– شعبان شاميه
استقبل الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وفدًا رفيع المستوى من اتحاد الغرف التجارية المصرية في دمشق، قبل أيام، في خطوة قيل إنها “تعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية”، كما وُصفت بأنها “التحرك الأكثر دفئًا من دمشق تجاه القاهرة منذ سقوط نظام الأسد”، إذ حظي اللقاء بتغطية إعلامية مصرية وإقليمية واسعة، دفعت لطرح تساؤلات حول إمكانية أن تعبر العلاقات السياسية السورية- المصرية التي تشهد فتورًا كبيرًا عبر بوابة الاقتصاد.
يرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”، الدكتور سمير العبد الله، في حديث إلى، أن العلاقات السورية- المصرية تعد من العلاقات العربية الضاربة بجذورها في التاريخ، وتقوم على روابط اجتماعية وثقافية عميقة بين الشعبين، وقد تعززت هذه الروابط خلال سنوات الثورة السورية، حين استقبلت مصر آلاف السوريين، وشكّلت لهم مساحة اجتماعية وإنسانية مهمة في واحدة من أكثر مراحل الصراع قسوة.
مخاوف لدى القاهرة
مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد أفرزت مجموعة من التحديات الجديدة التي تواجه مسار العلاقات بين البلدين، قال العبد الله، لا سيما على الصعيد الأمني، إذ تبدي القاهرة خشية واضحة من وجود مصريين في سوريا ممن كانوا منخرطين سابقًا في فصائل جهادية مسلحة، وما قد يحمله ذلك من انعكاسات أمنية محتملة.
ولفت الباحث إلى أن الحملات الإعلامية المتبادلة أسهمت في تضخيم هذه المخاوف، مما أدى إلى تعميق فجوة عدم الثقة وخلق شرخ سياسي وإعلامي بين الطرفين.
ومع ذلك، لا تزال هناك أرضية مشتركة واسعة يمكن البناء عليها لإعادة ترميم العلاقات، أضاف العبد الله، تتمثل بالموقف المصري المُعلن الداعم لوحدة سوريا وسيادتها، وتأكيد القاهرة على أهمية الانتقال السياسي المنضبط الذي يحفظ استقرار الدولة السورية.
في المقابل، تُظهر دمشق الجديدة رغبة واضحة في الانفتاح على محيطها العربي، والسعي إلى تصفير الخلافات وإعادة إدماج سوريا في النظام الإقليمي العربي، بحسب الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”.
التجربة المصرية- التركية
بحسب العبد الله، يبرز الاقتصاد هنا بوصفه مدخلًا عمليًا وواقعيًا لإعادة بناء الثقة بين البلدين، مشيرًا إلى إمكانية الاستفادة من التجربة المصرية- التركية، إذ جرى تفعيل العلاقات الاقتصادية رغم استمرار الخلافات السياسية، مما أسهم تدريجيًا في تخفيف التوتر وبناء الثقة، وصولًا إلى استعادة العلاقات السياسية لاحقًا.
ويشير هذا النموذج، وفق الباحث، إلى أن البراغماتية الاقتصادية قد تشكّل رافعة فعالة لتجاوز الحساسيات السياسية والأمنية.
انطلاقًا من ذلك، يمكن لمصر وسوريا أن تشرعا بتفعيل قنوات التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بوصفها خطوة أولى، تتبعها آليات حوار منتظمة على المستويين الأمني والسياسي، بحسب الباحث السياسي.
وختم العبد الله حديثه ل، بأن عقد اجتماعات دورية بين الجانبين، سواء على مستوى الخبراء أو المسؤولين، كفيل بتفكيك المخاوف المتبادلة تدريجيًا، وبناء مسار ثقة متراكم يعيد العلاقات السورية- المصرية إلى موقعها الطبيعي في الإطار العربي.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، في حديث إلى، أن هناك تطورًا ملحوظًا في العلاقات السورية- المصرية، تفرضه مجموعة من العوامل وحاجة البلدين لتحسين العلاقة بينهما، معتبرًا أن مصر غير قادرة على تجاهل سوريا والعكس بالعكس.
دوافع مرتبطة بإسرائيل ومشاريعها التوسعية
عزا الباحث علوش أسباب السعي لتحسين العلاقات بين دمشق والقاهرة إلى التحديات الإقليمية الكبيرة التي تواجهها المنطقة، خصوصًا في ظل مشاريع التقسيم والتوسع الإسرائيلي، مبينًا أنها دوافع رئيسة لكلا البلدين للتعاون فيما بينهما وفتح صفحة جديدة للتعامل مع هذه التحديات.
وأضاف علوش أن مصر بحاجة أيضًا ليكون لها دور وتأثير في سوريا الجديدة، لما يعطيها هذا الحضور من زخم على مستوى سياستها الإقليمية وعلى مستوى مصالحها في المنطقة، مشيرًا إلى أن الاقتصاد يلعب كمحفز، وهو بوابة جيدة وأداة فعالة لإزالة الغموض في العلاقات.
وتحدث علوش عن هواجس وقلق لدى القاهرة إجمالًا من الإطاحة بنظام الأسد في سوريا ومن الخلفية الإسلامية للنظام الحاكم الجديد، واصفًا الرسائل التي أعطتها دمشق للقاهرة ودول المنطقة بـ”الإيجابية”، وأن مصر تتعامل معها على هذا الأساس.
وأشار الباحث السياسي إلى تطلعات مصرية للتعاون مع سوريا في الملف الأمني، لا سيما أن هناك مقاتلين مصريين في سوريا وشاركوا بالمعارك في أثناء فترة الصراع، واحتمالية أن يكون هناك تنسيق مع دمشق لتسليمهم.
دور تركي- سعودي لتحسين العلاقة
لفت الباحث علوش إلى دور تركيا إلى جانب السعودية في بناء العلاقة الجديدة بين سوريا ومصر، ما يعطي فرصًا كبيرة للوصول إلى علاقة مستقرة، خاصة أننا أمام مرحلة من إعادة التشكيل الإقليمي، مؤكدًا أن سوريا هي جزء رئيس من مشروع يهدف إلى ضم القوى الفاعلة في المنطقة للتعامل مع عدد من التحديات.
كما أن فتح سوريا أمام الاستثمارات المصرية يعتبر مصلحة لدمشق كما هو مصلحة للقاهرة، بحسب علوش، إذ إن الاتفاقيات التي جرى إبرامها في مجالي النفط والغاز قبل أسابيع تعد مدخلًا حيويًا لبناء علاقات جيدة على المستوى السياسي.
رأي اقتصادي
قال الأكاديمي والمستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش، في حديث إلى، إنه مع زيارة الوفد من الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية لدمشق، أُعلن عن إطلاق غرفة تجارية مشتركة في أثناء الملتقى الاقتصادي السوري- المصري، وهو ما يعتبر نقطة تحول استراتيجية تعيد رسم خريطة الشراكات العربية بعد سنوات من التوترات والعقوبات.
تُبرز هذه الزيارة، بحسب عربش، تقاربًا متناميًا بعد توقيع مذكرتي تفاهم بداية كانون الثاني الحالي بين وزارة الطاقة السورية ووزارة البترول المصرية (الأولى لتوريد غاز طبيعي مخصص لتوليد الكهرباء في سوريا، والثانية للمنتجات البترولية مع تبادل خبرات في إعادة تأهيل البنى التحتية).
وأضاف عربش أن الزيارة تبرز أيضًا أهمية بناء الجسور ومؤازرة سوريا في مشاريع الإعمار التي تتطلب خبرات عديدة، مع توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء الغرفة التجارية المشتركة لتطوير جوهري للتبادل التجاري وتصدير مواد البناء المصرية التي تغطي مشاريع الإعمار.
كما تأخذ الزيارة أبعادًا اقتصادية فورية، وفق الأكاديمي، تبدأ بتعزيز الصادرات المصرية في الأسمنت والحديد والسيراميك، إذ توفر سوريا سوقًا استهلاكيًا هائلًا يعوّض الركود في الأسواق الإقليمية ولمصر التي ربما لاحقًا ستشارك في زيادة الطاقات الإنتاجية وإنشاء مصانع فرعية سورية وتخفيض التكاليف اللوجستية، مما يحقق نقلة تكنولوجية في مشاريع سريعة التنفيذ مثل شبكات الكهرباء والمواني، مع تسهيلات استثمارية تجعل من سوريا بوابة للاستثمار العربي.
ويرى عربش أن الزيارة تمثل سياسيًا دليلًا على أن الدافع الاقتصادي يفوق الخلافات السابقة، إذ تعد القاهرة رافعة لاستعادة الوزن الإقليمي وتعيد سوريا إلى قلب المنظومة العربية، محفزة دولًا مثل الأردن والعراق على بناء تحالفات استراتيجية مستدامة.
رهان ناجح
يعتقد الكاتب والمحلل السياسي المصري عزت النمر، في حديث إلى، أن العلاقات المصرية- السورية ستشهد تقدمًا سياسيًا ما، مرجحًا التحول من حالة الرفض المصري للنظام السوري الجديد في بواكير التحول السوري وتجاوز الحذر المكتوم في الفترة الأخيرة.
واعتبر النمر أن من الذكاء اعتماد الاقتصاد كمدخل لتحسين وتطوير العلاقات بين مصر وسوريا في المرحلة المقبلة، معتقدًا أن العلاقات والتعاون الاقتصادي يمكن أن يكون قاطرة جادة لتجاوز كل العقبات السياسية بين البلدين.
وأضاف المحلل المصري، أن هذه العلاقات الاقتصادية إن لم تكن مدخلًا للتقارب ستحفظ على الأقل حدًا من العلاقات المقبولة والرصيد الذي يمكن البناء عليه وترقيته للوصول إلى العلاقات المرجوّة بين بلدين يمثلان معًا جناحي العروبة المتين، وموقعًا مهمًا لجمع شتات الأمة فضلًا عن التاريخ العميق من العلاقات الوطيدة، على حد تعبيره.
ويرى النمر أن الرهان على المسار الاقتصادي هو رهان ناجح لكل من يريد تصفية الأجواء وتحسين العلاقات بين مصر وسوريا، خاصة مع حاجتهما الماسة لهذا التعاون والوضع الاقتصادي شبه المتأزم في كلا البلدين، فضلًا عن الفرص الواعدة التي يمكن جنيها معًا من خلال هذا المسار.
وقال النمر، إن هناك نقطة إيجابية يمكن البناء عليها في هذا، وهي السلوك المعتاد للرئيس السيسي بعدم ربط العلاقات الاقتصادية بالعلاقات السياسية، وهذا نمط اعتمده مع تركيا من قبل إبان أزمة العلاقات المصرية- التركية، وحتى في حالة العلاقات السورية- المصرية، لم تتأثر الحركة الاقتصادية بأزمات وأنواء العلاقات السياسية.
وأضاف المحلل أن الاتفاقين اللذين وُقّعا في القاهرة بين وزيري البترول والنفط مهمان جدًا للجانب المصري الذي يريد أن يقدّم نفسه كمحطة إقليمية رائدة للطاقة، ويمثل في الوقت نفسه ضرورة ملحة لقطاع الكهرباء والطاقة في سوريا الذي يعاني عجزًا حرجًا في قطاع حيوي ربما يتجاوز الاقتصاد إلى الاستقرار.
دور خط الغاز العربي والاقتصاد المأزوم
أشار النمر إلى نقطة قوة في هذا التعاون، إذ تمتلك مصر خط الغاز العربي القادر على توصيل الغاز إلى سوريا بسهولة، والمساهمة في ربط الطاقة بين البلدين بالإضافة إلى الأردن ويصل إلى لبنان التي تمثل بدورها مطلبًا مصريًا أيضًا.
وتابع النمر أن وضع الاقتصاد المصري المأزوم يفتح الباب أمام براغماتية ذكية للرئيس الشرع في مداعبة الرئيس السيسي، على حد تعبيره، من خلال بوابة إعمار سوريا وفرص استثمارية واعدة، ربما تجعله يتجاوز كثيرًا من عقبات السياسة ومخاوف وتحفظات الدولة المصرية.
تحديات وعقبات
لا تزال التحديات والعقبات موجودة، قال النمر، إذ إن أغلبها من الجانب المصري، وتتلخص بـ:
• هواجس مصرية عنيفة ضد موجات الربيع العربي التي تمثل سوريا الشرع “أحد إبداعاتها”، وفق وصفه، فضلًا عن العناصر المصرية التي شاركت في التجربة وتشغل مناصب في دمشق، وتخوف من محاولة إنتاج ذلك مرة أخرى في مصر.
• عدم تجاوز الرئيس السيسي للخلفية الإسلامية لنظام أحمد الشرع، فضلًا عن موقف نظام العسكر في مصر من التشكيلات المسلحة والفصائل خارج الجيش الرسمي.
• حالة عدم الرضا المصرية من النفوذ التركي في سوريا، وحالة “الحظوة” التي تراها مصر لتركيا في الدبلوماسية السورية بالنظام الحالي.
ويجد المحلل أن استمرار هذه الهواجس وعدم قدرة النظام المصري على هضمها وتجاوزها يمثل تحديات شديدة في الجانب السياسي وبدرجة أقل في الجانب الاقتصادي، مشيرًا إلى أن سبب التحسن الحاصل الآن هو أننا أمام حالة “اختزان كتوم”، وهي مرحلة قد تسهل المكاسب الاقتصادية في تجاوزها أو تقليل آثارها في المستقبل القريب أو البعيد.
ويرى النمر أن عدم تعليق النظام الرسمي في مصر على تصريحات الشرع الحميمية الأخيرة ربما يمثل أحد صور هذا الاختزان، إذ ترك للإعلام والتواصل الاجتماعي الاحتفاء بتصريحات كهذه، مع الإشارة إلى أن النظام المصري فعل نفس الأمر أيضًا مع تصريحات الشرع في الرياض قبل مدة، والتي اعتبرها البعض تقلل من مصر وتأثيرها.
خطوات عملية يجب اتخاذها
تحدث الكاتب والمحلل السياسي المصري عن مجموعة خطوات يجب اتخاذها، تتمثل بـ:
• تجاوز إرث الماضي القريب والبعيد من ضباب أزمات الاختلافات السياسية.
• تحسين لغة الخطاب السياسي وترطيب الأجواء إعلاميًا في كلا البلدين.
• الصراحة في استهداف الجوانب الاقتصادية والاستثمارية كعوامل تقارب وجني المصالح للطرفين.
• عدم تحميل العلاقة البينية أي إشكاليات إقليمية أو صراع محاور، والاستفادة من حالة الاجتماع الإقليمي التي طرأت على المشهد وتتقارب فيه السعودية وتركيا ومصر والتحول من فرقاء متشاكسين إلى فرص واعدة للتقارب والتحالف.
• الخطاب العاطفي الترحيبي الذي يخاطب الشعب والسلطة في آن واحد للشرع الذي ذكّر بموقف الشعب المصري من السوريين إبان الأزمة، وفي الوقت نفسه حديث عن أثر أسرته الناصرية من تربيته ونظرته للرئيس جمال عبد الناصر وهو خطاب “ذكي ومجمّع”.
Related
المصدر: عنب بلدي
