أثارت العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا صدمةً تجاوزت حدود أميركا اللاتينية، لتدق ناقوس القلق في العواصم الأوروبية، حيث أعادت تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترمب طرح تساؤلات غير مسبوقة حول مدى استعداد واشنطن للذهاب بعيداً في تحقيق طموحاتها الاستراتيجية، وصولاً إلى جزيرة جرينلاند الدنماركية.
وقالت شبكة NBC News، إن المسافة بين كوبنهاجن وكراكاس تبلغ نحو 5200 ميل، غير أن دوي المروحيات الأميركية التي نفذت عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كراكاس بدا وكأنه يتردد صداه في العاصمة الدنماركية.
وأشارت الشبكة في تقريرها إلى أن أوروبا كانت تتعامل مع تهديدات الرئيس الأميركي المتكررة بضم جرينلاند على نحو غير جاد، معتبرة إياها “مجرد كلام غريب”، من غير المرجح أن يتحول إلى غزو فعلي من قبل الولايات المتحدة لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
لكن تحركات ترمب وقدرته على القبض على مادورو، وتلميحه إلى أن جرينلاند ومواردها الطبيعية الضخمة قد تكون الهدف التالي، أثار مخاوف حقيقية في أوروبا من أن طموح الرئيس الأميركي في القطب الشمالي قد يكون أكثر جدية مما كان يُعتقد.
وذكرت NBC News أن هذه التطورات أدت إلى إطلاق أقوى موجة احتجاج حتى الآن ضد المواقف العدائية لواشنطن، بما في ذلك من حلفاء الولايات المتحدة القدامى في أوروبا.
رد فعل دنماركي غاضب
وقال رئيس وزراء جرينلاند ينس فريدريك نيلسن عبر منصة “فيسبوك”، الأحد “كفى ضغوطاً، وكفى تلميحات، وكفى أوهاماً بشأن الضم”.
وأضاف: “عندما يتحدث رئيس الولايات المتحدة ويقول نحن بحاجة إلى جرينلاند ويربطنا بفنزويلا والتدخل العسكري، فهذا ليس خطأ فحسب، بل هو قلة احترام بالغة، بلدنا ليس موضوعاً لخطابات القوى العظمى، ونحن شعب، وأرض، وديمقراطية، ويجب احترام ذلك، خصوصاً من قبل الأصدقاء المقربين والمخلصين”.
أما رئيسة وزراء الدنمارك فأكدت موقف بلادها بشكل أكثر صراحة، قائلة لهيئة الإذاعة العامة الدنماركية: “إذا هاجمت الولايات المتحدة دولة عضو في الناتو فسينتهي كل شيء”.
وأردفت: “لقد أوضحت موقف مملكة الدنمارك جلياً، وجرينلاند أكدت مراراً أنها لا ترغب في أن تكون جزءاً من الولايات المتحدة. للأسف، أعتقد أنه يجب أخذ حديث الرئيس الأميركي بشأن رغبته في جرينلاند على محمل الجد”.
وكان ترمب وفريقه قد صرحوا على مدى أشهر برغبتهم في السيطرة على الجزيرة الدنماركية شبه المستقلة، مشيرين إلى أهميتها الاستراتيجية وثرواتها المعدنية، والحاجة إليها دفاعياً.
وبعد القبض على مادورو، شدد الرئيس الأميركي على هذه الفكرة، قائلاً للصحافيين على متن طائرة الرئاسة: “نحن بحاجة إلى جرينلاند من منظور الأمن القومي، والدنمارك لن تكون قادرة على القيام بذلك، أؤكد لكم ذلك”.
وسخر ترمب من جهود السكان المحليين للدفاع عن الجزيرة قليلة السكان، قائلاً إنهم “أرسلوا زلاجة تجرها الكلاب”، والتي لن تقوى على مواجهة “السفن الروسية والصينية” التي ادّعى أنها “منتشرة” حول الجزيرة.
وزاد من حدة القلق قيام كاتي ميلر، زوجة مستشار ترمب ستيفن ميلر، بنشر صورة لجرينلاند مغطاة بالعلم الأميركي مرفقة بتعليق: “قريباً”.
ورغم أن ترمب فاجأ العالم بإرسال طائرات وقوات للقبض على مادورو في كاراكاس، فإن التدخل في جرينلاند قد ينطوي على مخاطر تصعيد أكبر، بحسب الشبكة.
وتتيح عضوية الدنمارك في “الناتو” حماية ضمنية بموجب المادة الخامسة، التي تنص على أن أي هجوم على أحد الحلفاء يُعتبر هجوماً على الجميع.
ومع ذلك، تُعد الولايات المتحدة أكبر مساهم في الحلف، وقد اعتُبرت تاريخياً القوة الضامنة لتطبيق التزامات الدفاع المتبادل داخل الحلف.
موقف أوروبا من مستقبل جرينلاند
وأشارت ألمانيا، الاثنين، إلى أن الحلفاء الأوروبيين مستعدون للتدخل. وقال وزير الخارجية يوهان فاديفول للصحافيين في ليتوانيا: “نظراً لأن الدنمارك عضو في الناتو، فإن جرينلاند ستخضع، من حيث المبدأ، للدفاع عن أراضي الناتو أيضاً. وإذا ظهرت متطلبات لتعزيز جهود الدفاع المتعلقة بالجزيرة، فعلينا مناقشتها في إطار الحلف”.
وذكرت الشبكة أن القادة الأوروبيين يترددون في انتقاد ترمب، نظراً لاعتمادهم عليه في جزء كبير من دفاعهم العسكري، بالإضافة إلى تهديده المستمر بفرض المزيد من التعريفات الجمركية.
لكن العديد منهم سارعوا إلى التأكيد على أن مستقبل جرينلاند “ليس من شأن الآخرين أن يقرروه”، بحسب ما قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فيما أعربت فرنسا عن “تضامنها مع الدنمارك”.
من جانبه، حذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من أن “أوروبا الضعيفة والمنقسمة لن يأخذها أحد على محمل الجد: لا العدو ولا الحليف”.
“خطر أمني”
وهدد ترمب جرينلاند مراراً خلال العام الماضي، كما عيّن في ديسمبر حاكم ولاية لويزيانا جيف لاندري كمبعوث خاص للجزيرة، فيما صنّفت الاستخبارات العسكرية الدنماركية الولايات المتحدة لأول مرة كـ”خطر أمني”.
لكن قيام ترمب بالقبض على مادورو جعل الحكومات الأوروبية تدرك مدى جدية الأمر. وقال الأستاذ في الكلية الملكية الدنماركية للدفاع بيتر فيجو جاكوبسن: “لقد جعلهم يدركون أن الأمر ليس مستحيلاً تماماً، لكني ما زلت أعتقد أنه مستبعد للغاية”، واصفاً الفكرة بأنها “عبثية”.
ومضى قائلاً: “هناك فرق شاسع بين تنفيذ عملية للقوات الخاصة ضد دولة مثل فنزويلا، التي تُعتبر منبوذة وتعاني من مشكلات داخلية، وبين القيام بنفس الشيء في دولة عضو في الناتو ومتحالفة مع الولايات المتحدة”.
