يمضي الكاتب عبد الباسط سيدا في كتابه “موضوعات كردية سورية”، نحو مقاربة تجمع بين تتبع المسار التاريخي للقضية الكردية في سوريا وتحليل موقعها داخل المشهد الوطني المتقلب منذ مطلع الألفية.

ويعيد الكاتب تقديم أوراق بحثية تمتد بين عامي 2003 و2019، بوصفها مادة توثيقية تكشف آليات التهميش التي تعرض لها الكرد لعقود، وتحاول في الوقت نفسه اقتراح مدخل وطني لمعالجة أزمة تتجاوز حدود الجغرافيا السورية.

ينطلق الكتاب، الصادر عام 2020، من أن أي حل للقضية الكردية لا يمكن فصله عن مشروع وطني تشاركي، يتأسس على الاعتراف بالحقوق والخصوصيات، ورفض المشاريع العابرة للحدود ذات الطابع الأيديولوجي أو المتطرف.

يعرض سيدا العلاقة بين المثقفين العرب والكرد بوصفها مؤشرًا دالًا على طبيعة التفاعلات الأوسع بين المكونات السورية، معتبرًا أن مواقف الصمت أو إعادة إنتاج خطاب السلطة أو تضامن العدالة والإنصاف، رسمت ثلاثية الخطاب العربي تجاه المسألة الكردية.

وفي رصده لواقع الاضطهاد الذي عاشه الكرد، يقدم سيدا صورة متراكمة عن سياسات التعريب والإقصاء والسيطرة على الأراضي والتضييق الاقتصادي، مشددًا على أن القضية الكردية تشكلت ضمن بيئة إقليمية معقدة لم تهدأ منذ الحرب العالمية الأولى.

ويرى الكاتب أن السوريين محكومون بالتعايش، وأن التنوع القومي عنصر قوة لا ضعف، وأن الحوار العربي- الكردي ضرورة لتأسيس مشروع وطني ديمقراطي يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.

ويستعيد وقائع مشاركة الكرد في الثورة السورية منذ 2011، مؤكدًا أن مطالبهم لم تتجه نحو الانفصال، بل نحو ضمانات دستورية تحصن الحقوق وتبني الثقة في دولة تتسع لجميع مكوناتها.

ويذهب سيدا إلى أن حل المسألة الكردية في سوريا وتركيا على أساس وطني ديمقراطي واحد، يمكن أن يحول المناطق الكردية إلى مساحة تعاون اقتصادي وتنموي، ما يسهم في تقليص فرص التطرف ويفتح أبواب الاندماج الإقليمي.

وفي قراءته لعلاقة الكرد بفصائل المعارضة، يذكّر سيدا بالاضطهاد المزدوج الذي تعرضوا له، ويستعرض تباينات مواقفهم من الثورة ومشاربهم السياسية المتعددة.

ويتوقف الكاتب مطولًا عند الوجود الكردي في سوريا تاريخيًا، رابطًا تحولاتهم بالمسار الدولي والإقليمي الذي رسم حدود المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى.

كما يعيد تناول مسار “المجلس الوطني الكردي” وأزمة دوره، مقابل مستقبل حزب “الاتحاد الديمقراطي” وخياراته بين أن يكون حزبًا سوريًا منفتحًا على التعددية أو أن يبقى ملتزمًا بأيديولوجيا مرتبطة بحزب “العمال الكردستاني”، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار السوري والإقليمي.

وفي بحثه عن مقاربة جديدة للحل، يطرح سيدا ضرورة تجاوز المنظومات القومية والمذهبية المتشددة لمصلحة منظومة وطنية تزيل المخاوف وتبني الثقة وتعيد تشكيل النسيج الاجتماعي السوري.

ويختم الكاتب بالتأكيد على أن غياب استراتيجية كردية سورية واضحة وموحدة، يبقى أحد أبرز العوائق أمام صياغة رؤية مستقبلية، في ظل انشغال القوى الكردية بخلافات داخلية تشتت الجهود وتحجب القدرة على استثمار اللحظة السياسية.

من المؤلف

عبد الباسط سيدا باحث وسياسي سوري ورئيس “المجلس الوطني السوري” منذ 9 من حزيران حتى 9 من تشرين الثاني 2012، من مواليد عامودا في عام 1956، حائز على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة “دمشق” عام 1991.

تابع دراساته في الآشوريات واللغات السامية في السويد، وشارك في مؤتمرات علمية في ميدان الاختصاص، وكذلك في ندوات ولقاءات حول الموضوعين السوري والكردي.

له عدد من الكتب والأبحاث المنشورة، منها “الوضعية المنطقية والتراث العربي- نموذج فكر زكي”، “ذهنية التغييب والتزييف”، “بلاد الرافدين: أرض الأسطورة والحضارة”.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.