دفعت أداة تعريف رقمية يعتمد عليها الهولنديون يومياً، أصبحت ملكيتها جزئياً أميركية، السلطات في أمستردام إلى إعادة تقييم اعتماد البلاد على التكنولوجيا الأميركية، في وقت يزداد فيه القلق في أوروبا بشأن السيطرة الأجنبية على البنية التحتية الرقمية الحيوية، وفق مجلة “بوليتيكو”.
وذكرت المجلة في تقرير، الأربعاء، أن كل مواطني هولندا تقريباً يستخدمون أداة التعريف الرقمي DigiD بانتظام لحجز مواعيد الأطباء، أو شراء المنازل، أو الوصول إلى الخدمات العامة عبر الإنترنت.
ومع اقتراب شركة تكنولوجيا أميركية من الاستحواذ على المزود الهولندي لهذه الأداة، بدأت المخاوف تتصاعد من أن أمستردام قد تتخلى عن تكنولوجيا حيوية، في وقت تشهد فيه البلاد حساسية متزايدة تجاه اعتماده الشامل على الخدمات الأميركية.
وأفادت المجلة بأن أعضاء لجنة الشؤون الرقمية في البرلمان الهولندي اجتمعوا، يوم الثلاثاء، لمناقشة القضية، وتلقوا عريضة موقعة من 140 ألف شخص تطالب الحكومة بمنع عملية الاستحواذ.
وجاء في العريضة: “إذا قامت الحكومة الهولندية بشيء لا يروق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فبإمكانه تعطيل حكومتنا بضغطة زر واحدة. وهذا يشكل خطراً كبيراً”.
مشكلة أمنية خطيرة
وأضافت المجلة أن الجدل الدائر حول DigiD سلَّط الضوء على قضية كانت تتصاعد منذ فترة، إذ إنه بالنظر إلى كون هولندا من أشد المؤيدين للعلاقات عبر الأطلسي، فإن المجتمع الهولندي، وكذلك حكومة البلاد، يقوم على التكنولوجيا والخدمات الرقمية الأميركية، وهو ما أصبح يُنظر إليه الآن على أنه مشكلة أمنية خطيرة في ظل تهديدات ترمب لأوروبا.
وأظهر بحث أجرته هيئة الإذاعة الهولندية العامة، الأحد، أن ثلثي أسماء النطاقات الخاصة بالحكومة الهولندية والمدارس والشركات الحيوية، تعتمد على مزود واحد على الأقل من مزودي خدمات الحوسبة السحابية الأميركيين، مع تصدر شركة “مايكروسوفت” القائمة.
ونقلت “بوليتيكو” عن بيرت هوبيرت، خبير الأمن السيبراني الهولندي والمسؤول السابق في الرقابة الاستخباراتية، قوله: “هولندا هي أكثر دولة في العالم استخداماً لشركة مايكروسوفت. الحكومة الهولندية تستخدم منتجاتها أكثر من الحكومة الأميركية”.
وقالت المجلة إن التساؤلات حول علاقة DigiD بالتكنولوجيا الأميركية بدأت في أوائل نوفمبر الماضي، عندما أعلنت شركة Kyndryl الأميركية، المزودة لخدمة الحوسبة السحابية، والمنبثقة حديثاً عن شركة IBM الأميركية الشهيرة، عن نيتها الاستحواذ على شركة Solvinity الهولندية لخدمات الحوسبة السحابية، موضحة أن الشركة الهولندية لا تمتلك أداة التعريف الرقمية DigiD، لكنها توفر المنصة التي تعمل عليها.
ويعد DigiD جزءاً لا يتجزأ من حياة الهولنديين اليومية، إذ قال هوبيرت: “في كل مرة تريد استئجار منزل في هولندا، أو حجز موعد مع الطبيب، أو القيام بأي إجراء في المستشفى، يجب عليك استخدام DigiD”.
وأثار احتمال سيطرة الولايات المتحدة على هذه الأداة واسعة الانتشار ردود فعل قوية، وكتب مجموعة من الخبراء، بينهم هوبيرت، في رسالة وجهها محاموهم منتصف يناير إلى الوزارة المسؤولة عن مراقبة عمليات الاستحواذ: “وضع البنية التحتية الرقمية الحيوية في أيدي أميركية يزيد من احتمالية تعرّض هولندا للانقطاعات، أو التلاعب، أو حتى الابتزاز”.
تهديدات للخصوصية
وحذر خبراء ونواب من أن عملية الاستحواذ تهدد أيضاً أمن البيانات الشخصية الحساسة للشعب الهولندي، وقالت باربرا كاثمان، النائبة عن حزب “الخضر” اليساري والخبيرة في الشؤون الرقمية: “يكمن الخطر في أن هذه العملية تندرج تحت قانون Cloud الأميركي، الذي ينص على أن كون الموقع الجغرافي للبيانات في الاتحاد الأوروبي لا يمنع الحكومة الأميركية من طلبها إذا كانت الخدمة مقدمة من شركة أميركية”.
وقال ممثل عن وزارة الاقتصاد الهولندية في البرلمان، الأسبوع الماضي، إن الوزارة تدرس حالياً الصفقة لمعرفة ما إذا كانت تثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي.
في المقابل، أصدرت شركة Kyndryl بياناً أكدت فيه أن الشركة “تلتزم دائماً بالمتطلبات الهولندية والأوروبية المتعلقة بأمن بيانات العملاء، وستواصل الامتثال للالتزامات الحالية لشركة Solvinity تجاه عملائها”.
والعام الماضي، تخلت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي عن خدمات مايكروسوفت، وسط مخاوف بشأن العقوبات الأميركية التي تستهدف المحكمة.
وقالت النائبة الهولندية سارة البوجديني، عن حزب D66 الوسطي، إن قضية المحكمة الجنائية والاستحواذ على Solvinity يجب أن يكونا بمثابة “درس تحذيري” لأوروبا لبدء إعادة تقييم اعتمادها على الولايات المتحدة وتشجيع البدائل الأوروبية، مضيفة: “نحتاج إلى نظرة أوسع لمعرفة أكثر نقاط اعتمادنا ضعفاً، وأين نحتاج إلى استعادة السيطرة، وأين يجب زيادة شراء الخدمات من الشركات الأوروبية”.
وأشار التقرير إلى أن هذا يشمل التركيز بشكل خاص على الخدمات الحكومية والخدمات التي يستخدمها المواطنون بشكل مستمر.
وقال النائب الليبرالي الهولندي في البرلمان الأوروبي بارت جروثويس: “لا ينبغي إسناد الخدمات الحكومية التقليدية إلى دول أخرى، خاصة تلك الدول التي أظهرت استعدادها وقدرتها على استخدام تلك الاعتمادات كسلاح”.
