غزوان قرنفل

يطفو هذا السؤال اليوم بإلحاح لا يمكن تجاهله، كلما أعلنت “لجنة محاربة الكسب غير المشروع” عن تسويات مالية مع رموز بارزة من منظومة الفساد في النظام السابق، وبدلًا من أن تكون هذه اللجنة بوابة للعدالة، ووسيلة لمحاسبة عادلة وشفافة، تبدو وكأنها تحولت إلى أداة لإعادة تدوير المال القذر، ومنح صكوك براءة لمن راكموا ثرواتهم فوق أنقاض وطن مدمّر، وعلى حساب دماء السوريين وجوعهم وكرامتهم.

ما يجري في هذا السياق ليس مجرد استرداد أموال منهوبة، ولا يمكن اختزاله في خطاب تقني مزعوم عن “تحصيل حقوق الدولة”، بل نحن أمام عملية أشبه ما تكون بعملية غسل أموال مكتملة الأركان، فهذه الأموال لم تُكتسب عبر مسارات اقتصادية مشروعة، ولا عبر منافسة عادلة، بل كانت ثمرة نظام فساد متكامل وامتيازات احتكارية وعقود مشبوهة، وسرقات منظمة، ونهب مباشر لمقدرات البلاد، جرى كله تحت حماية السلطة السابقة وبمباركتها، وبالقوة التي كانت تخنق أي اعتراض قبل أن يجهر به صاحبه.

لكن الأخطر من غسل المال، هو غسل الأيدي الملطخة بالدم، فحين يُتاح لرموز الفساد الذين كانوا جزءًا أصيلًا من آلة القمع أو شركاءها الاقتصاديين شراء حريتهم وتبييض صفحات سجلهم، أو الحؤول دون مساءلتهم مقابل تسوية مالية، فإن الرسالة التي ترسلها السلطة للناس واضحة وبشعة وصادمة، تقول فيها إن الجرائم قابلة للمساومة، والدم يمكن تسعيره، والعدالة ليست سوى بند تفاوضي على طاولة السلطة المتعطشة للمال.

إن هذه التسويات لا تمثل فقط انتهاكًا لمفهوم العدالة الانتقالية، بل هي إنكار صريح لها، فالعدالة لا تقوم على مبدأ “ادفع لتشتري حريتك”، ولا تُبنى على تجاهل السياق الذي أُنتجت فيه الثروة، العدالة تعني المساءلة، ومحاسبة المسؤولين وتعويض الضحايا وإنتاج قوانين وآليات عمل تضمن عدم التكرار، أما ما نشهده اليوم، فهو اختزال فجّ لكل ذلك في معادلة مالية باردة تُغلق فيها الملفات دون محاكمات ودون أي اعتبار لحقوق الضحايا أو كرامتهم.

إن حاجة السلطة إلى المال مهما كانت ضاغطة لا تبرر هذا المسار، فالدولة التي تتاجر بحقوق الضحايا وتبيع العدالة مقابل المال، إنما تشهر إفلاسها الأخلاقي قبل إفلاسها المالي، فلا يمكن تبرير بيع دماء الناس بحجة إنقاذ الخزينة العامة، ولا يمكن القبول بتحويل معاناة الملايين إلى فرصة استثمار سياسي أو مالي، فالأموال التي تأتي عبر هذا السبيل لن تشكّل دعامات صلبة لبناء دولة، بل تصبح مسارًا لاستمرار الظلم وتمكين أدواته من جديد.

إن هذا النهج الذي بدأ بـ”حمشو” وسيستمر بـ”الفوز” و”قطان” و”القاطرجي” وغيرهم، سيفتح بابًا بالغ السوء للمستقبل، فإذا كان المال قادر على غسل عار هؤلاء وتنظيف تاريخهم، وإعادتهم إلى المشهد بوصفهم “مواطنين صالحين” بعد تسوية من هذا القبيل، فما الذي يمنع  منطقيًا أن نرى يومًا ما صفقة أكبر وأكثر فظاظة ووقاحة تفاجئنا فيها السلطة بعقد تسوية مشابهة مع بشار وماهر الأسد مثلًا، فتقوم بغسل ما نهباه من مال، وتغسل يديهما من دماء السوريين مقابل بضعة مليارات من الدولارات! لأن تسليع العدالة  وجعل المال هو المعيار،  يجعل كل شيء متوقعًا وقابلًا للبيع.

لعل أخطر ما في هذه السياسات ليس فقط ظلمها للضحايا، بل أثرها العميق على وعي المجتمع، لأنها تكرّس شعورًا عامًا بأن الجريمة أكثر ربحية من الامتثال للقانون، وأن الإفلات من العقاب أسهل الممكنات طالما أنك تملك الثمن، وأن الدولة لا تختلف في جوهرها عن العصابة سوى في الشكل والخطاب، وبهذا يُقوض ما تبقى من ثقة الناس بأي مشروع سياسي أو وطني، ويُغلق الباب أمام أي مصالحة حقيقية قائمة على الحق والعدالة والإنصاف.

العدالة ليست ترفًا، ولا مطلبًا أخلاقيًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الاستقرار، بل هي شرط الاستقرار نفسه ومن دونها لن يكون ما يبنى سوى إعادة إنتاج لمنظومة الفساد ذاتها ولكن بوجوه جديدة وربما بشعارات مختلفة، أما الضحايا فسيبقون وقود هذا العبث، وسيُطلب منهم الصمت مرة أخرى باسم “الواقعية” و”المصلحة العليا للدولة”، وهنا لا يكون السؤال الحقيقي فقط: هل تقوم السلطة بغسل أموال المجرمين وتطهير أيديهم المغمّسة بدم السوريين؟ بل يصبح السؤال: إلى أي حد هي مستعدة للذهاب في هذا الطريق، وكم من الدم ستبيعه قبل أن تكتشف أن دولة بلا عدالة ليست دولة، بل مشروع سلطة مستبدة مؤجل الانفجار.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.