شهدت مناطق واسعة من الجزيرة السورية خلال الأسابيع الماضية موجة أمطار وُصفت بالأوفر منذ عدة مواسم، ما انعكس مباشرة على المشهد الطبيعي في الأرياف الممتدة بين ريفي الحسكة الجنوبي والغربي وصولًا إلى تخوم القامشلي والشدادي، حيث اكتست الأراضي بالكلأ والأعشاب البرية، معلنةً قدوم الربيع باكرًا هذا العام.
وبينما ينظر سكان المدن إلى الربيع بوصفه فصلًا جماليًا، يحمل لمربي الأغنام في محافظة الحسكة دلالات اقتصادية مباشرة، إذ يشكل موسم الأمطار والمرعى الطبيعي فرصة لتخفيف الأعباء المالية الثقيلة الناجمة عن ارتفاع أسعار الأعلاف، والتي شكّلت خلال العامين الماضيين أحد أبرز تحديات قطاع الثروة الحيوانية في المنطقة.
مراع خضراء بعد سنوات من الشح
جولة ميدانية ل في محيط ريف الحسكة الجنوبي، أظهرت مساحات واسعة من البادية والأراضي الزراعية وقد تحولت إلى بساط أخضر، بعد سنوات متعاقبة من تراجع الهطولات المطرية، الأمر الذي انعكس سابقًا على تدهور الغطاء النباتي وارتفاع الاعتماد على الأعلاف الصناعية.
يقول المربي عبد الرحمن الأحمد (52 عامًا)، وهو من سكان ريف الحسكة ويملك قطيعًا يضم نحو 200 رأس من الأغنام، إن الموسم الحالي “يبشر بالخير”، مضيفًا أن الأمطار الأخيرة “أعادت الحياة للمراعي بعد سنوات من القحط”.
وأوضح أن وفرة الكلأ في الربيع تعني خفض استهلاك الأعلاف بشكل كبير، إذ يعتمد مربو الأغنام خلال هذه الفترة على الرعي الطبيعي بنسبة تصل إلى 75%، مقابل 25% فقط من العلف المكمل، وهو ما ينعكس مباشرة على التكاليف الشهرية.
وأضاف، “في الشتاء كنا نعتمد بشكل شبه كامل على العلف، وكانت الكلفة ترهقنا، أما الآن فالأغنام ترعى طوال النهار، ولا نضطر لإعطائها إلا كمية بسيطة مساءً”.
أسعار الأعلاف.. عبء مستمر
رغم التحسن الموسمي الذي يوفره الربيع، تبقى أسعار الأعلاف مرتفعة مقارنة بقدرة المربين الشرائية.
ووفق قائمة الأسعار المتداولة في أسواق الحبوب بمحافظة الحسكة، بلغ سعر كيلو القمح المحلي 4500 ليرة سورية، مقابل 4000 ليرة للقمح المستورد.
أما الشعير المحلي الأسود فسجل 4800 ليرة للكيلوغرام، في حين بلغ سعر الشعير المستورد الأبيض 4300 ليرة.
وسجلت النخالة 4000 ليرة، والذرة الصفراء 3500 ليرة للكيلوغرام الواحد.
وبالنسبة للخلطات العلفية، التي تتكون من القمح والشعير المستورد والذرة الصفراء والنخالة، فيبلغ سعر الكيلو منها 4000 ليرة سورية، بينما ترتفع إلى 4300 ليرة إذا كانت مكوناتها محلية.
أما التبن فسجل 3200 ليرة للكيلوغرام.
كما تتوفر أعلاف “الكبسول” الغنية بالبروتينات، بثلاثة أصناف مخصصة للأبقار والأغنام والدواجن، وتُعد من الأعلاف المركزة التي يعتمد عليها المربون في فترات انعدام المرعى أو لزيادة الإنتاج.
انخفاض الاستهلاك إلى الربع
المربي محمد إسماعيل، من ريف القامشلي، أوضح أن استهلاك قطيعه من الأعلاف ينخفض في الربيع وموسم الحصاد إلى نحو 25% مقارنة بفصل الشتاء.
وقال: “في الشتاء كان قطيعي يستهلك يوميًا قرابة 150 كيلوغرامًا من العلف، أما الآن فلا يحتاج أكثر من 40 كيلوغرامًا، فقط كدعم غذائي، لأن الرعي يغطي النسبة الأكبر”.
وبيّن أن الاعتماد على الأعشاب البرية في الربيع، ثم على بقايا المحاصيل الزراعية بعد الحصاد في الصيف، يشكلان “طوق نجاة” للمربين، خاصة في ظل غياب الدعم الحكومي المباشر وارتفاع تكاليف النقل والوقود.
وأشار إلى أن استمرار هطول الأمطار خلال آذار ونيسان سيحسن من جودة المرعى، ما ينعكس إيجابًا على صحة القطيع ونسبة الولادات وإنتاج الحليب.
رأي تاجر أعلاف
في أحد أسواق الحبوب بمحافظة الحسكة، قال تاجر الأعلاف أحمد العلي، إن حركة البيع تشهد تراجعًا ملحوظًا مع بداية الربيع، مقارنة بفصل الشتاء.
وأوضح أن الطلب ينخفض فعليًا إلى نحو 25% في هذه الفترة، مضيفًا: “المربون يعتمدون الآن على الكلأ، ويشترون كميات محدودة فقط، إما خلطات علفية خفيفة أو كمية من الشعير كدعم”.
وأشار إلى أن الأسعار الحالية “مرتبطة بتكاليف الشراء والنقل وسعر الصرف”، مؤكدًا أن الأعلاف المحلية غالبًا ما تكون أعلى سعرًا من المستوردة بسبب قلة الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة.
وبيّن أن موسم الحصاد يشهد أيضًا تراجعًا في المبيعات، إذ يعتمد المربون على بقايا الحقول من تبن وقش وشعير، ما يقلل الحاجة إلى شراء الأعلاف المركزة.
أثر الربيع على الثروة الحيوانية
يؤكد مربو الأغنام أن وفرة المرعى لا تقتصر آثارها على خفض التكاليف، بل تنعكس أيضًا على صحة القطيع وزيادة الوزن وتحسن نوعية الحليب.
عبد الرحمن أشار إلى أن الأغنام “تتحسن حالتها بسرعة عند توفر المرعى الطبيعي”، لافتًا إلى أن الأعشاب البرية “أغنى وأفضل من العلف الصناعي من حيث القيمة الغذائية”.
كما يسهم انخفاض الاعتماد على الأعلاف في تقليل الديون التي تراكمت على بعض المربين خلال المواسم السابقة، إذ اضطر كثيرون إلى شراء الأعلاف بالدَّين أو بيع جزء من قطعانهم لتغطية النفقات.
تحديات مستمرة
ورغم التفاؤل الذي يحمله الربيع هذا العام، يحذر مربون من أن التحسن يبقى موسميًا، إذ تعود الأزمة مع بداية الصيف إذا انحسر الغطاء النباتي مبكرًا أو ارتفعت درجات الحرارة بشكل حاد.
كما أن استقرار أسعار الأعلاف يبقى عاملًا حاسمًا، إذ إن أي ارتفاع جديد قد يبدد المكاسب التي يحققها المربون في موسم الرعي.
ويطالب مربو المواشي بضرورة إيجاد آليات لدعم قطاع الثروة الحيوانية، سواء عبر تخفيض أسعار الأعلاف، أو تنظيم أسواقها، أو توفير قروض ميسرة، خاصة أن تربية الأغنام تشكل مصدر دخل أساسي لآلاف العائلات في الجزيرة السورية.
وبينما تبقى التحديات قائمة، يترقب المربون استمرار الهطولات خلال الأسابيع المقبلة، أملًا بموسم طويل من الخضرة، يعيد التوازن إلى قطاع أنهكته سنوات الجفاف وارتفاع التكاليف.
ومع امتداد المساحات الخضراء في ريف الحسكة، يبدو أن الربيع هذا العام لا يحمل أزهاره فحسب، بل يحمل كذلك فرصة لالتقاط الأنفاس بالنسبة لمربي الأغنام، ولو مؤقتًا، في انتظار استقرار أوسع يطال بقية مفاصل القطاع الزراعي والحيواني في المنطقة.
Related
المصدر: عنب بلدي
