افتتح معرض دمشق الدولي للكتاب، الجمعة، أبوابه أمام الزوار وسط إقبال جماهيري، ومشاركة واسعة تشمل أكثر من 500 دار نشر عربية ودولية، إلى جانب حضور سعودي لافت، إذ تحل المملكة كضيف شرف هذه الدورة إلى جانب قطر.

وتأتي مشاركة المملكة العربية السعودية في المعرض بعد غياب 15 عاماً، ضمن رؤية ثقافية تهدف إلى تقديم صورة شاملة عن المشهد الثقافي السعودي المعاصر، تجمع بين الأصالة والحداثة.

وفي هذا الإطار، أوضح مدير عام الإدارة العامة للنشر في هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية بسام البسام، في حديثه لـ”الشرق” أن الجناح السعودي صُمم ليعكس تنوع الثقافة السعودية في مختلف مجالاتها، من خلال عرض نماذج من الأزياء الشعبية التراثية لمنطقتي الحجاز والوسطى، إلى جانب آلات موسيقية كان لها دور في تطور الموسيقى السعودية المعاصرة، مثل الربابة والقانون.

وأشار إلى أن الجناح يضم أيضاً صالة عرض سينمائي مخصصة يُعرض فيها الفيلم السعودي “نورة”، الذي صُوّر كاملاً في مدينة العلا، وحقق حضوراً لافتاً في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية.

وعلى صعيد البرنامج الثقافي المصاحب للمعرض، أكد البسام أن المشاركة تشمل نحو 9 ندوات حوارية، إضافة إلى أمسية شعرية، تُقام ما بين المسرح الرئيسي للمعرض ومنطقة مخصصة داخل الجناح السعودي.

كما لفت البسام إلى الحضور الجيد لعدد من دور النشر السعودية، وبيّن أن مشاركة المملكة في معرض دمشق الدولي للكتاب تأتي ضمن خارطة استراتيجية وضعتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، تستهدف المشاركة في نحو 20 معرض كتاب حول العالم خلال العام الجاري.

وذكر أن معرض دمشق يحظى بمكانة خاصة ضمن هذه الخارطة، واختتم حديثه بالتأكيد على أن جناح المملكة يضم عدداً من الأجنحة المرتبطة بالأنشطة الثقافية التي تقدمها وزارة الثقافة، بمشاركة هيئات متخصصة، في إطار تجربة ثقافية متكاملة تعكس الحراك الثقافي السعودي وتطوره.

وفي سياق متصل، عبر الروائي أحمد السماري لـ”الشرق”، وهو أحد أعضاء الوفد المرافق لوزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، عن تفاؤله بمستقبل معرض دمشق الدولي للكتاب، مشيداً بالمشاركة السعودية في هذه الدورة، ومشيراً إلى أنها تمثل دعماً مهماً لتحريك عجلة النمو والتقدم الثقافي، وتشكل إضافة نوعية للمعرض، معرباً عن أمله في أن تتضاعف المشاركة السعودية في الدورات المقبلة.

وحول العلاقة بين الحضور الثقافي والحضور السياسي، أوضح السماري أن هذا الارتباط لا يمكن إنكاره، لما يقدمه من دفع حقيقي للمجتمعات نحو النمو والتحضر وتعزيز الوعي الثقافي، مؤكداً أن الثقافة تمثل أحد المحركات الأساسية للرقي بالمجتمعات، وجزءاً مهماً من منظومة التنمية الشاملة.

من جهته أوضح الدكتور معجب العدواني، أحد ممثلي الوفد الثقافي السعودي لـ”الشرق” أن مشاركة المملكة العربية السعودية كضيف شرف في معرض الكتاب، تحمل دلالات ثقافية ومعرفية عميقة، وتتجاوز كونها حضوراً رسمياً إلى كونها رسالة تضامن وجسراً ممتداً للتواصل الإنساني بين المملكة وسوريا.

وأشار العدواني إلى أن هذا اللقاء الثقافي يجسد لحظة معرفية مشتركة، تعبر عن عمق العلاقات بين البلدين، وتسهم في إعادة بناء جسور التعاون الثقافي، لا سيما من خلال اللقاء المباشر بين المثقفين والكتاب السعوديين والسوريين، ما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإبداعي المشترك.

وشدد على أن حضور المثقف السعودي اليوم في سوريا، واستمرارية هذا الحضور، تعد لبنات متراكمة في مسار من العطاء الثقافي المتبادل، الذي يخدم الإنسان أولاً، ويعزز القيم المشتركة بين الشعبين.

وحول التقاطعات الثقافية بين وزارتي الثقافة في البلدين، نبه العدواني إلى أن المدخل الثقافي يظل الأعمق والأكثر تأثيراً، كونه يعبر عن الإنسان في بساطته ورقيه وقدرته على العطاء، معتبراً أن هذه الخطوة تعكس وعياً متقدماً بأهمية الثقافة كمسار مستدام للعلاقات، وتتويجاً للجهود التي بذلتها المملكة في سياق علاقتها مع سوريا خلال السنوات الماضية.

وأكد الروائي يوسف المحيميد عضو الوفد السعودي المشارك في معرض دمشق الدولي للكتاب، أن مشاركة المملكة العربية السعودية كضيف شرف في المعرض تمثل حضوراً ثقافياً ذا دلالات رمزية عميقة، خاصة أنها تأتي في لحظة مفصلية تعكس عودة الاستقرار إلى سوريا وتعافي المشهد الثقافي فيها.

وأوضح أن الحضور الثقافي السعودي في هذه المرحلة يعكس التقاطعات المتنامية بين الثقافة والسياسة، ويجسد رؤية المملكة في دعم الأشقاء العرب، مشيراً إلى أن معرض الكتاب يعد الواجهة الثقافية الأبرز لأي دولة، وأن اختيار المملكة ضيف شرف يحمل رسالة واضحة عن عمق العلاقات ومكانة سوريا على المستويين العربي والإقليمي.

وأضاف المحيميد أن الوفد السعودي يضم نخبة من المثقفين والمبدعين من مجالات متعددة، من النقد إلى الإبداع والتاريخ، مؤكداً أن هذه المشاركة الرمزية تعبر عن تقدير المملكة للدور الثقافي السوري، وعن إيمانها بأهمية الثقافة كجسر للتواصل وإعادة بناء العلاقات.

وأشار إلى أن انطلاقة المعرض هذا العام تتزامن مع حضور سعودي فاعل ودعم حقيقي لسوريا في مجالات متعددة، وفي مقدمتها المجال الاقتصادي، لافتاً إلى توقيع اتفاقيات استثمارية مهمة، خاصة في قطاع العقار والتعمير، تمثل قفزات نوعية تعكس الثقة المتبادلة وآفاق التعاون المستقبلية.

وختم حديثه بالقول إن هذه الخطوات تحمل دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية مهمة، ليس على مستوى العلاقات الثنائية فحسب، بل على مستوى الوطن العربي عموماً، مؤكداً أن الثقافة كانت ولا تزال مدخلاً أساسياً لتعزيز الاستقرار والتنمية والتكامل العربي.

معرض دمشق الدولي للكتاب

وتضم أجنحة المعرض ما يزيد على 100 ألف عنوان معرفي متنوع في مختلف المجالات، بينما يتضمن البرنامج الثقافي أكثر من 650 فعالية تشمل ندوات فكرية، وجلسات حوارية، وأمسيات أدبية وفنية، ما يجعله أحد أكبر الأحداث الثقافية في البلاد بعد سنوات من التوقف.

ويتضمن برنامج المعرض إطلاق 7 جوائز ثقافية تهدف إلى دعم الإبداع والكتّاب الشباب ودور النشر، وهي جائزة الإبداع للناشر السوري، وجائزة الإبداع الدولي، وجائزة الإبداع في نشر كتاب الطفل للناشر السوري، وجائزة دور النشر الدولية، وجائزة الإبداع للكاتب السوري، وجائزة الإبداع للشباب، إضافة إلى اختيار “شخصية العام”.

كما أُعلنت مجموعة مبادرات مرافقة، من بينها مبادرة “كتابي الأول” لإصدار 100 عنوان جديد خلال عام 2026، وبرنامج “زمالة دمشق” للترجمة، ومبادرة “مسار ناشئ” لدعم المواهب الشابة في مجال النشر والكتابة.

وتستمر فعاليات المعرض من 6 إلى 16 فبراير الجاري، يومياً من الساعة العاشرة صباحاً حتى التاسعة مساءً، على أن يكون يوم الجمعة من الساعة الثالثة عصراً حتى التاسعة مساءً.

وتأتي هذه الدورة بعد انقطاع دام 5 سنوات، علماً بأن أول دورة لمعرض دمشق الدولي للكتاب نُظمت عام 1984، وكان يحظى بإقبال واسع وتفاعل كبير من الجمهور السوري، ويُعد من الفعاليات الثقافية المنتظرة تاريخياً.

شاركها.