تشهد مسألة الكتلة النقدية في سوريا، القديمة والجديدة، نقاشًا اقتصاديًا متزايدًا، مع تصاعد الجدل حول حجمها الفعلي ومدى تغطيتها بأصول ذهبية حقيقية، في ظل المتغيرات النقدية الكثيرة الحاصلة، ومن بينها إصدار فئات جديدة وتبدلات في القيمة الاسمية للعملة.
وأعاد هذا النقاش طرح السؤال التقليدي حول مدى قدرة الاحتياطي الذهبي في سوريا على دعم العملة الورقية والحفاظ على استقرارها.
حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، قال في مقابلة مع “CNN الاقتصادية”، في شباط الحالي، إن قيمة احتياطي الذهب لدى خزائن المصرف تجاوزت 42 تريليون ليرة سورية، وهو ما يعادل تقريبًا حجم الكتلة النقدية المطبوعة والمتداولة، أي أن نسبة تغطية الذهب للكتلة النقدية باتت تفوق 100% في ظل الارتفاع العالمي لأسعار الذهب.
واعتبر الحاكم أن هذا التطور يعكس تحسنًا لافتًا في تركيبة الاحتياطي الذهبي لدى المصرف المركزي، الذي يقدر بنحو 26 طنًا، وفق حساب القيمة بالأسعار العالمية الحالية.
حاكم المركزي سبق أن قال بمؤتمر صحفي في كانون الأول 2025، إن حجم النقد السوري المصدر المسجل على دفاتر الميزانية لدى المركزي يبلغ 42 تريليون ليرة سورية قديمة، وإن هناك 13 مليار قطعة نقدية في سوريا.
وفي عام 2011 وحده، تم إصدار تريليون ليرة سورية، وفق ما يقول الحاكم، مبينًا أن “النظام البائد” بين عامي 2011 و2024 انتقل من تريليون إلى 42 تريليون ليرة سورية، وأن هدف المركزي هو استبدال الـ42 تريليونًا، وحتى يكون المركزي في الجانب الآمن تمت طباعة ما يوازي الموجود في دفاتر المركزي.
تساوي الذهب مع الورق “ليس استقرارًا”
يقدر احتياطي الذهب لدى البنك المركزي السوري بنحو 25.8 إلى 26 طنًا، وهو مستوى قريب من حجمه قبل الحرب، بحسب الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمود عبد الكريم، موضحًا ل، أن القيمة التقريبية لهذا الاحتياطي وفق الأسعار العالمية تبلغ نحو 4.18 مليار دولار.
وعلّق عبد الكريم على بعض التصريحات الرسمية التي ربطت ارتفاع قيمة الذهب المحسوبة بالليرة بفكرة أنه يغطي الكتلة النقدية المطبوعة، بالقول إنها “تحمل طابعًا نفسيًا يهدف إلى تعزيز الثقة أكثر مما يعكس تغطية فعلية بالمعنى الاقتصادي الدقيق”.
ويخالف الخبير عبد الكريم، ما صرح به الحاكم الحصرية، لجهة زيادة كمية الذهب السوري، إذ لا يعني ارتفاع قيمة الذهب بالعملة المحلية “زيادة في كميته”، فارتفاع القيمة ينتج أساسًا عن عاملين:
- صعود السعر العالمي للذهب.
- ضعف الليرة السورية.
وذلك يؤدي تلقائيًا إلى تضخم القيمة الاسمية للاحتياطي عند حسابه محليًا.
وشدد على أن تساوي قيمة الذهب مع حجم الكتلة النقدية لا يُعد معيارًا حقيقيًا لاستقرار العملة في الاقتصاد الحديث، لأن الاستقرار يتطلب توفر سيولة فعلية من العملات الأجنبية يمكن استخدامها يوميًا، لا مجرد امتلاك أصل ذهبي ثابت.
وقال، “الذهب لا يؤثر مباشرة في سوق الصرف إلا إذا حُوِّل إلى سيولة عبر البيع أو الرهن أو عند استخدامه كضمان لتمويل، وهي خيارات تحمل كلفة وشروطًا ومخاطر”.
عبد القادر الحصرية، حاكم مصرف سوريا المركزي، قال في مقابلته مع “CNN الاقتصادية“، “لا نعتمد على الودائع وحدها لتحقيق استقرار سعر الصرف، ونعمل على مزيج عوامل يقوده الاستثمار وتدفقات إعادة الإعمار”.
ما طبيعة الكتلة النقدية الحالية في سوريا
الكتلة النقدية لها أكثر من مستوى، وليست رقمًا واحدًا ثابتًا، لأن هناك فرقًا بين ما يطبعه المصرف المركزي، وما يستخدمه الناس فعليًا، وفق الدكتور عبد الكريم، مشيرًا إلى أن هناك مستويين أساسيين:
1. العملة المصدرة (Issued Currency):
هي إجمالي الأموال التي قام المصرف المركزي بطباعتها وإصدارها رسميًا، ولكن هذا الرقم يشمل كل الأوراق النقدية، سواء كانت في جيوب الناس، أو داخل المصارف، أو مخزنة في خزائن البنك المركزي، أو حتى مكتنزة خارج التداول.
2. العملة في التداول (Currency in Circulation):
وهي الجزء من العملة المصدرة الذي يُستخدم فعليًا في الاقتصاد اليومي، أي الأموال التي يتداولها الناس والتجار فعليًا في البيع والشراء.
وعلى سبيل المثال، يوضح عبد الكريم، “إذا طبع المصرف المركزي 500 مليار ليرة جديدة، لكن 200 مليار منها بقيت في المصارف أو تم اكتنازها، فإن العملة في التداول ستكون 300 مليار فقط”، مشيرًا إلى أن الفرق مهم جدًا، لأن الاقتصاد يتأثر بالعملة في التداول، وليس بالعملة المطبوعة فقط، لذلك قد يعلن المركزي إصدار كمية كبيرة، لكن إذا لم تدخل فعليًا إلى السوق، سيشعر الناس حتمًا بنقص السيولة.
وبدأ مصرف سوريا المركزي، في 3 كانون الثاني الماضي، بضخ العملة السورية الجديدة من فروعه بالمحافظات إلى المصارف وشركات الصرافة، وفقًا لما أكده حاكم المصرف، عبد القادر الحصرية، موضحًا أن المصرف وزع، في 1 من كانون الثاني، العملة السورية الجديدة على فروعه بالمحافظات، على أن تبدأ هذه الفروع توزيع العملة الجديدة لاحقًا على المصارف وشركات الصرافة.
وفي حال عدم كفاية مهلة الـ90 يومًا لاستبدال العملة القديمة، قال الحاكم إن المركزي يمتلك الصلاحية لتمديد هذه المهلة، موضحًا أنه بالنسبة للاستفسارات حول العملة الجديدة فإن هناك استراتيجية عمل عليها المصرف لحالات تطبيقية على العملة وسيتم نشرها عبر المنصات التابعة له.
ضبابية المركزي وعلاقة الكميات بالاستبدال
يبيّن الدكتور عبد الكريم أن ضبابية المركزي في عدم الإفصاح عن حجم ما سيتم استبداله من فئات 5000 و2000 و1000 ليرة، ناجمة عن تداخل تعريفات الكتلة النقدية، وضعف البيانات في الاقتصاد النقدي، وحساسية المرحلة الانتقالية الحالية، مرجحًا بالنسبة للفئات 200 ليرة وما دون أن تُستبدل أيضًا وفق نفس قاعدة التحويل، لكن قد تُدار بجدولة أطول أو نافذة خاصة بسبب العبء اللوجستي، لا بسبب نية مصادرتها من الناس.
وهناك أربعة أسباب اقتصادية عملية، تتكرر في تجارب الدول عند إعادة الإصدار النقدي، يؤكد الأكاديمي السوري، تتمثل بـ:
- فجوة البيانات، إذ إن ضعف الإحصاء النقدي بعد سنوات من العقوبات وتراجع القطاع المصرفي والاعتماد على الكاش يقلل دقة الفصل بين “موجود لدى المصارف” و”خارج المصارف”.
- الحساسية التشغيلية، فالإعلان المبكر عن حجم المطبوعة الجديدة أو حجم القديمة المتوقع استبداله قد يخلق سلوكًا مضاربًا، مثل محاولة تحويل كميات كبيرة من النقد إلى استبدال سريع أو إلى دولار، فيضغط على السوق في فترة انتقالية الهدف منها التهدئة.
- مخاطر التزوير والتهريب، عندما تعلن أرقام دقيقة عن الفئات الأكثر تداولًا، تعطي مزورين ومهربين إشارات حول أين سيركزون نشاطهم الإجرامي.
- السياسة العامة والثقة، لأن أي فجوة لاحقة بين الرقم المعلن والرقم المتحقق عند الاستبدال تضر بالثقة، لذلك تُترك الأرقام التفصيلية عادة لما بعد اكتمال مراحل السحب والتدقيق.
حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، سبق أن أكد في تصريحات صحفية مؤخرًا، أن أزمة السيولة النقدية ليست أزمة ضخ نقدي بقدر ما هي أزمة ثقة بالقطاع المصرفي، وقال إن المصرف يعمل على استعادة هذه الثقة عبر إجراءات واضحة، ويتابع يوميًا عملية استبدال العملة القديمة لضمان نجاح التجربة، وعدم حدوث اضطرابات نقدية.
Related
المصدر: عنب بلدي
