اخر الاخبار

من التفاوض إلى التصعيد.. خيارات المواجهة بين واشنطن وطهران

تأرجحت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين إطلاق التهديدات واقتراح التفاوض مع إيران، وقوبل اقتراحه بإجراء محادثات مباشرة بالرفض حتى الآن في طهران من قبل نظام يُبدي شكوكاً عميقة تجاه إدارة الرئيس الجمهوري، بعد انسحابها من الاتفاق النووي لعام 2015 خلال ولاية ترمب الأولى.

وفي ضوء خطر المواجهة العسكرية؛ بسبب البرنامج النووي الإيراني والذي لا يبعد، وفقاً لبعض المحللين، سوى أسابيع عن إنتاج سلاح قابل للاستخدام  طلبت مجلة “فورين بوليسي” من 3 خبراء تقييم مدى تأثير ضربة من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل أو كليهما معاً على السياسة الإيرانية، والتوقعات الاستراتيجية لدول منطقة الخليج، والديناميكيات الإقليمية على نطاق أوسع.

ووفقاً للمحللين الـ3 قد يكون لضربة عسكرية من الولايات المتحدة وإسرائيل على المنشآت النووية الإيرانية تداعيات إقليمية وعالمية عميقة.

ويرى ساشا بولاكو-سورانسكي نائب رئيس تحرير مجلة “فورين بوليسي”، أن هناك سيناريوهات عمل عسكري مختلفة ضد برنامج إيران النووي، مثل الضربات الجوية المنسقة الأميركية والإسرائيلية التي تستهدف البنية التحتية النووية والعسكرية والقيادية الإيرانية – بما في ذلك المواقع تحت الأرض – وهي الخيار الأكثر احتمالاً لعرقلة قدرة إيران على صنع قنبلة نووية إذا اختارت القيام بذلك.

ووفقاً لسورانسكي يجادل المدافعون عن هذا النوع من العمليات بأنه قد يُؤخر طموحات إيران النووية بشكل كبير على أقل تقدير، وقد يؤدي إلى استسلامها وتراجعها عن برنامجها النووي. ويؤكد المعارضون أن الضربة قد تُحفز القيادة الإيرانية على السعي لامتلاك سلاح نووي، وهو ما يفوق بكثير أي فوائد مؤقتة قد تُحققها الضربة العسكرية.

لكن بغض النظر عن النكسة التي قد تُسببها مثل هذه الضربة، من المهم مراعاة التكلفة الباهظة لمنع إيران من التسلح على المدى البعيد. سيتطلب ذلك التزاماً عسكرياً طويل الأمد قد يتصاعد إلى صراع إقليمي، ويدفع طهران نحو التسلح، ويثير في نهاية المطاف مخاوف جدية بشأن جدوى الاستدامة وتوافقها في إطار أولويات الأمن القومي الأميركي الإقليمية والعالمية، بحسب نائب رئيس تحرير “فورين بوليسي”.

أثر الضربات المحتملة على طموحات إيران

وقال سورانسكي إنه من المرجح أن تتصاعد الغارات الأميركية والإسرائيلية المنسقة التي تستهدف البنية التحتية النووية والعسكرية والقيادية الإيرانية، بما في ذلك المواقع تحت الأرض، إلى صراع أوسع نطاقاً، نظراً لاحتمالية شن ضربات انتقامية أكبر.

وأشار إلى أن هذا الخيار، على عكس العمليات الإسرائيلية الأحادية الجانب، قد يُلحق ضرراً كبيراً بقدرات إيران النووية والدفاعية الجوية، وسط ترجيحات أن يُعيق قدرة إيران على صنع قنبلة نووية بشكل أكبر، ولكن ليس بشكل دائم.

بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يدفع هجوم جوي واسع النطاق قيادة إيران إلى تسريع طموحاتها النووية سراً، ما يزيد من خطر حدوث اختراق نووي غير قابل للكشف. وقد يستنتج القادة الإيرانيون أن التحول إلى دولة مسلحة نووياً، هو الضمانة الوحيدة القابلة للتطبيق على المدى الطويل ضد الهجمات المستقبلية، وفقاً لسورانسكي.

وبحسب نائب رئيس تحرير “فورين بوليسي” فإنه “ليس من الواضح ما إذا كانت دول الخليج ستدعم العملية أم ستبقى على الحياد، بل وستمنع حتى الوصول الجوي. مع ذلك، وبينما كان انخراطها عاملاً رئيسياً في نجاح مثل هذه العملية العسكرية في الماضي، فإن التغيرات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة، وخاصة في سوريا، جعلت شنّ حملة عسكرية هجومية أولية من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل ممكناً حتى دون منح دول الخليج حق الوصول الجوي. وسواءٌ أكان هناك دعم إقليمي أم لا للعملية، فإن الولايات المتحدة تُخاطر بإحداث تغييرات في ديناميكيات أمنها الإقليمي”.

ومع أن شنّ هجوم جوي شامل ضد البرنامج النووي الإيراني ممكن من الناحية التكتيكية، إلا أنه قد يُقوّض أولويات الأمن القومي الأميركي على المدى الطويل وفقاً لسورانسكي، الذي رأى أن هذا الهجوم المحتمل سيتطلب تمركزاً عسكرياً مستداماً، وعمليات عسكرية مستمرة، والتزاماتٍ بالموارد، وأن من شأن هذا الانخراط المستمر أن يُقلل من أهمية الأولويات الأميركية الأخرى، وخاصةً التركيز الاستراتيجي على مواجهة صعود الصين ونفوذها. 

وتابع سورانسكي: “من شأن تحويل الأصول العسكرية والاستخباراتية إلى الشرق الأوسط أن يُرهق قدرات الولايات المتحدة في أماكن أخرى، ما يُضعف قوة الردع ضد خصوم عالميين آخرين”.

هل تعزز الضربة المحتملة العلاقات السعودية- الإيرانية؟

ورأى عزيز الغشيان وهو باحث في مشروع الطائفية والوكلاء وإزالة الطائفية بمعهد “ريتشاردسون” بجامعة لانكستر، وزميل مشارك في مركز “الأبحاث التطبيقية بالشراكة مع المشرق”، أن منطقة الشرق الأوسط لم تشهد مثل هذا التقلب منذ فترة، مشيراً إلى أنه في الوقت الذي يفاقم فيه الرئيس الأميركي التوترات بالمنطقة “يُدرك السعوديون أن الأمن الإقليمي هشٌّ ومرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بأمن البلاد. وأنه مع فقدان إيران لنفوذها في سوريا وهزيمة حزب الله في لبنان، تقلصت قوة إيران الإقليمية بالتأكيد. ومع ذلك، تُدرك النخبة السعودية الحاكمة أنه على الرغم من أن إيران قد تبدو ضعيفة، إلا أنها ليست ضعيفة بالتأكيد”.

وأضاف الغشيان: “تُدرك السعودية أن إيران قادرة على إعادة تأكيد وجودها من خلال ركائزها الثلاثة للردع، تسريع البرنامج النووي، وتطوير برنامج الصواريخ، واستخدام الجماعات المتحالفة معها، وخاصة الحوثيين. وفي حين أن هذه التهديدات تُثير قلق الرياض، إلا أن مفهوم (الدفاع الأمامي) ربما يكون القضية الأكثر إشكالية التي يجب التعامل معها – وهي معضلة يدرك السعوديون ضرورة التعامل معها بشكل استباقي وعملي ودقيق”.

واعتبر الباحث السعودي أنه مع تجدد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، واستمرار الضربات الأميركية على الحوثيين، تشعر المنطقة بالقلق من احتمال استفزاز إيران، لافتاً إلى أنه  “إذا حدث هذا، فإن الرياض واثقة من قدرتها على الصمود في وجه العاصفة. لقد منحت كل من الحرب الإسرائيلية على غزة والتبادلات العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران في عام 2024 السعودية الثقة في استراتيجيتها المتمثلة في البقاء على تواصل دائم مع إيران. ونتيجة للحرب الإسرائيلية على غزة، أصبح هناك بالفعل مخطط لإدارة الوضع”.

كيف تتجنب السعودية التصعيد؟ 

وبحسب الغشيان ستتجنب السعودية بـ3 طرق الوقوع في مرمى النيران المتبادلة، أولها أنه وفي حال وقوع هجوم على إيران، ستبادر الرياض بإدانة أي ضربة، وستدعو إلى احترام السيادة الإيرانية، وقد فعلت ذلك باستمرار طوال الحرب بين إسرائيل وحركة “حماس”، “ولكنها على الأرجح لن تدعو إلى حق الدفاع عن النفس، إذ قد يُنظر إلى ذلك على أنه انحياز مُفرط لإيران وتشجيع على المزيد من الأعمال الانتقامية من جانب طهران”.

وأضاف الباحث السعودي: “ثانياً، ستدين السعودية الحكومة الإسرائيلية، فنظراً للحرب والتصريحات الاستفزازية لكل من ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن المشاعر المعادية لإسرائيل في البلاد أعلى من أي وقت مضى، إذ قد تُشجع تصريحات نتنياهو وأفعاله على مزيد من التوافق والتعاون السعودي الإيراني، ما يجنب الرياض أي رد فعل إيراني”.

كما لخص الباحث المسار الدبلوماسي الثالث قائلاً إن السعودية: “لن تكتفي بعرض دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، بل ستواصل دورها لتحرص على القيام بدور الوسيط الدولي، كما في المحادثات الأميركية- الروسية الجارية في الرياض”.

وقال: “ومن المفارقات إذن، أن هجوماً إسرائيلياً آخر على إيران من المرجح أن يعزز التقارب السعودي الإيراني أكثر”.

وتتجه العلاقة السعودية- الإيرانية نحو التحول من حالة اضطراب وعداء إلى حالة أكثر هدوءاً وتعاوناً حذراً، لكنها لم تصل إلى هذه المرحلة بعد، وحالياً، يدور التقارب حول ترسيخ فكرة أن الدولتين لا تُشكلان تهديداً وجودياً لبعضهما البعض، وقد مكّنت الدبلوماسية الاستباقية السعودية في السنوات الأخيرة البلاد ليس فقط من إدارة التهديدات، بل أيضاً من توجيه التطورات الإقليمية بدقة نحو فرص دبلوماسية جديدة، بحسب الغشيان.

تهديد خارجي يُشعل أزمات إيران الداخلية

من جانبه يرى الصحافي الإيراني ومحلل شؤون الشرق الأوسط سعيد جعفري، أن أي ضربة محتملة للمنشآت النووية الإيرانية من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل، ستكون لها آثار بعيدة المدى، لا سيما على السياسة الداخلية للبلاد.

وقال جعفري إن “الاستياء العام من النظام الإيراني شهد تزايداً حاداً في السنوات الأخيرة، ويُقال إنه وصل إلى أعلى مستوياته منذ ثورة 1979، ولذلك، ترى بعض جماعات المعارضة الإيرانية الآن في التدخل العسكري الأجنبي فرصةً مُحتملة لإحداث التغيير”. 

ولكن بناءً على التجارب السابقة، يبدو مستبعداً أن يُساعد مثل هذا الهجوم معارضي النظام على الاقتراب من أهدافهم بحسب الصحافي والمحلل الإيراني الذي يرى أن الحكومة الإيرانية تميل إلى “تعزيز القمع السياسي في أوقات الحرب وتزايد التهديدات الخارجية، كما كان الحال خلال الحرب الإيرانية- العراقية التي دامت لـ8 سنوات بين العامين 1980 و1988”.

وتابع جعفري أنه “بدلاً من تقويض الإدارة الإيرانية من المُرجح أن يؤدي مثل هذا الهجوم المحتمل إلى قمع أشد للمعارضة، ما يُقيد الحريات السياسية والاجتماعية أكثر، إذ سيستغل النظام الوضع الحالي لتصوير أي معارضة على أنها متحالفة مع خصوم أجانب، بينما يحشد في الوقت نفسه مؤيديه والفصائل المعتدلة في المجتمع حول سردية التهديد الخارجي وضرورة الدفاع عن السيادة الوطنية”.

والجانب الثاني الذي يجب مراعاته بحسب الصحافي والمحلل الإيراني هو كيف سيؤثر الهجوم على مستقبل البرنامج النووي الإيراني، فعلى المستوى التكنولوجي، من غير الواضح ما إذا كان الهجوم العسكري سيمنع طهران حقاً من تجاوز عتبة الأسلحة النووية، إذ أن البنى التحتية النووية الإيرانية أكثر تطوراً وشمولاً بكثير من مفاعل دير الزور السوري، الذي ضربته إسرائيل عام 2007 في عملية أطلقت عليها اسم “البستان”، أو مفاعل “أوزيراك” العراقي، الذي دمرته إسرائيل عام 1981، بحسب جعفري.

وأشار جعفري إلى أن بعض المواقع المهمة، مثل محطة “فوردو” للتخصيب، تقع تحت الأرض بعمق، ويصعب هدمها دون أسلحة متخصصة للغاية لاختراق المخابئ، لافتاً إلى أنه حتى لو نجح الهجوم في تدمير المنشآت النووية الإيرانية، فلن يقضي على المعرفة العلمية الإيرانية، رغم أنه سيكون مكلفاً مالياً ولوجستياً، لكن العلماء الإيرانيين يمكنهم في النهاية إعادة بناء البرنامج.

وأضاف: “ومع ذلك قد تكون التداعيات السياسية أكثر أهمية بكثير، إذ قد يُغيّر الهجوم العسكري المحتمل ادعاءات القادة الإيرانيين العلنية المتكررة بأنهم لا يسعون إلى امتلاك أسلحة نووية. فإذا تعرضت إيران لهجوم، فقد يستنتج المسؤولون الإيرانيون أن تطوير سلاح نووي هو السبيل الوحيد لضمان أمن البلاد وردع التهديدات المستقبلية. قد يزيد هذا الهجوم من عزم إيران على تحقيق أهدافها النووية في أسرع وقت ممكن، بدلاً من وضع حدّ لها”.

واعتبر جعفري أن التأثير الإقليمي لأي ضربة محتملة قد يكون وخيماً أيضاً، بعد أن حذّرت إيران مراراً وتكراراً من أن أي ضربة عسكرية ضدها ستحوّل المصالح الأميركية في المنطقة إلى أهداف مشروعة للرد.

وزاد: “يستشهد بعض مؤيدي العمل العسكري ضد إيران باغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، على يد الولايات المتحدة في يناير 2020، لإثبات أن طهران لا تُنفّذ دائماً تهديداتها بالرد”، مضيفاً أنه ومع ذلك “من الضروري التمييز بين شخص مثل سليماني ومبادرة استمرت عقوداً، ضخّ فيها النظام الإيراني موارد هائلة. بالنظر إلى هذا الاستثمار طويل الأمد، من المرجح ألا تتراجع طهران ببساطة إذا تعرضت مواقعها النووية للهجوم، لا سيما وأن عناصر أخرى من استراتيجيتها الرادعة – مثل جماعات وكلائها في المنطقة – قد ضعفت بالفعل.. وإذا حدث ذلك، فقد تصبح بيئة الشرق الأوسط غير المستقرة أصلاً خارجة عن السيطرة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *