ارتفعت قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية منذ صباح الأحد 18 من كانون الثاني، بالتزامن مع استعادة الجيش السوري السيطرة على أهم حقول النفط والغاز شرقي سوريا.
ووصل سعر الصرف إلى 11000 ليرة سورية أمام الدولار الأمريكي، بحسب موقع “الليرة اليوم”، بعد أن استمر في التذبذب لأسابيع بين 12000 و12800 عقب تبديل العملة السورية.
في حين حافظ سعر الصرف بحسب مصرف سوريا المركزي على 11000 ليرة للدولار الواحد، وفقًا لنشرته الصادرة اليوم، الاثنين 19 من كانون الثاني.
وبحسب جولة ل في أسواق دمشق، لم ينعكس هذا الارتفاع سوى على أسعار المنتجات الاستهلاكية، في حين حافظت بقية المنتجات على أسعارها، وهو ما برره التجار بأنهم اشتروا منتجاتهم عند سعر معيّن من الدولار، بالإضافة أن التذبذبات السريعة التي يشهدها سعر الصرف، تمنعهم من التحرك بشكل سريع تجاه تغيير السعر باستمرار، فالتغيير الدائم، وفقًا لتعبيرهم، قد يؤدي إلى فقدان ثقة المستهلك.
وتقوم عدد من المحال التجارية بعرض السعر بالدولار الأمريكي، وهذا ما يضفي مرونة بالتعامل وثباتًا، ويستطيع المستهلك وفقًا للتجار، شراء الدولار من أي شركة صرافة بالسعر المتداول ودفع سعر مشترياته بالسعر الثابت لها.
لماذا يتذبذب سعر الليرة بعد طرح العملة الجديدة
ارتفاع مرتبط بـ”الميدان”
الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، ربط الارتفاع الذي حصل بقيمة الليرة السورية، بالأحداث السياسية والعسكرية التي تشهدها سوريا، ولا سيما ما رافقها من حالة “نشوة عامة” نتيجة ما وصف بـ”الانتصارات” السياسية والعسكرية، بما في ذلك تحييد بعض الملفات الحساسة.
هذا المناخ، وفقًا لجاموس، دفع شريحة من المواطنين إلى الربط بين هذه التطورات وبين انعكاسها المحتمل على الواقع الاقتصادي، وبالتالي على سعر صرف الليرة، لافتًا إلى أن هذا التحسن لا يعكس واقعًا اقتصاديًا فعليًا، بل يأتي في سياق مضاربات واضحة، حيث يستغل المضاربون مشاعر التفاؤل و”نشوة الانتصار” لدى الناس، ويوهمونهم بأن هذه التطورات ستنعكس سريعًا على الاقتصاد السوري.
وأكد الخبير أن أي انعكاس اقتصادي حقيقي، حتى لو كان ممكنًا نظريًا، يحتاج إلى وقت طويل، ولا يمكن أن يتحقق بشكل فوري، محذرًا من أن ما يجري حاليًا هو عملية منظمة تهدف إلى تحسين مؤقت في قيمة الليرة السورية مقابل الدولار، لدفع المواطنين إلى التخلي عن مدخراتهم من العملات الأجنبية، قبل أن يعاود الدولار ارتفاعه مجددًا، خاصة في فترات تبديل العملات، وبحسب رأيه، فإن هذه اللعبة تخدم المضاربين فقط، وتؤدي في المقابل إلى خسائر للتجار الصغار والمواطنين العاديين.
وحول مدى استمرار هذا التأثير، شدد مجدي الجاموس على أن ما يحصل هو بسبب عامل “نفسي” بالدرجة الأولى، ولا يحمل أي بعد فعلي على المدى القريب، مبينًا أن الاستفادة الاقتصادية من الموارد، كحقول النفط أو المعابر الحدودية، تتطلب وقتًا طويلًا، إضافة إلى وجود بنية تحتية قادرة على استيعاب هذه الاستثمارات.
وأشار إلى أن الواقع الحالي للبنية التحتية متدهور للغاية، إلى درجة أن أي إيرادات محتملة لا تكفي حتى لإعادة ترميمها، فضلًا عن تحقيق تعافٍ اقتصادي حقيقي.
الحكومة تتسلم أبرز حقول النفط شرقي سوريا
تحسن مؤقت
يرى الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، أن تحسن سعر قيمة الليرة السورية، في حال كان فعليًا، فهو لن يتجاوز حدود التكيف مع معدل التضخم المرتفع، في ظل بقاء أسعار السلع على مستوياتها الحالية، معتبرًا أن ما يحدث هو استغلال للنجاحات السياسية والعسكرية، ولحالة التفاؤل الشعبي، من أجل دفع الناس إلى “الهروب” نحو الليرة السورية، قبل أن تنقلب المعادلة خلال أيام قليلة، ويعود الدولار إلى الارتفاع، محققًا أرباحًا للمضاربين على حساب المواطنين.
وفي ما يتعلق بكيفية الاستفادة الحقيقية من هذه التطورات، أكد الخبير أن الأمر يتطلب أولًا تحقيق استقرار سياسي، يليه استقرار أمني وعسكري، بما يفتح الباب أمام تفاهمات واتفاقيات مع شركات أجنبية، بما فيها شركات أمريكية، لاستثمار الموارد المتاحة من نفط وغاز، منوهًا إلى أن هذه الحقول بحاجة ماسة إلى إعادة تأهيل وترميم وإعادة هيكلة قبل أن تعود إلى العمل والإنتاج، فضلًا عن أن الوصول إلى مرحلة التصدير يحتاج إلى وقت إضافي.
ويرى أن توقيع عقود مباشرة مع شركات أجنبية لإعادة استثمار الموارد الطبيعية، إلى جانب السيطرة على بعض المعابر، قد يحقق انعكاسًا محدودًا ومقبولًا، أو يشكل بداية لتعافٍ اقتصادي تدريجي، إلا أن هذا التعافي، بحسب تقديره، يحتاج إلى وقت طويل، في ظل غياب نموذج اقتصادي واضح وخطة اقتصادية محددة، بل وحتى غياب نموذج سياسي مستقر يمكن البناء عليه.
وشدد الجاموس في نهاية حديثه، على أن أي تعافٍ اقتصادي حقيقي يتطلب أولًا بناء علاقات خارجية، والحصول على اعتراف دولي، ورفع العقوبات، إلى جانب المساعدات والمعونات الخارجية، وبعد ذلك فقط يمكن الحديث عن وضع نموذج اقتصادي وخطة واضحة وتنفيذها عمليًا، بما يسمح بتحسن فعلي ومستدام ينعكس على قيمة الليرة السورية.
أما التحسن الحالي في سعر الصرف فهو بعيد عن الواقع الاقتصادي، ولا يمكن أن يتحقق إلا على المدى البعيد، مع الحاجة الملحة إلى دعم نقدي خارجي يعزز احتياطات البنك المركزي ويساهم في تقوية الليرة السورية.
“الحكومة” تستعيد حقول النفط
استعاد الجيش السوري السيطرة على أهم حقول النفط والغاز شرقي سوريا، خلال اليومين الماضيين، بعد سنوات من وقوعها تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
الحقول التي شملتها العملية، تمثل أعمدة الاقتصاد السوري واستراتيجية الطاقة في البلاد، ما يضع الدولة مجددًا على خريطة الإنتاج الوطني.
وأكد مراسل في دير الزور استعادة الجيش السوري السيطرة على أبرز الحقول النفطية والغازية في شرق الفرات، الأحد 18 من كانون الثاني، بعد انسحاب عناصر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من المنطقة.
الحقول التي تم استعادة السيطرة عليها تشمل:
حقل العمر: أكبر حقل نفطي في سوريا والعمود الفقري لإنتاج النفط شرق الفرات.
حقل كونيكو: أهم حقل للغاز الطبيعي يغذي محطات الكهرباء والاستخدام الصناعي والمنزلي.
حقل التنك وحقل العزبة: يدعمان الإنتاج النفطي الوطني ضمن منظومة الحقول الكبرى.
كما أعلنت الشركة السورية للبترول تسلم حقلي الرصافة وصفيان ومجمع الثورة النفطي الاستراتيجي في ريف الرقة الجنوبي الغربي، مشيرة إلى إطلاق غرفة عمليات طارئة لضمان استمرار الإنتاج وحماية البنية التحتية.
وأوضحت الشركة أن مجمع الثورة النفطي يشكل مركزًا إداريًا ولوجستيًا يربط عدة حقول أبرزها: وادي عبيد، البشري، وصفيان، حيث يتم نقل النفط المستخرج إلى محطة العكيرشي لإجراء عمليات الفصل الأولية قبل التوزيع أو المعالجة التالية.
حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، بيّن أن عودة الموارد النفطية والغازية إلى الدولة تمثل محطة مفصلية لإعادة بناء السيادة المالية والنقدية، موضحًا أن المصرف سيستعيد دوره كـ “العميل المالي للحكومة” لإدارة الاعتمادات والتمويل عبر القنوات الرسمية.
وأضاف أن الخطوة ستسهم في:
- تمويل احتياجات الاستيراد بشكل منظم وتوحيد قنوات الدفع.
- استعادة أدوات إدارة السياسة النقدية والقطع الأجنبي.
- تعزيز الشفافية مع المصارف المراسلة والالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يسهم في إعادة بناء الثقة الخارجية بالقطاع المصرفي السوري.
ونوه إلى أن استعادة الدولة لمواردها، هو فرصة للاقتصاد السوري للتعافي المنظم والمستدام.
Related
المصدر: عنب بلدي
