لمى قنوت
هندس اجتماع باريس، في مطلع كانون الثاني الحالي، بين الوفدين السوري والإسرائيلي، وبرعاية أمريكية، ومشاركة تركية غير مباشرة، تقاسم النفوذ في سوريا بين إسرائيل وتركيا، بعد انضمام السلطة الانتقالية في دمشق إلى التحالف الدولي ضد “داعش”.
أعلن المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، أن “الغرض الأصلي من (قوات سوريا الديمقراطية- قسد) كقوة رئيسة لمكافحة تنظيم (داعش) على الأرض قد انتهى إلى حدّ كبير”، الأمر الذي أدى إلى إبعادها إلى محافظة الحسكة، ورفع هيمنتها كسلطة أمر واقع، مدعومة من الولايات المتحدة، على كل من محافظتي الرقة ودير الزور.
يظهر التاريخ الأمريكي الحديث نمطًا متكررًا من التخلي عمن تصفهم بـ”شركاء” محليين، وتعتمد عليهم لتحقيق هدف مؤقت، وتنسحب أو تتخلى عنهم عندما تُغير أولوياتها واستراتيجيتها أو عندما يصبح الدعم مكلفًا سياسيًا أو عسكريًا. كما يأتي تقاسم النفوذ الإسرائيلي والتركي على الأراضي السورية، منسجمًا مع “استراتيجية الأمن القومي الأمريكية في نهاية عام 2025″، التي عَرّفت سوريا بأنها تظل “مصدرًا محتملًا للمشكلات، لكنها قد تستقر وتستعيد دورها الطبيعي في المنطقة بدعم أمريكي، وعربي وإسرائيلي وتركي”. والتوزيع الأمريكي هذا، لا يعني انسحابًا، حتى لو سحبت قواتها العسكرية من سوريا، بل هو تخفيف التكلفة المباشرة عليها، وتوزيع الأعباء، واستمرار لتحكمها المباشر وعبر وكلاء إقليمين.
ومن منظور واشنطن، فإن تعزيز الهيمنة الإسرائيلية والتركية على سوريا، هو من جهة ضمان لالتزامها الدائم بالمشروع الصهيوني التوسعي وتفوقه العسكري، وتحييد للجنوب السوري، من المقاومة الشعبية للاحتلال وتوغلاته المتواصلة سواء كانت مقاومة فردية عفوية أو استطاعت تنظيم نفسها مع الأيام، أو من وجود جهاديين على الحدود الجنوبية الغربية لسوريا، أو لمنع إعادة تموضع جماعات تدعمها إيران في المستقبل، وعمليًا، يتحول الجنوب إلى حيز أمني “معقم”، لا سياسي، ومنزوع من السيادة السورية، حتى مع الاعتراف بالحكومة الانتقالية المركزية، كما هو مخطط في مشروع “درع إبراهيم“، ومن جهة أخرى، فتركيا دولة في حلف “الناتو”، وذات نفوذ قوي على السلطة الانتقالية، ويتبع لها عدد من الفصائل العسكرية، ومستعدة لتحمل التكاليف العالية، وقادرة على تحجيم الفواعل غير الدولية، مثل “قسد” وحزب “العمال الكردستاني”، وهي تعتبر الشمال السوري مجالًا للأمن القومي التركي.
وبالعودة إلى البيان المشترك بشأن الاجتماع الثلاثي بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي وسوريا في 6 من كانون الثاني الحالي، والذي اتفق فيه الطرفان، السوري والإسرائيلي، “على إنشاء آلية تنسيق مشتركة (خلية اتصالات مخصصة) لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة”. وفي مستهله، مزج البيان بين “سيادة سوريا” و”أمن إسرائيل” وكرر احترام السيادة السورية، وهو لا يعني، بهذا المنطق، التزامًا سياسيًا، فهو لا يشير ولا يلزم إسرائيل بانسحابها من الأراضي السورية المحتلة، وبضمنها الجولان، والالتزام باتفاقية فك الاشتباك، ولا يضمن وقف القصف والتوغلات واعتقال السكان المحليين، وبوجود التنسيق الاستخباراتي، فإن احترام السيادة لا يفسر إلا كقشرة لغوية، تُبقي الهيمنة والتحكم الإسرائيلي، وتؤطر العلاقة بين المُستعمِر والمُستَعمر، كوظيفة أمنية للأخير، يشبه دور السلطة الفلسطينية.
ومع إدراج “الفرص التجارية” في متن البيان، والمقامة على الأراضي السورية المحتلة، كإقامة منتجع فاخر للتزلج، كما يروج ترامب، وهو نموذج لعقل استعماري، يرى الأرض “أصولًا للربح” لا كيانًا أصيلًا سياديًا، بل ويرى الجغرافيا السياسية محفظة استثمارية، و”التطوير العقاري” أداة من أدوات الاستعمار، والسيادة عائق يجب تحييده، وبذلك يتم تشييء الأراضي السورية المحتلة، وتحويلها إلى فرص تجارية واعدة لمراكمة الثروة في أيدي شركات عالمية وأصحاب نفوذ محلي يرضى عنهم الاستعمار، ويعاد بموجبها تعريف معنى العدالة والسيادة والحق في تحرير الأرض، إلى حصة في مشروع استثماري يتربح منه المُستعمر، وهو تطبيع على أن السيادة قابلة للمقايضة، والاحتلال حالة طبيعية، بعيدة عن جوهر النقاش وأولوياته.
ومن مفهوم استعماري مباشر ومُحدث، فإن الدولة “الجيدة” القابلة للتعامل معها أو المدارة خارجيًا وفق مصالح الآخرين وتوازناتهم، هي التي لا تربك الإمبراطورية الأمريكية والهيمنة المتعددة المستويات ولا تطالب بتحرير أراضيها المحتلة، فتمارس عليها وصاية بدل تعريفها سياسيًا كدولة مستقلة ذات سيادة، ويتم التعاطي معها كملف لإدارة الأزمات واحتوائها، ومنع أو الحد من تحولها إلى مصدر “تهديد إقليمي”، مع ضمان الانضباط السلوكي لقوى الأمر الواقع.
إن التفريط بالسيادة الوطنية الذي كرسه النظام البائد، وتحَولِ سوريا لفضاء متنازع عليه، وأرض لهيمنة ذات مستويات متعددة وفق ارتهان سلطات الأمر الواقع، لم تعد الشرعية السياسية نابعة من عقد اجتماعي وإرادة مواطنية جامعة، بل من هندسات أمنية إقليمية ودولية، واستجابات لضغوط خارجية، وما تهافت طلب الدعم والحماية من الاحتلال الإسرائيلي من قبل البعض، والمدانة بالطبع، والتي لا تمثل إلا نفسها، سوى انهيار لمفهوم المواطنة الجامعة، وغياب للمشروع الوطني الديمقراطي التحريري الجامع.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
