ـ ركان الخضر
تتفاوت أرقام الدَّين الإيراني على سوريا، فبينما تشير التقارير إلى أنها تصل إلى 50 مليار دولار، نوه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في 17 من كانون الأول 2024، بعيد سقوط نظام الأسد بأيام قليلة، إلى أن الرقم مبالغ به، دون أن يفصح عن رقم دقيق لحجم الدَّين، لكن المسؤول الإيراني قال حينها، إن الديون المترتبة على نظام الأسد ستتحملها الحكومة السورية الجديدة، وفقًا لاتفاقيات ومعاهدات تستند إلى مبدأ “خلافة الدول”، وهو مبدأ معتمد في القانون الدولي.
ورغم قدم التصريح، فإن الملف لم يُغلق إلى الآن، فلا تكاد تتوقف التقارير الإعلامية التي تشير إلى بعض التصريحات أو الأحاديث في أروقة السياسة الإيرانية عن ضرورة المطالبة بهذه الديون.
مطالبات أسفرت عن تصريحات لبعض المسؤولين السوريين خلال الإجابة عن بعض الاستفسارات الإعلامية حول الخطوات السورية للرد على هذه المطالب، كان أحدثها تصريح وزير المالية السوري، محمد برنية، خلال مقابلة على منصة “سوريا الآن” نشرتها في 4 من كانون الثاني الماضي، وصف فيها الديون الروسية والإيرانية على بلاده بـ”البغيضة”، مشيرًا إلى أن الحكومة السورية تعمل على إعداد مطالبات مالية مضاعفة ومضادة، لمسؤولية البلدين عن تدمير سوريا.
تحاول فتح الملف من خلال دراسة أبعاده ومآلاته من وجهة نظر قانونية بحتة، محاولة الوقوف على الإجراءات التي يمكن أن تتبعها إيران في مطالبات كهذه، والخيارات المطروحة أمام الحكومة السورية لدحض المطالب الإيرانية ورفضها.
خيارات إيران في المطالبة بالديون
قال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، ل، إن المطالب الإيرانية بديونها على سوريا أيام حقبة الأسد، إذا كانت تقوم على ديون ناشئة عن خطوط ائتمان أو اتفاقات مصرفية وتجارية، فإن المسار الأكثر مباشرة يتمثل في المطالبة التعاقدية والمالية التقليدية.
وفي هذا الإطار، تُعامل المطالبة، بحسب عبد الغني، بوصفها دَينًا سياديًا أو تجاريًا وفقًا لشروط العقد، بما يشمل أصل الدَّين والفوائد وآجال الاستحقاق وأحكام التعثر، مع الاستناد إلى الوثائق التعاقدية والمراسلات المالية وسجلات السداد أو الإخلال به.
أما في حال تضمنت الاتفاقات ذات الصلة بنودًا للتحكيم أو آليات لتسوية المنازعات أو إسناد اختصاص إلى محاكم محددة، فأوضح عبد الغني أن الاحتمال الأرجح سعي إيران إلى تفعيل هذه المسارات للحصول على حكم أو قرار نهائي قابل للتنفيذ خارجيًا، مشيرًا إلى أنه غالبًا ما يُنظر إلى هذا الطريق بوصفه وسيلة لإكساب المطالبة طابعًا قضائيًا نهائيًا يسهّل متابعتها في ولايات قضائية أخرى، مع مراعاة الشروط الإجرائية والموضوعية التي قد تفرضها بنود الاختصاص أو القواعد الناظمة للاعتراف بالأحكام وتنفيذها.
وبيّن مدير “الشبكة السورية” أنه لو صدر حكم أو قرار لمصلحة إيران، ستظل خطوة التنفيذ على أصول أو إيرادات سوريا خارج الإقليم مسألة معقدة بسبب حصانة الدولة وممتلكاتها.
وأضاف أن ذلك لا يمنع محاولة إيران استهداف أصول أو إيرادات ذات طابع “تجاري” لا “سيادي”، وفقًا للقواعد المعمول بها في بعض الأنظمة القانونية التي تميّز بين الأعمال السيادية والأعمال ذات الطبيعة التجارية، مما يجعل نجاح هذا المسار يتوقف على وجود أصول قابلة للحجز أصلًا، وعلى توفر الشروط التي يضعها قانون الدولة التي تقع فيها تلك الأصول، فضلًا عن قدرة إيران على إثبات الصلة بين الأصل المستهدف والصفة التجارية المطلوبة لتجاوز عائق الحصانة.
من جانبه، أوضح المحامي المختص بالقانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، أن الأصل في القانون الدولي أن تستمر الدولة قانونيًا رغم تغيّر الحكومات، لكن إلزام الدولة بديون أو التزامات يتوقف على طبيعة المطالب الإيرانية، من كونها اتفاقيات مالية موثّقة، أم تكاليف دعم سياسي وعسكري، لأن الثانية غالبًا لا تكون دَينًا قابلًا للتقاضي بذاته، ما لم تتحول إلى التزام تعاقدي واضح.
وأشار الكيلاني إلى عدة طرق قانونية يمكن أن تتبعها إيران للمطالبة بديون على سوريا، تشمل التفاوض والتسوية الثنائية، وهو الأكثر شيوعًا، أو التحكيم وفق شروط اختصاص موجود بالعقد، إذا كانت هناك عقود قروض تتضمن شرط تحكيم أو اختصاص محكمة معيّنة، يمكن لإيران تفعيل هذا المسار الذي يعتمد نجاحه على وجود شرط يوضح الطرف المتعاقد من حيث كونه الدولة أو شركة حكومية، والقانون الواجب تطبيقه.
ويتضمن الطريق الثالث الذي يمكن لإيران اتباعه، وفق الكيلاني، اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، مبينًا أنه يشترط توفر أساس اختصاص يشمل قبولًا خاصًا من الطرفين أو بند اختصاص في معاهدة نافذة بينهما، أو إعلان قبول الولاية الإلزامية الذي يعد احتمالًا نادرًا.
وأضاف الكيلاني طريقًا رابعًا من خلال رفع دعاوى أمام محاكم وطنية خارج سوريا ومحاولة تنفيذ الأحكام على أصول سورية بالخارج، وهو ممكن نظريًا، لكنه يصطدم بحصانات الدولة، والاستثناءات تختلف من دولة لأخرى.
ونوه الكيلاني إلى أن احتمالية الاستناد إلى “خلافة الدول” التي تلمح إليها إيران خلال تصريحات مسؤوليها عن الموضوع، تتطلب الانتباه إلى اتفاقية “فيينا” الخاصة بخلافة الدول في الديون التي لا تعتبر نافذة أصلًا، وبالتالي لا تعتبر قاعدة تعاقدية ملزمة بحد ذاتها.
الآثار القانونية والعملية على سوريا
قال المحامي المختص بالقانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، إن الآثار القانونية المترتبة على سوريا تجاه الديون الإيرانية من وجهة نظر قانونية، تتطلب التمييز في ماهية هذه الديون، إن كانت أموالًا مقترضة ومثبتة بأدوات قانونية سليمة، فمبدئيًا قد تُعد التزامًا على الدولة بغض النظر عن تغيّر الحكومة، لكن إذا كانت المطالبات هي “تكلفة دعم سياسي/عسكري” بلا سند تعاقدي، فغالبًا لا تُعامل كدَين.
ونوه الكيلاني إلى أثر قانوني غير مباشر نتيجة هذه النزاعات، قد يؤثر في قدرة سوريا على إعادة الاندماج المالي وفتح قنوات تمويل دولية، لأن ملفات الديون والنزاعات العابرة للحدود تؤثر على مخاطر التعامل.
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أوضح أن القاعدة العامة في القانون الدولي تشير إلى أن تغيّر الحكومة أو تبدّل السلطة السياسية لا يؤدي إلى إسقاط التزامات الدولة تلقائيًا، فالدولة تُعامل دوليًا باعتبارها “الشخص الدولي ذاته” رغم تغير الحكومات، الأمر الذي يُنشئ افتراضًا أوليًا باستمرار الديون، متى ثبتت قانونًا من حيث المصدر والاختصاص وصحة الالتزام، وبناء عليه، فإن أي نقاش حول انقضاء الديون أو عدم نفاذها لا يُبنى على مجرد التغير السياسي، بل على دفوع قانونية محددة تتصل بصحة السند وحدود الصلاحية، أو عيوب جوهرية في تكوين الالتزام.
دفوع سوريا في مواجهة المطالب الإيرانية
أشار مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إلى أن الحكومة السورية يمكنها أن تبدأ بدفع تأسيسي، يتمثل في الطعن على قيام الدَّين من حيث الأصل، عبر التركيز على عبء الإثبات والتوثيق، موضحًا أن موقف الجهة المطالِبة يضعف بصورة ملحوظة إذا كانت الأرقام المتداولة ذات طابع تقديري أو سياسي، أو إذا غابت “الحسابات الرسمية” والوثائق التعاقدية الكاملة التي تُحدد نطاق الالتزام بدقة، فالنزاعات المالية كثيرًا ما تكون في اكتمال السندات وقدرتها على إنتاج التزام قانوني محدد وواضح، وليس في الرواية السياسية.
ونوه إلى أن الخطوة التالية يمكن من خلالها أن يُطرح دفع “الديون البغيضة” بوصفه دفعًا سياسيًا- قانونيًا، على أساس أن بعض التزامات الحقبة السابقة وُظّفت ضد مصلحة السكان أو لتغذية آلة الحرب والقمع، غير أن فاعلية هذا الدفع تظل محدودة من زاوية التقاضي الصرف، لأن مفهوم “الديون البغيضة” لا يُعد إطارًا دوليًا مُقننًا مستقرًا يفرض نتائج تلقائية أمام محاكم أو هيئات دولية، لذا قد يكون أثره الأبرز في المجال التفاوضي وإعادة صياغة شروط التسوية، أكثر من كونه أساسًا مضمونًا لإبطال الدَّين قضائيًا.
وأضاف عبد الغني إمكانية اعتماد سوريا على دفوع تتعلق بـالبطلان الداخلي أو عدم الاختصاص أو غياب الإجازات الدستورية التي قام بها نظام الأسد باعتباره حليفًا تابعًا لإيران، فإثبات أن اتفاقات القروض أو الضمانات لم تستوفِ متطلبات القانون الداخلي السوري، مثل التصديق البرلماني أو التفويض الصحيح أو الإجراءات الإلزامية لإبرام التزامات مالية سيادية، يمكن الدفع ببطلانها أو بعدم قابليتها للاحتجاج بها.
وأوضح مدير “الشبكة” أن نجاح هذا المنحى خارجيًا ليس تلقائيًا، إذ يتوقف عادة على توفر شروط صارمة تتصل بكون المخالفة “جسيمة” وتمس قواعد داخلية جوهرية في إبرام الالتزامات، وعلى إمكانية إثبات علم الطرف الآخر بهذه المخالفة أو عدم معقولية جهله بها، الأمر الذي يجعل المسألة شديدة الارتباط بالتدقيق الوثائقي في كل اتفاق على حدة، بدل الاتكاء على تعميمات عامة.
وأضاف عبد الغني أنه بيّن احتمالية دفع سوريا بعدم قابلية فصل المطالبة المالية عن سياق عدم المشروعية، عبر الربط بين الدَّين المزعوم وبين ما قد تُثيره من مساهمة إيران في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وثقتها “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” بشكل مفصل، وهي جرائم ترتبت عليها أضرار جسيمة قد تفوق بمراحل حجم الديون الإيرانية، موضحًا أن الربط بين المسألتين قد يعزز موقف سوريا في المساومة على شروط التسوية أو في الضغط السياسي والقانوني المتبادل، حتى وإن كان تحويله إلى دفع قضائي “حاسم” يقطع بالمطالبة أو يُسقطها أمرًا غير مضمون في جميع المسارات.
المحامي المختص بالقانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، أشار إلى أن سوريا تملك عدة خيارات لرفض المطالب الإيرانية قياسًا بالوقائع والوثائق المتاحة، تشمل الطعن في الأساس القانوني والرقمي للمطالبة، من خلال مطالبة إيران بعقود وجداول سحب وسعر فائدة وتوضيح الجهة الموقعة وآلية السداد، فغياب هذه الوثائق يمكّن من الدفع بعدم ثبوتيتها.
ويمكن أن تذهب سوريا، بحسب الكيلاني، إلى مفهوم “الديون البغيضة” كحجة دفاعية، موضحًا أنه مفهوم مطروح في الأدبيات خصوصًا في فترات الانتقال السياسي، مع الإشارة إلى أنه ليس قاعدة مستقرة مُعترَفًا بها قطعًا كقانون ملزم، يُستخدم غالبًا كحجة لتقوية موقف التفاوض أو في نزاعات شرعية الديون.
وأشار الكيلاني إلى إمكانية الاعتماد على الدفوع المتعلقة بالإكراه في إبرام الالتزامات، إذا وُجدت قرائن على أن بعض الاتفاقيات أُبرمت تحت إكراه جسيم، أو خارج صلاحيات الجهة الموقعة، الأمر الذي يجعل إمكانية الدفع بقابلية الإبطال وفق مبادئ عامة في قانون العقود الدولية تتطلب ملف أدلة قويًا.
كما يمكن لسوريا، وفق الكيلاني، الدفع باتجاه تسوية شاملة تربط الديون بالمطالبات المضادة والتعويضات، بدل “رفض مطلق” قد يفتح باب نزاعات تنفيذية.
Related
المصدر: عنب بلدي
