– رغد عثمان
تجلس طفلة بعمر الورد لم تتجاوز الـ11 عامًا، على حافة شارع في منطقة الفحامة بدمشق، تنادي بصوت خجول وملامح ذابلة، وهي تبيع البسكويت للمارة.
الطفلة سمر إبراهيم، وهي تلميذة في المرحلة الابتدائية، تروي ل معاناتها اليومية للحصول على مال لشراء ربطة خبز لعائلتها، وتضيف أنها تستغل عطلتها الصيفية لإعالة أخواتها، وأن لا وقت لديها للعب.
والدها متوفى، وأمها تركتها وأخواتها بمنزل جدها في حي “نهر عيشة” الشعبي، بعد زواجها برجل آخر، وما يأتي من الجمعيات الخيرية غير كافٍ.
سمر واحدة من أطفال كثر، أجبرتهم مرارة الحياة على العمل بدافع الحاجة لإعانة عوائلهم، لكن هناك أطفالًا يجري استغلالهم من قبل عصابات متخصصة.
بين الحاجة والعمل المنظم
هناك متسولون من أعمار مختلفة، منهم من لا يجدون عملًا أو من ذوي الإعاقة، وكذلك بينهم من يمتهن التسول ويعمل ضمن مجموعات تديرها عصابات.
سامر الحلبي، هو من سكان منطقة البرامكة، قال ل، إن من يقطن في منزل يطل على الشارع العام في منطقته، لا يحتاج إلى كثير من الشرح ليدرك حقيقة المتسولين.
في البداية، يبدو المشهد إنسانيًا، طفل صغير يمد يده ببراءة أو امرأة تدّعي الحاجة، لكن مع تكرار الموقف، تتكشف الحقيقة الصادمة، عصابات منظمة تدير هؤلاء، توزعهم عند إشارات المرور وتراقبهم من بعيد، ثم تجمع ما يجنونه آخر النهار.
ذكر سامر أنه شاهد رجلًا من شرفته، يقف عند زاوية الشارع، يراقب مجموعة من الأطفال لم يتجاوزوا العشر سنوات، كل واحد منهم يتحرك بين السيارات بذات الطريقة، وعند امتلاء جيوبه بالنقود، يهرع إلى الرجل ليسلمه “الغنيمة”.
المشهد يتكرر يوميًا حتى بات السكان يعرفون وجوههم جيدًا، ويدركون أن ما يظنه بعضهم عطفًا هو في الحقيقة وقود لاستمرار هذه التجارة السوداء، حسب قول سامر.
وتعد ظاهرة التسول في سوريا من القضايا الاجتماعية المعقدة، إذ تتراوح بين الحاجة الحقيقية لدى بعض الأفراد، وبين الامتهان والاستغلال من آخرين.
ويفرض القانون السوري عقوبات رادعة لممارسة التسول، ما يجعل معالجة هذه الظاهرة مهمة تتطلب توازنًا دقيقًا بين البعد الإنساني والالتزام القانوني.
الدوافع والأسباب
أوضحت دكتورة علم النفس التربوي يسار دروبي، ل، الأسباب النفسية للتسول، ومنها الشعور بالعجز وقلة الحيلة، أو فقدان الثقة بالقدرة على العمل والإنتاج، أو الاعتياد عليه كوسيلة سهلة للحصول على المال دون جهد، ما يرسخ لدى الفرد حالة من “الاتكالية”.
وقالت إن بعض الأفراد يشعرون بالراحة في لعب دور “الضحية” لاستدرار التعاطف، ما يجعلهم يستمرون في التسول حتى لو توفرت فرص أخرى.
بعض الأفراد يشعرون بالراحة في لعب دور “الضحية” لاستدرار التعاطف، ما يجعلهم يستمرون في التسول حتى لو توفرت فرص أخرى.
يسار دروبي
دكتورة في علم النفس التربوي
كما أن الظروف الاجتماعية مثل التفكك الأسري، وغياب الدعم الاجتماعي، والإهمال في الطفولة يجعل بعضهم أكثر عرضة للانخراط في هذه الظاهرة.
وحول الأبعاد الثقافية قالت دروبي، إن هناك بعض المعتقدات من قبل بعض الناس، مثل التسامح مع هذه الممارسة أو اعتبارها مصدر رزق مقبولًا يغذي هذا الفعل، وأن غياب التعليم يدفع بعضهم لطرق بديلة وغير صحية لكسب العيش مثل التسول، بحسب دروبي.
انعكاس سلبي
يترك التسول آثارًا عميقة سلبية تؤثر على صورة المجتمع، إذ يوحي بانتشار الفقر والعجز عن حماية الفئات الهشة (أطفال، نساء، عجائز).
وترى دروبي أن التسول يعزز مشاعر التوتر وعدم الأمان لدى الأفراد، خاصة عندما يترافق مع الإلحاح أو استغلال الأطفال، ليتحول أحيانًا إلى مدخل خطر لممارسات سلبية مثل “التحرش الجنسي”، وانتشار بعض أشكال الجريمة مثل السرقة، وتدمير النسيج الاجتماعي، نتيجة فقدان الثقة المتبادلة بين الأفراد.
دعم اجتماعي
من جهتها، ترى الاختصاصية النفسية آلاء رنكوسي، أن الاكتفاء بـ”التعاطف العشوائي” مع المتسولين، لا يؤدي إلا إلى تغذية الدائرة نفسها، مؤكدة أن المسؤولية في مواجهة الظاهرة مشتركة بين الدولة والجمعيات والأفراد.
الحملات التوعوية تلعب دورًا مهمًا في رفع الوعي، لكنها تبقى غير كافية إذا لم تقترن ببدائل ملموسة، لأن التغيير النفسي العميق يحتاج إلى استراتيجيات طويلة الأمد تقوم على إعادة التأهيل، وبناء الثقة، وزرع قيم العمل والكرامة من جديد.
آلاء رنكوسي
اختصاصية في علم النفس
وقالت إن الدولة مطالبة بتوفير بدائل حقيقية كفرص العمل والدعم النفسي والاجتماعي وحماية الأطفال، بينما على الجمعيات توفير برامج دعم اجتماعي، وفرص عمل، وتعليم مهني للفئات المهملة، وإعادة توجيه المساعدات بطريقة منظمة، في حين ينبغي للأفراد إدراك أن تقديم المال في الشارع ليس حلًا، بل قد يزيد من حالة “الاعتمادية”.
وأضافت رنكوسي أن الحملات التوعوية تلعب دورًا مهمًا في رفع الوعي، لكنها تبقى غير كافية إذا لم تقترن ببدائل ملموسة، لأن التغيير النفسي العميق يحتاج إلى استراتيجيات طويلة الأمد تقوم على إعادة التأهيل، وبناء الثقة، وزرع قيم العمل والكرامة من جديد.
وأشارت إلى أن التسول ليس مجرد مد اليد طلبًا للمال، بل “جرح نفسي واجتماعي مزدوج”، ما يستدعي معالجة شاملة تربوية ونفسية وثقافية تتجاوز البعد المادي للفقر.
الإجراءات والجهود الحالية
نفذت عدة محافظات سورية مؤخرًا خططًا وبرامج لمكافحة ظاهرة التسول، منها محافظة حلب التي أطلقت حملة للتصدي لظاهرة التسول رسميًا، في 17 و18 من آب الحالي، بإشراف لجنة من 30 عضوًا من المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني.
وقالت فتون خربوطلي، أحد أعضاء اللجنة، ل، إن الحملة تعمل على ثلاثة مسارات محورية.
المسار الأول قانوني، يشمل مراجعة التشريعات المتعلقة بالتسول، والثاني أمني، يعمل على رصد أماكن وجود المتسولين ومتابعة حالات الاستغلال، بالإضافة إلى المسار الإنساني، الذي يتمثل في تأسيس مراكز إيواء مؤقتة، وتنفيذ برامج تعليمية ومهنية، وإعادة الدمج الاجتماعي، بحسب خربوطلي.
وأضافت أنه تم إنشاء مركز إيواء في المدينة لاستقبال نحو 60 حالة تسول، مشيرة إلى إعادة تفعيل مكتب مكافحة التسول في مديرية الشؤون الاجتماعية بحلب بعد توقف دام 14 عامًا، إضافة إلى اعتماد برامج مهنية وتربوية بمشاركة كوادر متخصصة.
متابعة شبه يومية
قال رئيس مكتب مكافحة التسول والتشرد في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بحماة، نشمي الأحمد، ل، إن المكتب يقوم بجولات شبه يومية في أحياء مدينة حماة لإحصاء المتسولين، والعمل على جمع بياناتهم لإنشاء قاعدة بيانات لهذه الحالات وبدوره يقسمهم لحالتين:
- التسول بسبب الحاجة: يتم رفع أسمائهم لدائرة الخدمات الاجتماعية ليتم تقديم الاحتياج اللازم لها.
- ممتهنو التسول: يتم إنذارهم في حال تكرار الأمر بتحويلهم إلى القضاء.
معالجة إنسانية ومجتمعة
مكافحة ظاهرة التسول تشكّل أولوية في المرحلة الحالية، لا سيما بعد تزايدها بشكل ملحوظ منذ عام 2011 نتيجة الظروف المعيشية الصعبة، بحسب جميلة أبو الخير، عضو المكتب التنفيذي للشؤون الاجتماعية والعمل في حمص.
وقالت أبو الخير، ل، إن العمل الآن يتركز على تأهيل الأطفال والشباب في مراكز الإيواء، عبر تعليمهم مهنًا أو إعادتهم إلى مقاعد الدراسة، بينما تتم إحالة من يصر على امتهان التسول إلى القضاء.
أما الأيتام والأرامل فيتم دعمهم من خلال الجمعيات الخيرية التي تكفل احتياجاتهم، وتؤمّن استمرارية تعليم أبناء الأرامل، وذلك بالتعاون مع وزارتي التربية والأوقاف لنشر الوعي المجتمعي بعدم تشجيع هذه الظاهرة من خلال تقديم المال للمتسولين.
وأضافت أبو الخير أن الحملات الميدانية المشتركة مع المحافظة والجمعيات الأهلية مستمرة في مراكز تجمع المتسولين بمواعيد مختلفة، بهدف محاربة هذه الظاهرة ومعالجتها ضمن إطار إنساني واجتماعي متكامل.
وأشارت إلى أن هناك تنسيقًا مستمرًا بين مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل والمحافظة، إلى جانب التعاون مع الجمعيات الأهلية، وعلى رأسها جمعية البر والخدمات الاجتماعية التي تمتلك خبرة طويلة في هذا المجال.
ملامح خطة مستقبلية
قالت المسؤولة عن ملف التسول والأحداث في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ليليان المغوس، ل، إن أعداد المتسولين كبيرة ولا توجد إحصائية كاملة عن حجم الظاهرة حتى الآن في سوريا.
وكشفت عن أن عدد المراكز العاملة حاليًا يقتصر على مركزين في دمشق ومركز واحد في حلب، وأن الخطة الجديدة التي وضعتها الوزارة، تتضمن التوسع في عدد المراكز من خلال تعاون مع عدة جهات، إضافة إلى إعادة تأهيل المراكز الحالية لزيادة فعاليتها ورفع طاقتها الاستيعابية.
أعداد المتسولين كبيرة ولا توجد إحصائية كاملة عن حجم الظاهرة حتى الآن في سوريا.
ليليان المغوس
مسؤولة ملف التسول والأحداث في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل
وعن التحديات التي تواجهها الوزارة للحد من هذه الظاهرة، فهي تتمثل في الأطفال مكتومي القيد، وهو ملف منفصل وله مراكزه الخاصة، بحسب المغوس، مؤكدة محدودية الطاقة الاستيعابية للمراكز مقارنة بتزايد الحالات، وتسرب الأطفال من المدارس، إذ إن نسبة كبيرة منهم غير ملتحقين بالتعليم، مشيرة إلى تورط بعض الأهالي في دفع الأطفال إلى التسول كمصدر دخل، ووجود شبكات منظمة تشغّل الأطفال في التسول.
وذكرت أنه تم تشكيل لجنة وطنية بالتنسيق مع الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، تضم ممثلين عن وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل والأوقاف والداخلية والعدل والكوارث والطوارئ والتنمية والإدارة المحلية والبيئة والسياحة والصحة والإعلام.
المغوس أشارت إلى وجود تنسيق فعال مع المحافظين في مختلف المحافظات، إضافة إلى الشراكة مع منظمات المجتمع المدني والناشطين لتقديم مقترحات وحلول موازية.
التسول في القانون السوري
أولى القانون السوري اهتمامًا خاصًا بظاهرة التسول، فأدرجها ضمن الباب العاشر من قانون العقوبات السوري، رقم “148” لعام 1949 وتعديلاته في المواد “596–599″، تحت عنوان “الجرائم التي يرتكبها أشخاص خطرون بسبب عادات حياتهم”، حسب قول المحامية أميرة أفغاني، ل.
وأضافت أن الفقه الجزائي عرّف التسول، بأنه حالة يُظهر فيها الشخص رفضه للعمل واللجوء لاستجداء إحسان الغير، سواء صراحة أو تحت ستار أعمال أو خدمات تافهة.
كما يدعم القانون رقم “16” لعام 1975 مكافحة التسول من خلال إنشاء دور تشغيل ومكاتب لمتابعة حالات المتسولين والمشردين، وتقديم تقارير اجتماعية قبل الحكم على الموقوفين.
وأوضحت أفغاني أن العقوبات تتفاوت بين عقوبات بسيطة، تتمثل في الحبس مع التشغيل لمدة شهر إلى ستة أشهر، والإيداع في دار للتشغيل في حال التكرار، وعقوبات مشددة، تشمل الحبس مع التشغيل من ستة أشهر إلى سنتين في حال ارتكاب التسول مصحوبًا بالتهديد، والتظاهر بجروح أو عاهات، واستخدام الأطفال، أو التسول بشكل جماعي ومنظم، وفي حال كان المتسول عاجزًا، يعاقب بالحبس البسيط لمدة مماثلة، مع إمكانية فرض المراقبة.
صعوبات تطبيق القانون
البعد الاجتماعي، والفقر والبطالة وضعف شبكات الحماية الاجتماعية تجعل من التسول وسيلة للبقاء، ما يقلل من جدوى العقوبات وحدها. وأكدت المحامية أميرة أفغاني، ضعف دور المؤسسات البديلة، ودور التشغيل، والمكاتب التي نص عليها القانون “16/1975″، فهي لا تقدم إعادة تأهيل فعّالة، فيصبح الحبس مجرد حل جزائي.
كما أن التسول المنظم، ووجود شبكات تستغل الأطفال والنساء، يصعب الملاحقة الفردية وإثبات المسؤولية الجنائية للرؤوس المدبرة، وقصور الرقابة ونقص الكوادر المؤهلة لإعداد التقارير الاجتماعية يؤدي إلى بطء الإجراءات أو الاكتفاء بالحل الجزائي التقليدي.
كما أن ازدواجية النظرة، إذ يجرّم التسول باعتباره خطرًا إجراميًا، لكنه في الوقت الحالي يعكس أزمة اقتصادية واجتماعية، تخلق فجوة بين النص القانوني والواقع الاجتماع، بحسب أفغاني.
مرتبط
المصدر: عنب بلدي