كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” في تحقيق موسع أن حرب السودان الأهلية تحولت إلى ساحة صراع إقليمي ودولي تُستخدم فيها أحدث تقنيات الطائرات المسيّرة، مشيرة إلى وجود قاعدة جوية سرية في مصر تُستخدم لإطلاق هجمات داخل الأراضي السودانية ضد قوات الدعم السريع.
التحقيق، الذي استند إلى صور أقمار صناعية وسجلات طيران ومقاطع فيديو ومقابلات مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب، أكد أن طائرات مسيّرة عسكرية متقدمة تعمل منذ ما لا يقل عن ستة أشهر من مدرج يقع داخل مشروع زراعي ضخم في منطقة “شرق العوينات” جنوب مصر، على بعد نحو 40 ميلاً فقط من الحدود السودانية.
ووفقاً للتقرير، فإن الطائرات المسيّرة المنطلقة من القاعدة المصرية تستهدف مواقع وقوافل تابعة لقوات الدعم السريع، التي تخوض حرباً شرسة ضد الجيش السوداني منذ أكثر من ألف يوم، في نزاع تسبب بمقتل عشرات الآلاف ونزوح ما يقارب 12 مليون شخص.
مصر تدخل الحرب عملياً
ويشير التحقيق إلى أن مصر، التي ظلت لوقت طويل لاعباً دبلوماسياً في الملف السوداني، باتت الآن منخرطة بشكل مباشر في الصراع إلى جانب الجيش السوداني، عبر استضافة وتشغيل طائرات مسيّرة تركية متطورة من طراز “أكينجي”، تُعد من بين الأكثر تقدماً في العالم.
ونقلت الصحيفة عن أربعة مسؤولين أمريكيين ومسؤول شرق أوسطي أن الهدف من تمركز هذه الطائرات داخل الأراضي المصرية هو توفير الحماية لها، دون أن يتضح ما إذا كانت تُشغَّل من قبل أطقم مصرية أم سودانية.
التكنولوجيا تغيّر طبيعة الحرب
التحقيق يوضح أن الطائرات المسيّرة باتت أداة الحسم الرئيسية في السودان، حيث تُستخدم لاستهداف قوافل الإمداد والمقاتلين، لكنها في الوقت نفسه تضرب منشآت مدنية حساسة مثل المساجد والمستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه.
ووفق الخبراء الذين تحدثوا للصحيفة، فإن سباق التسلح بالطائرات المسيّرة أدى إلى “مزيد من الفوضى والدمار”، وأشارت الصحيفة إلى استخدام قوات الدعم السريع لطائرات صينية بعيدة المدى من طراز CH95، مقابل اعتماد الجيش السوداني على مسيّرات تركية متطورة.
سقوط الفاشر… نقطة التحول
ويؤكد التحقيق أن نقطة التحول الرئيسية التي دفعت القاهرة إلى الانخراط العسكري المباشر كانت سقوط مدينة الفاشر في إقليم دارفور أواخر أكتوبر الماضي بعد حصار دام 18 شهراً.
فمع تقدم قوات الدعم السريع نحو مناطق جديدة في كردفان وتهديدها بالسيطرة على أجزاء أوسع من البلاد، اعتبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن “خطاً أحمر” قد تم تجاوزه، خاصة في ظل تدفق نحو 1.5 مليون لاجئ سوداني إلى مصر.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت الضربات الجوية المنطلقة من القاعدة المصرية، حيث وثّقت الصحيفة عدة هجمات استهدفت قوافل الدعم السريع.
قاعدة زراعية تتحول إلى مركز عسكري
القاعدة التي تنطلق منها العمليات تقع داخل مشروع “شرق العوينات” الزراعي الضخم، الذي أُنشئ قبل عقود لاستصلاح الصحراء ويُعد ثاني أكبر منتج للقمح في مصر.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن المطار المدني الوحيد في المنطقة بدأ بالتوسع منذ عام 2018، ليضم بحلول 2024 مدرجاً ثانياً ونحو 17 حظيرة طائرات ومنشآت ذات طابع عسكري، إضافة إلى أنظمة اتصالات فضائية ومراكز تحكم أرضية.
تهديدات من الدعم السريع
وفي إشارة إلى إدراكها للدور المصري، أصدرت قوات الدعم السريع تهديدات مبطنة، محذّرة من أنها سترد على أي هجمات تُشن من “قواعد أجنبية”.
وقال قائدها محمد حمدان دقلو في خطاب سابق: “أي طائرة مسيّرة تقلع من أي مطار هي هدف مشروع لنا”.
ومع استمرار الحرب دون أفق للحسم، يؤكد التقرير أن استخدام الطائرات المسيّرة لم يؤدِّ إلى تقليص العنف، بل أسهم في إطالة أمد الصراع وزيادة كلفته الإنسانية.
فشل الضغوط الدولية
ورغم العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على طرفي النزاع، واتهام الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية وقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم إبادة، لم تنجح الجهود الدولية في وقف تدفق السلاح أو الحد من وتيرة المعارك.
ويخلص تحقيق “نيويورك تايمز” إلى أن السودان بات نموذجاً جديداً للحروب الحديثة، حيث تُدار المعارك عن بُعد بواسطة الطائرات المسيّرة، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر لصراع إقليمي ودولي معقّد تتشابك فيه المصالح والتحالفات.
المصدر: وكالة ستيب الاخبارية
