نظم عمار عبد الهادي (35 عامًا) وهو معلم من مدينة الرقة شمالي سوريا، مع معلمين ومعلمات آخرين، وقفة احتجاجية وسط المدينة للمطالبة بتثبيتهم بعد تداول أنباء تفيد بأن الحكومة السورية قررت استبدالهم بمعلمين ومعلمات آخرين للتدريس في مدارس المحافظة.

وقال عمار ل، إنه عمل طوال سنوات سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على الرقة في التدريس بمدارس المحافظة رغم أن الأجر الذي كان يتقاضاه لم يتجاوز 100 دولار أمريكي، إلا أنه رأى ضرورة أن يعاد فتح المدارس وتدريس الطلاب فيها بعد توقف العملية التعليمية لعدة سنوات خلال فترة سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على الرقة بين أعوام 2014 حتى 2017.

وأشار المعلم الذي شارك بالوقفة الاحتجاجية، التي بدأت عند دوار الساعة وسط الرقة ثم توجهت إلى مبنى المحافظة في القسم الجنوبي من المدينة لمقابلة المسؤولين، إلى أن القلق بات يسيطر على المعلمين والمعلمات خشية استبعادهم من العملية التربوية بعد التغيرات الأخيرة في المدينة.

ويطالب معلمون ومعلمات في محافظة الرقة بضرورة تثبيتهم وضمان حقهم الوظيفي بعد أن استعادت الحكومة السورية السيطرة على المدينة منذ 19 من كانون الثاني الحالي، حيث أعيد افتتاح المؤسسات الرسمية وربط المديريات بالوزارات المركزية في دمشق، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول مصير الكوادر التي عملت خلال السنوات الماضية في ظروف استثنائية.

ويرفض المعلمون توصيفهم بـ“معلمي قسد”، معتبرين أن هذا الوصف يحمل طابعًا سياسيًا يهدد مستقبلهم المهني، مؤكدين أنهم بقوا في مدارسهم بدافع المسؤولية تجاه الطلاب، رغم الضغوط والتدخلات التي كانت تفرضها الإدارة السابقة على القطاع التربوي، ومحاولات فرض مناهج وتوجهات فكرية معينة على العملية التعليمية.

منهاج مثير للجدل

وكان منهاج “الإدارة الذاتية” في مناطق شمال شرقي سوريا يثير جدلًا واسعًا منذ طرحه، خاصة في المناطق ذات الغالبية العربية مثل الرقة ودير الزور، حيث اعتبره كثير من المدرسين والسكان بأنه غير منسجم مع الخصوصية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المحلي.

ويرى منتقدو المنهاج أنه مشبع بأفكار أيديولوجية ذات طابع قومي ويساري، ولا يراعي البنية المحافظة للسكان، ما انعكس في عزوف عدد من الأهالي عن إرسال أبنائهم إلى المدارس التي تعتمد هذا المنهاج خلال تلك الفترة.

كما كانت كتب “الإدارة الذاتية” تتضمن مضامين فكرية غير مألوفة في البيئة السورية، وتتناول قضايا أثارت حساسية مجتمعية، من بينها مفاهيم مرتبطة بعلم “الجنولوجيا” المتعلق بدور المرأة، والذي أسسه القائد السابق لـ”حزب العمال الكردستاني” (PKK) عبد الله أوجلان، المعتقل في تركيا، إضافة إلى طرح تصورات سياسية وقومية اعتُبرت إقصائية أو مستفزة لبعض المكوّنات.

كما أن بعض الكتب حوت خرائط وتوجهات قومية أثارت اعتراض معلمين وطلاب، وأسهمت في تعميق حالة الرفض الشعبي للمناهج حينها.

في المقابل، كانت “الإدارة الذاتية” تؤكد أنها تسعى إلى توحيد مناهج تعليمية تمثل مكوّنات المنطقة العرقية والثقافية، وأنها عملت على إعداد المناهج بثلاث لغات رسمية هي العربية والكردية والسريانية.

ظروف اقتصادية صعبة

وقالت المعلمة نشمية الوادي، التي عملت في التدريس، منذ خروج تنظيم “الدولة” من المدينة، إن المدارس أعيد فتحها بإمكانات بسيطة وسط نقص شديد في الكتب والقرطاسية والكادر.

ومع ذلك، حاول المعلمون الاستمرار لضمان عدم ضياع جيل كامل من الأطفال، مشيرة إلى أن الحديث عن الاستبدال خلق حالة من الخوف بين العاملين في القطاع التعليمي، خاصة أن معظمهم يعيلون أسرهم في ظل واقع اقتصادي صعب.

وأشارت، إلى أن غالبية المعلمين والمعلمات في الرقة هم أرباب أسر ويعتمد عليهم عدد كبير من الأفراد في تأمين لقمة العيش، موضحة أن أي قرار بالإقصاء أو الاستبدال سيؤدي إلى آثار اجتماعية قاسية تتجاوز حدود القطاع التعليمي، لتطال مئات العائلات التي لا تمتلك مصادر دخل بديلة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وضعف الفرص الاقتصادية في المدينة.

وأضافت المعلمة أن المعلمين خلال السنوات الماضية لم يكونوا مجرد موظفين، بل شكّلوا دعامة أساسية للاستقرار المجتمعي بعد سنوات من الحرب، حيث تحملوا مسؤولية إعالة أسرهم بالتوازي مع مسؤولية إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، معتبرة أن تجاهل هذا البعد الإنساني في أي قرارات قادمة سيزيد من هشاشة الوضع الاجتماعي ويعمّق شعور الظلم لدى شريحة واسعة من أبناء الرقة.

“ضياع” سنوات العمل

المعلم فراس الهادي يرى أن القضية لم تعد تتعلق فقط بالرواتب أو الاستقرار الوظيفي، بل بالكرامة المهنية والاعتراف بسنوات العمل التي قضوها في أصعب الظروف، موضحًا أن استبعاد الكوادر المحلية واستبدالها بمعلمين من خارج المحافظة قد يؤدي إلى فجوة بين المدرسة والمجتمع، لأن المعلمين الحاليين أكثر دراية بواقع الطلاب الاجتماعي والنفسي.

وأوضح فراس أن المعلمين في الرقة كانوا يتجنبون تدريس أي مواد أو مفاهيم تتعارض مع العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة في المجتمع السوري، رغم الضغوط التي كانت تمارسها “قسد” على القطاع التربوي لفرض مناهج تحمل مضامين فكرية وسياسية لا تنسجم مع البيئة المحلية.

وأشار إلى أنهم حاولوا قدر الإمكان تحييد المدرسة عن أي صراع أيديولوجي، والتركيز على المواد الأساسية التي تخدم مصلحة الطلاب التعليمية والمعرفية، مؤكدًا أن هدفهم كان حماية الأطفال من الانقسام الفكري والحفاظ على هوية المجتمع، وليس الانخراط في أي مشروع سياسي أو حزبي.

وأضاف المعلم، أن هذا التوازن الصعب بين الالتزام المهني والواقع المفروض جعل عملهم محفوفًا بالمخاطر، إلا أنهم استمروا بدافع المسؤولية الأخلاقية تجاه الطلاب، معتبرًا أن بقاء التعليم حيًا في تلك المرحلة كان ضرورة لمنع ضياع جيل كامل، مهما كانت الظروف والتحديات.

الحكومة تنفي الإقصاء

وفي المقابل، أفاد مصدر في مديرية التربية والتعليم في الرقة ل، تحفظ على ذكر اسمه، أن الحكومة السورية لم تصدر أي قرار رسمي حتى الآن بشأن فصل أو تثبيت أي موظف في الرقة أو المناطق التي دخلتها مؤخرًا، موضحًا أن ما يجري هو عملية ترميم إداري للمؤسسات، وليست عملية نسف أو إقصاء كما يُشاع.

وأشار المصدر إلى أن معظم الموظفين الموجودين حاليًا في المؤسسات الخدمية والمدنية كانوا يعملون في مواقعهم ذاتها خلال فترة سيطرة “قسد”، وأن الحكومة تسعى إلى سد النواقص ومعالجة الخلل دون إحداث فراغ إداري قد ينعكس سلبًا على الخدمات الأساسية، بما فيها قطاع التعليم.

ولا تقتصر المخاوف على المعلمين وحدهم، إذ يعيش موظفون في قطاعات أخرى حالة مماثلة من القلق في ظل غياب قرارات واضحة تنظم أوضاعهم، وهو ما يضع المدينة أمام تحديات اجتماعية واقتصادية جديدة بعد سنوات من الحرب والدمار.

ويرى معلمو الرقة أن تثبيتهم وإشراكهم في أي عملية تقييم أو إعادة هيكلة بشكل عادل وشفاف هو الضمان الوحيد لاستقرار العملية التعليمية، ولمنع انهيار ما تبقى من الثقة بين المجتمع المحلي والمؤسسات الرسمية، مؤكدين أن استمرارهم في العمل يمثل عنصرًا أساسيًا في إعادة بناء المدينة والنهوض بواقعها التربوي.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.