في الساعات الأولى من صباح 8 من كانون الأول 2024، لم تكن دمشق تستيقظ على يوم عادي، المدينة التي اعتادت وقع الأخبار الثقيلة، بدت وكأنها تدخل فجأة في فصل جديد، من هذه اللحظة تحديدًا يبدأ الفيلم الوثائقي “مفاتيح دمشق”، واضعًا المشاهد أمام حدث لا يُقدم كخبر عاجل، بل كحكاية تُروى بهدوء، وتُبنى تدريجيًا على الشهادة والصورة والذاكرة.

الفيلم الوثائقي، الذي أنتجته مؤسسة “الجزيرة” الإعلامية في ذكرى التحرير الأولى، وأخرجه عبده مدخنة، لا يتعامل مع دمشق بوصفها جغرافيا فقط، بل كرمز سياسي وتاريخي، وكعاصمة تحمل مفاتيح مرحلة كاملة.

بنية الحكاية.. من اللحظة إلى الخلف

يعتمد “مفاتيح دمشق” أسلوب السرد العكسي، إذ ينطلق من لحظة دخول قوات “ردع العدوان” إلى العاصمة، ثم يعود تدريجيًا إلى الخلف، متتبعًا المسارات السياسية والعسكرية التي مهدت لهذه النهاية المفصلية.

هذا البناء يمنح الفيلم طابعًا تشويقيًا، رغم أنه وثائقي، ويجعل المشاهد في حالة ترقّب دائم: كيف وصلت الأمور إلى هنا؟ ولماذا سقطت العاصمة بهذه السرعة؟

السرد لا يأتي عبر تعليق صوتي تقليدي فقط، بل عبر شهادات مباشرة لشخصيات فاعلة في الحدث، ما يمنح القصة طابع “الرواية الشفوية” التي تُكتب بالصوت قبل الصورة.

الشهادة كعمود فقري للسرد

يمنح الفيلم مساحة واسعة لشهادات قادة سياسيين وعسكريين، في مقدمتهم الرئيس السوري، أحمد الشرع، إضافة إلى وزراء ومسؤولين شاركوا في إدارة اللحظات الأخيرة قبل دخول دمشق.

هذه الشهادات لا تُقدَّم بوصفها تصريحات سياسية باردة، بل كاعترافات زمنية تحاول تفسير ما جرى، وتضع المشاهد داخل غرف القرار.

هنا، تتحول الشهادة إلى أداة سردية أساسية، تفسر الصورة ولا تكتفي بمرافقتها، وتمنح الفيلم بُعدًا تحليليًا يتجاوز التوثيق اللحظي.

واقعية الإخراج

على مستوى الإخراج، يختار “مفاتيح دمشق” الابتعاد عن الاستعراض البصري، لمصلحة واقعية مباشرة، فالكاميرا حاضرة بوظيفتها التوثيقية أكثر من كونها أداة جمالية، وهو خيار يخدم طبيعة الحدث ويمنحه صدقية أعلى.

يعتمد الفيلم على لقطات ميدانية حقيقية من لحظات الدخول إلى دمشق، وعلى مقابلات مصوّرة، بالإضافة إلى انتقالات زمنية هادئة بين الماضي القريب والحاضر، دون قفزات بصرية حادة.

التشويق في فيلم بلا خيال

رغم طبيعته الوثائقية، ينجح الفيلم في خلق توتر سردي حقيقي، عنصر التشويق لا يأتي من الموسيقا أو المونتاج السريع، بل من المعلومات نفسها، كسرعة انهيار النظام السابق، وتداخل العوامل الدولية، والقرارات التي اتُّخذت في ساعات حرجة.

كل شهادة تكشف طبقة جديدة من القصة، وكل تفصيل سياسي يفتح باب تساؤل، ما يجعل الفيلم أقرب إلى تحقيق صحفي طويل، مكتوب بالصورة.

الدلالات السياسية.. ما بعد السقوط

لا يتوقف “مفاتيح دمشق” عند لحظة الدخول إلى العاصمة، بل يحاول تفكيك ما تعنيه هذه اللحظة سياسيًا.

ويناقش الفيلم الخلفيات الإقليمية والدولية التي رافقت الحدث، والرسائل المتبادلة مع قوى دولية فاعلة، ناهيك بالمخاوف الأمنية اللاحقة، بما في ذلك الغارات الإسرائيلية بعد سقوط النظام.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.