو، مثل التقزم، أو في حالات اختلاف طول الساقين بسبب إصابات أو تشوهات خلقية، مؤكداً أن «تلك العملية تُعتبر ضرورة طبية عندما يتجاوز فارق الطول بين الساقين 130 إلى 140 ملم، حيث يؤثر هذا الاختلاف سلباً في القدرة الحركية والأنشطة اليومية».
وحذر العبيدي من الإقبال على تطويل القامة لأغراض تجميلية، مثل رغبة بعضهم في زيادة طوله من 165 سم إلى 180 سم، مشيراً إلى المخاطر الصحية الكبيرة التي قد تترتب على هذه العمليات، مثل إصابات الأعصاب والشرايين، إضافة إلى الالتهابات الناتجة عن المسامير الخارجية المستخدمة في الجراحة، مؤكداً أن «هذه العمليات تتطلب فترة للتعافي، تراوح بين 4 و8 أشهر، حسب حالة المريض وعوامل العمر والصحة العامة، إضافة إلى أن تكلفة العملية مرتفعة، إذ تتفاوت بناءً على نوع الجهاز المستخدم، حيث تبدأ من 200 ألف درهم، وقد تصل إلى 500 ألف درهم، وتشمل العلاج والتأهيل بعد العملية».
من جانبه، حذر أخصائي جراحة العظام، الدكتور عاطف حسن، من إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي التي تروج لعمليات جراحية بأسعار رخيصة، مشيراً إلى أنها تركز على الجانب التجاري، ولا تهمها المتابعة الصحية.
وأكد أن نجاح العملية يعتمد بنسبة 30% على الإجراء الجراحي، و70% على الرعاية اللاحقة، وهو ما تغفله المراكز التي تقتصر في الإعلان على إجراء العملية، محذراً من المخاطر المحتملة خلال فترة التعافي وتأثيرها في الحياة اليومية.
وأوضح أن «عمليات تطويل القامة تجرى في حالات خاصة، مثل تفاوت أطوال الساقين أو علاج الأطفال الأقزام، حيث تُنفذ على مراحل لتفادي المضاعفات الصحية، مع مراقبة دقيقة لكل مرحلة»، لافتاً إلى أن «العمر المناسب لإجراء العملية للأطفال يبدأ من 4 سنوات، ويُخضع الطفل لعمليات عدة على مدار سنوات حتى يبلغ للطول المناسب قبل البلوغ».
ودعا إلى إقناع المرضى بتجنب إجراء العمليات التجميلية، إلا في الحالات الضرورية التي تعيق الحركة.
وقالت الأخصائية في علم النفس السريري، الدكتورة رنا أبونكد، إن بعض الناس يُقبلون على هذه العمليات نتيجة مشاعر عدم الرضا عن مظهرهم، التي قد تكون نابعة من تجارب سابقة أثرت سلباً في تقديرهم ذواتهم.
وقد يرتبط قصر القامة بمشاعر النقص الاجتماعي، إذا تعرض الشخص لتعليقات سلبية أو ساخرة أو تنمر من الآخرين في مرحلة مبكرة من حياته.
وفي بعض الحالات، يصبح الطول مرادفاً للقبول المجتمعي أو النجاح المهني، ما يدفع الأفراد إلى التفكير في هذه العمليات كوسيلة لتعزيز الثقة بالنفس وتحقيق النجاح الشخصي والمهني.
وأضافت أنه بعد العملية قد يشعر بعضهم بزيادة الثقة والرضا عن مظهرهم إذا كانت النتائج متوافقة مع توقعاتهم، لكن قد يكون هناك من يعاني خيبة أمل إذا لم تحقق العملية التأثير النفسي المنتظر. كما أن فترة التعافي الطويلة، وما يصاحبها من ألم، قد تؤثر بشكل سلبي في الحالة النفسية والمزاجية.
وأكدت أن الشباب والمراهقين هم الأكثر إقبالاً على هذه العمليات، لأنهم في مرحلة حرجة لبناء هويتهم وتقديرهم الذاتي، إذ يتأثر هؤلاء بشكل كبير بمعايير الجمال المثالية التي يتم الترويج لها ويعتقدون أن الطول يعد عاملاً رئيساً في الجاذبية أو النجاح.
وشددت على ضرورة إجراء تقييم نفسي قبل إتمام العملية، للتأكد من أن الشخص لديه فهم واقعي لما يمكن أن تحققه الجراحة، ويجب أن يكون على دراية بأنها ليست وسيلة لحل مشكلات أعمق تتعلق بتقدير الذات أو اضطرابات صورة الجسد، مشيرة إلى أن العلاج النفسي يمكن أن يكون أداة فعالة في مساعدة من يفكرون في هذه العمليات من خلال إعادة تشكيل الأفكار السلبية حول الذات، وتعلم كيفية تحدي هذه الأفكار وتنمية تقدير ذاتي أقوى قائم على القيم الداخلية والإنجازات الشخصية بدلاً من المظهر الجسدي.
. 500 ألف درهم تكلفة العملية.. بناءً على نوع الجهاز المستخدم والتأهيل بعد العملية.
. أطباء حذروا من الانجرار وراء الفيديوهات الترويجية لمراكز من خارج الدولة.