لم تكن الرياضة في مناطق شمال شرقي سوريا، منذ خروجها عن سيطرة النظام السوري في عام 2012 وحتى بعد سقوطه، مجرد نشاط بدني عابر أو مساحة للترفيه، بل تحولت بمرور الوقت إلى “مختبر اجتماعي” ووسيلة أساسية في مشروع “الهندسة السياسية” الذي تقوده “الإدارة الذاتية”.

وبينما نجحت هذه السلطات في تنشيط القطاع الرياضي وملء الفراغ المؤسساتي بعد سنوات من الركود والحرب، يبرز تساؤل جوهري حول الفاصل الضيق بين “النشاط المجتمعي” و”التجييش الأيديولوجي” الذي يصب في مصلحة السلطة الحاكمة.

في هذا التقرير، تفكك المشهد الرياضي في المنطقة، مستندة إلى رصد ميداني وتقارير مؤسساتية، لتستعرض خارطة الأندية، وآليات الأدلجة، ومعضلة الاعتراف الدولي.

الهيكل التنظيمي.. الرياضة من بوابة “العقد الاجتماعي”

تُدار الرياضة في شمال شرقي سوريا عبر هيكلية هرمية تبدأ من “هيئة الشباب والرياضة” (بمثابة وزارة)، التي تتبع مباشرة للمجلس التنفيذي لـ”الإدارة الذاتية”. وتحت مظلتها، يعمل “الاتحاد الرياضي لإقليم شمال وشرق سوريا”، الذي تأسس في شكله المركزي الأخير ومقره الرقة، ليجمع تحت مظلته جميع الاتحادات الفرعية في “المقاطعات” (الجزيرة، الفرات، الرقة، الطبقة، دير الزور).

نظام “الرئاسة المشتركة” في الملاعب

لا يغيب النظام السياسي لـ”الإدارة الذاتية” عن الملاعب، فكل نادٍ، وكل اتحاد فرعي، وكل لجنة رياضية، تُدار بنظام “الرئاسة المشتركة” (رجل وامرأة). هذا الإلزام التنظيمي ليس مجرد تنسيق إداري، بل هو ترجمة لمبادئ “العقد الاجتماعي” التي تفرض المساواة الجندرية كركيزة أيديولوجية، وهو ما يُعد تحولًا جذريًا في بيئة رياضية كانت تاريخيًا ذكورية بامتياز في هذه المناطق.

خارطة الأندية والاختصاصات.. توزيع النفوذ والمهام

تتوزع الأندية الرياضية في المنطقة بين أندية “عريقة” حافظت على كيانها القانوني مع تغيير في مرجعيتها الإدارية، وأندية “ناشئة” أُسست لتكون واجهة للمشروع الجديد.

1. الجزيرة (الحسكة والقامشلي)

تعتبر الثقل الأكبر وتضم أكثر الأندية تنظيمًا:

  • نادي الجهاد (القامشلي): النادي التاريخي (تأسس 1962). يعيش حالة “ازدواجية”، فهو مسجل لدى الاتحاد السوري ويشارك في بطولاته أحيانًا، ولكنه يخضع إداريًا وماليًا لسلطة “الإدارة الذاتية” في نشاطاته المحلية، مما يجعله ساحة صراع على “الشرعية”.
  • نادي سردم (الحسكة): يُعتبر “النادي المدلل” لـ”الإدارة”، وينافس بقوة في كرة القدم والكرة الطائرة وألعاب القوى.
  • نادي الأساييش: يتبع لـ”قوى الأمن الداخلي” (أسايش)، ويتمتع بتمويل مستقر ومنشآت خاصة، ويمثل “رياضة المؤسسات الأمنية”.
  • نادي برخدان (القامشلي): يركز بشكل مكثف على الفئات العمرية الصغيرة، ويُعد حاضنة لتنشئة الجيل الجديد وفق قيم “الرياضة الأخلاقية”.
  • نادي طريق (الحسكة): برز مؤخرًا كمنافس قوي في دوري الدرجة الأولى.
  • أندية أخرى: نادي رميلان، نادي عامودا، نادي دجلة، نادي تل تمر، نادي شبيبة الحسكة.

2. الفرات (عين العرب/كوباني)

  • نادي كوباني: النادي المركزي الذي يجمع معظم مواهب المنطقة في كرة القدم و”التايكوندو”.
  • نادي روج آفا: يركز على الأنشطة المجتمعية والماراثونات.

3. الرقة والطبقة

بعد طرد تنظيم “الدولة الإسلامية”، تحولت الرقة إلى مركز إداري للرياضة:

  • نادي عمال الفرات: النادي التاريخي للرقة، أُعيد تفعيله بدعم من “لجنة الشباب والرياضة”.
  • نادي الرقة: يشارك في دوري الإقليم ويضم فرقًا لكرة السلة.
  • نادي الثورة والتربية (الطبقة): يمثلان واجهة النشاط الرياضي في منطقة الفرات الغربي.

4. دير الزور

  •  أندية الريف (هجين، غرانيج، درنج): تعاني من ضعف الإمكانيات مقارنة بالجزيرة، لكنها تشهد زخمًا جماهيريًا كبيرًا في كرة القدم، وتستخدمها “الإدارة الذاتية” كأداة لـ”الدمج المجتمعي” في المناطق ذات الأغلبية العربية.
بطولة القوى البدنية للرجال والسيدات في الرقة - 5 تشرين الأول 2025 (الاتحاد الرياضي لشمال وشرق سوريا)

بطولة القوى البدنية للرجال والسيدات في الرقة – 5 تشرين الأول 2025 (الاتحاد الرياضي لشمال وشرق سوريا)

أدلجة الرياضة.. “اللاعب” في خدمة “الفكرة”

تطرح “الإدارة الذاتية” في أدبياتها مفهومًا يسمى “الرياضة المجتمعية” كبديل عن “الرياضة الرأسمالية”. وبحسب مراقبين، فإن هذا التوجه يحمل في طياته “أدلجة” عميقة تهدف إلى ربط الشارع الرياضي بمنظومة قيم حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD) وفكر عبد الله أوجلان.

الأكاديميات الرياضية.. “التدريب الفكري” قبل البدني

لا تكتفي “أكاديمية الشهيد آغري” أو “أكاديمية الشهيد شيار” بتعليم فنون الكرة، بل يخصص البرنامج التدريبي ساعات أسبوعية لما يسمى بـ”التدريب الفكري” (Perwerde).

في هذه الجلسات، يتم تدريس مفاهيم مثل “الأمة الديمقراطية”، “تحرر المرأة”، “تاريخ كردستان”، و”أخلاقيات الرياضة الثورية”. الهدف هو بناء رياضي “ملتزم سياسيًا”، يرى في انتصاره الرياضي انتصارًا للمشروع السياسي.

رمزية “الشهداء” في الملاعب

تعد تسمية البطولات والمنشآت بأسماء مقاتلي “وحدات حماية الشعب” (YPG) أو شخصيات سياسية مرتبطة بـ”الإدارة”، أداة قوية للأدلجة، فمن “دوري الشهيد جيا” إلى “بطولة الشهيدة روناهي أمانوس”، يتحول الملعب إلى طقس استذكار دائم للملحمة العسكرية.

ويحضر “مجلس عوائل الشهداء” في كل منصات التتويج، مما يعطي للرياضة طابعًا “قدسيًا” مرتبطًا بالتضحية العسكرية.

“الرياضة الأخلاقية” ونبذ “الاحتراف المادي”

تروج “الإدارة” لفكرة أن الرياضة لا يجب أن تكون من أجل المال (الاحتراف)، بل من أجل “الصحة والمجتمع”. هذا الخطاب يُستخدم أحيانًا لتبرير ضعف الرواتب التي تُمنح للاعبين في الأندية الشعبية، بينما تُستثمر المبالغ الكبيرة في الأندية التابعة للمؤسسات الأمنية والعسكرية، مما يخلق نوعًا من “الولاء الوظيفي” داخل القطاع الرياضي.

رياضة المرأة.. “بروباغندا” أم تمكين

تعتبر رياضة المرأة الحصان الرابح لـ”الإدارة الذاتية” في تسويق نفسها دوليًا، فقد نجحت في تنظيم دوري سيدات منتظم في الجزيرة، وإنشاء أندية نسائية بالكامل (مثل نادي بيمان).

بينما يرى بعض المراقبين في ذلك “تمكينًا حقيقيًا” لنساء المنطقة في وجه التقاليد، يرى آخرون أنها “بروباغندا سياسية” تهدف لإظهار “الإدارة” بمظهر القوة التقدمية الوحيدة في المنطقة. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن ملاعب القامشلي والحسكة باتت تشهد حضورًا نسائيًا غير مسبوق، سواء كلاعبات في كرة القدم والسلة، أو كحكمات ومدربات، وهو ما كسر “التابوهات” الاجتماعية في مناطق كانت تعتبر الرياضة النسائية عيبًا.

البنية التحتية.. إعادة إعمار تحت الظل

شهدت المنطقة حركة تأهيل واسعة للملاعب والصالات، خاصة في الرقة وعين العرب/كوباني، بتمويل من “الإدارة الذاتية” وبعض المنظمات الدولية (في إطار مشاريع دعم الاستقرار).

  • ملعب “12 آذار” (القامشلي): تم تحويله من رمز لمجزرة عام 2004 إلى مركز رئيس للبطولات “الديمقراطية”.
  • ملعب “هفرين خلف” (الرقة): الذي أُعيد تأهيله ليكون من أكبر الملاعب في الشمال السوري.
  • الصالات المغلقة: انتشرت الصالات الرياضية (صالة سردم) لتغطية الألعاب الجماعية والقتالية.

التحديات الجيوسياسية و”جدار الاعتراف”

رغم النشاط المحموم، تعيش الرياضة في شمال شرقي سوريا في “جزيرة معزولة”. وتتلخص المعاناة في النقاط التالية:

– غياب الشرعية الدولية: لا يعترف الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) ولا أي منظمة رياضية دولية بالاتحادات التابعة لـ”الإدارة الذاتية”، هذا الأمر يمنع الأندية من المشاركة في أي بطولات خارجية (آسيوية أو عربية)، ويحصر طموح اللاعبين في “الدوري المحلي”.

  • معضلة اللاعبين والمستقبل: يجد اللاعب الموهوب نفسه أمام خيارين، إما البقاء في المنطقة واللعب في دوري غير معترف به، أو “الهروب” نحو أندية في دمشق أو أندية إقليم كردستان العراق للحصول على فرصة تمثيل دولي.
  • العسكرة والتهديدات: تعاني الملاعب الحدودية (مثل عين العرب/كوباني) من تهديدات أمنية مستمرة، مما يؤدي أحيانًا إلى تعليق النشاطات ونزوح الرياضيين.
  • الهجرة: فقدت المنطقة مئات الكفاءات الرياضية (مدربون ولاعبون دوليون سابقون) التي هاجرت إلى أوروبا، مما تسبب في فجوة فنية كبيرة تحاول الأكاديميات “المؤدلجة” ملأها بخبرات محلية شابة.

السياسة هي الحكَم

نجحت “الإدارة الذاتية” في تحويل الرياضة إلى “ماكينة” فعالة لإعادة دمج الشباب في مشروعها السياسي، إلا أن هذا النجاح يظل منقوصًا، فما دامت الرياضة أسيرة “الأدلجة” الحزبية، وبعيدة عن الاعتراف القانوني الدولي، فإنها ستبقى مجرد “نشاط محلي” يخدم سلطة الأمر الواقع أكثر مما يخدم مستقبل اللاعب السوري الطامح للعالمية.

الرياضة في شمال شرقي سوريا اليوم هي انعكاس للصراع على الأرض، فبينما تُطلق صافرة البداية في كل مباراة، يدرك الجميع أن الحكم الحقيقي في نهاية المطاف هو “السياسة”، وأن الملاعب هي مجرد جبهة أخرى من جبهات “القوة الناعمة” في صراع النفوذ السوري الطويل.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.