تواجه زعيمة المعارضة في فنزويلا ماريا كورينا ماتشادو، الغائبة عن الأنظار في الخارج، خيارات صعبة بعد اعتقال الولايات المتحدة للرئيس نيكولاس مادورو لمحاكمته، أبرزها، متى تعود إلى وطنها؟ وهل تدعو أنصارها إلى المطالبة بتغيير جذري للنظام؟

ومنذ العملية العسكرية التي شنتنها الولايات المتحدة، السبت، التزمت زعيمة المعارضة الصمت الإعلامي، وفي مقابلة مقتضبة مع قناة “فوكس نيوز” مساء الاثنين، قالت إنها “لم تتحدث مع الرئيس دونالد ترمب منذ أكتوبر، لكنها شكرته على رؤيته الشجاعة وخطواته التاريخية”، متعهدة بالعودة إلى فنزويلا “في أقرب وقت ممكن”، وفقاً لصحيفة “فاينانشيال تايمز”.

وشهدت ماتشادو تقلبات حادة خلال الشهر الماضي، إذ انتقلت من نشوة حصولها على جائزة “نوبل” للسلام في أوسلو خلال ديسمبر الماضي، إلى تعرضها لإهانة علنية من الرئيس الأميركي في مؤتمر صحافي، حيث صرّح بأنها “تفتقر إلى الدعم والاحترام اللازمين في فنزويلا لتولي منصب الرئاسة”.

وأُصيب العديد من أنصار ماتشادو بخيبة أمل كبيرة إزاء تجاهل ترمب لها، واستعداده الظاهر للعمل، ولو مؤقتاً، مع نائبة مادورو، ديلسي رودريجيز، التي تشغل الآن منصب الرئيسة المؤقتة لفنزويلا.

لكن إن كانت ماتشادو قلقة من هذه التطورات، فإنها لم تُظهر ذلك، إذ نشرت رسالة على منصة “إكس”، تشكر فيها ترمب على حزمه وعزمه في تطبيق القانون، قائلةً إن “حرية فنزويلا باتت قريبة جداً”، لكنها تجنبت ذكر مستقبلها.

ماتشادو “ليست يائسة”

يؤكد حلفاء السياسية التي يُطلق عليها البعض لقب “المرأة الحديدية”، أنها ليست يائسة، وأنها تحافظ على علاقاتها التي بنتها على مدى فترة طويلة مع إدارة ترمب وتنتظر الوقت المناسب للعودة إلى فنزويلا والمطالبة بالسلطة التي تعتقد أنها من حقها.

وقال أحد المقربين منها: “لقد واجهت عقبات كهذه طوال مسيرتها السياسية. لكنها كلما واجهت عقبة، تجاوزتها بإيجاد حلول بديلة. وقد فعلت ذلك 15 مرة”.

وحققت ماتشادو، فوزاً ساحقاً في الانتخابات التمهيدية للمعارضة عام 2023، لكن مادورو منعها من الترشح للانتخابات الرئاسية في العام التالي.

ورشّحت ماتشادو الدبلوماسي المتقاعد إدموندو جونزاليس ليكون خليفةً لها، غير أن فوزه الكاسح في الانتخابات، كما أظهرت نتائج مراكز الاقتراع، قوبل بتجاهل من مادورو، الذي ادّعى الفوز بالرئاسة من دون أن يقدّم أي دليل، وفق “فاينانشيال تايمز”.

وأشارت الصحيفة إلى أن بعض المستثمرين الأميركيين النافذين في قطاعيْ الديون والنفط الفنزويلي يرغبون في استبعاد ماتشادو من أي خطة لترمب بشأن فنزويلا، إذ يرونها “متطرفة للغاية”، ويفضلون ما يعتبرونه الخيار الأكثر أماناً بالعمل مع رودريجيز لتحقيق أرباح سريعة، وقد مارسوا ضغوطاً في واشنطن من أجل هذا الخيار.

ويبدو أن آخرين في المعارضة أقل صبراً، فقد صرّح ليوبولدو لوبيز، وهو زعيم معارض آخر يعيش في المنفى بمدريد بعد فراره من فنزويلا، بأن إحدى الخطوات الأولى ستكون أن يُفرج النظام عن السجناء السياسيين، ويوقف قمع المعارضين، ويسمح بعودة المنفيين السياسيين.

وأضاف: “مادورو خارج فنزويلا ويواجه العدالة على جرائمه. لقد بدأ الانتقال بالفعل، ولن يكون بين عشية وضحاها، ولكنه بدأ بالفعل، ويجب أن يكون انتقالاً نحو الديمقراطية”.

نوايا ترمب

أما نوايا ترمب تجاه ماتشادو فهي أقل وضوحاً، إذ يقول مسؤولون أميركيون سابقون إنه شعر بخيبة أمل عندما فشل رهانه على زعيم المعارضة الفنزويلية آنذاك، خوان جوايدو، في الإطاحة بمادورو خلال ولايته الأولى، وهو متردد في المراهنة بقوة على المعارضة مرة أخرى.

ورغم إشادتها العلنية به، لم يلتقِ الرئيس الأميركي بماتشادو، ونادراً ما تحدث عنها أو أشار إلى إجراء انتخابات جديدة في فنزويلا، وبدلاً من ذلك، شدد على ضرورة فتح قطاع النفط ومكافحة تهريب المخدرات.

ويرفض فريق ماتشادو هذه التصريحات، مؤكداً أنه ما لم تكن فنزويلا مستقرة وديمقراطية وتحترم سيادة القانون، فلن تنجح في جذب رؤوس الأموال الضخمة اللازمة لإعادة بناء إنتاجها النفطي المنهار واستغلال أكبر احتياطيات النفط الخام في العالم استغلالاً كاملاً.

لكن في أعقاب اعتقال مادورو، لا يزال الوضع داخل فنزويلا بعيداً عن الاستقرار، إذ يقول دبلوماسيون ومحللون إنه “لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت رودريجيز ستتمكن من ترسيخ سلطتها والحفاظ على النظام في بلد يزداد توتراً وقلقاً”.

وتقوم عصابات من أنصار الحكومة المسلحين بتوزيع الأسلحة في الأحياء الفقيرة، في خطوة تهدف على ما يبدو إلى تعزيز دفاعات النظام ضد أي محاولة انتفاضة.

وأي خطوة تقوم بها ماتشادو للعودة إلى الوطن ستكون محفوفة بالمخاطر، إذ تم تهريبها من مخبأ سري في فنزويلا إلى أوسلو لحضور حفل توزيع جوائز السلام، في عملية سرية بدعم أميركي، تضمنت تنكرها وخوضها رحلة محفوفة بالمخاطر على متن قارب صغير. 

ومع حالة التأهب القصوى للنظام بعد القبض على مادورو، قد تكون عودتها أكثر خطورة.

شاركها.