أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، السبت، دعم بلاده للحكومة السورية خلال المرحلة الانتقالية، بالتوازي مع استمرار شراكتها مع قوات سوريا الديمقراطية، معرباً في الوقت نفسه عن استعداد واشنطن لتسهيل تواصل “بناء” بين الطرفين، في ظل قلق أميركي من التطورات الأخيرة في حلب، فيما قال الجيش السوري إن “قسد استهدفت مدينة حلب بعشر مسيرات إيرانية الصنع خلّفت إصابات وأضرار مادية”.

وأوضحت هيئة العمليات في الجيش السوري لوكالة الأنباء السورية “سانا”، السبت، أن “تنظيم قسد يدخل مرحلة جديدة من مراحل التصعيد العسكري ضد الشعب السوري من خلال استهدافه مدينة حلب ومؤسساتها المدنية ومساجدها ومرافقها بأكثر من 10 طائرات مسيرة إيرانية الصنع، تركت وراءها عدداً من الإصابات وخسائر كبيرة بالممتلكات”.

وأضافت: “رداً على هذا التصعيد، قام الجيش باستهداف مصادر إطلاق هذه الطائرات بالطريقة المناسبة، وتمكن الجيش من تدمير عددٍ من الآليات الثقيلة المجنزرة والمدولبة في أحد مواقع تنظيم قسد، وهذا هو ردنا الأولي، والمراحل اللاحقة من الرد ستكون في الزمان والمكان المناسبين”.

“فرصة محورية لسوريا جديدة موحدة”

وكان باراك قال على منصة “إكس” إنه التقى في العاصمة دمشق، بالرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني وأعضاء من فريقهما، نيابةً عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو، لبحث التطورات الأخيرة في حلب ومسار المرحلة الانتقالية في سوريا.

وأوضح أن ترمب ينظر إلى هذه المرحلة بوصفها “فرصة محورية لسوريا جديدة موحدة، تُعامل فيها جميع المكونات، باحترام وكرامة، مع ضمان مشاركتهم الفاعلة في مؤسسات الحكم والأمن”.

وأضاف أن ترمب وافق، انطلاقاً من هذه الفرصة، على رفع العقوبات من أجل “إعطاء سوريا فرصة للمضي قدماً”.

وأشار باراك إلى أن الحكومة الأميركية ترحب بـ”المرحلة الانتقالية التاريخية” في سوريا، وتُعرب عن دعمها للحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع في جهودها الرامية إلى تحقيق الاستقرار، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، وتلبية تطلعات السوريين جميعاً إلى السلام والأمن والازدهار.

وأكد أن الولايات المتحدة دعمت منذ فترة طويلة الجهود الرامية إلى هزيمة تنظيم “داعش” وتعزيز الاستقرار في سوريا، بما في ذلك من خلال عملية “العزم الصلب” وشراكتها مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، التي قال إن “تضحياتها كانت حاسمة في تحقيق مكاسب دائمة ضد الإرهاب”.

وأوضح أن الحكومة السورية جدّدت التزامها باتفاق الدمج مع “قسد” الموقّع في مارس 2025، والذي يوفر إطاراً لدمج قوات “قسد” في المؤسسات الوطنية بما يحفظ الحقوق الكردية ويعزز وحدة سوريا وسيادتها.

مبدأ الدولة الواحدة

وأعرب عن القلق إزاء التطورات الأخيرة في حلب التي ذكر أنها “تبدو متعارضة مع بنود هذا الاتفاق”، حاثاً جميع الأطراف إلى “ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والوقف الفوري للأعمال القتالية، والعودة إلى الحوار وفقاً لاتفاقي 10 مارس و1 أبريل 2025 بين الحكومة السورية وقسد”.

وحذر من أن العنف يهدد بتقويض التقدم الذي تحقق منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، ويفتح الباب أمام “تدخلات خارجية لا تخدم مصالح أي طرف”.

وأعرب باراك عن استعداد فريق وزير الخارجية ماركو روبيو لتسهيل تواصل “بنّاء” بين الحكومة السورية و”قسد” لدفع عملية اندماج شاملة ومسؤولة، تحترم وحدة سوريا، وتؤكد “مبدأ الدولة الواحدة ذات السيادة، وتدعم هدف وجود جيش وطني شرعي واحد”.

وشدد على أن الهدف يتمثل في “سوريا موحدة وذات سيادة، تنعم بالسلام داخلياً ومع جيرانها، وتتحقق فيها المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص لجميع أبنائها”.

ودعا المبعوث الأميركي دول الجوار السوري والمجتمع الدولي لـ”دعم هذه الرؤية، وتقديم التعاون والمساعدة اللازمة للمساهمة في تحقيقها”.

دمشق: لا نستهدف أي فئة سكانية أو عرقية

ويأتي هذا التصريح بعدما أعلن الجيش السوري، في وقت سابق السبت، وقف جميع عملياته العسكرية في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، والانسحاب تدريجياً من شوارعه، التي شهدت منذ الثلاثاء الماضي، اشتباكات مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

وفي المقابل، نفت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في بيان، “وقف إطلاق النار والمعارك في حي الشيخ مقصود”، ووصفتها بأنها “محاولة مكشوفة لتضليل الرأي العام”، مشددة على أن “هذه الادعاءات كاذبة جملة وتفصيلاً”.

من جانبها، شددت وزارة الخارجية السورية أن الحكومة نفّذت عملية إنفاذ قانون محدودة النطاق والأهداف، في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية لحماية المدنيين بمدينة حلب.

وقالت الوزارة في بيان: “اتٌّخذت هذه الإجراءات التي التزمت بها الدولة السورية بالشفافية وسيادة القانون ومبادئ عدم التمييز، لاستعادة النظام العام وحماية المدنيين عقب انتهاكات متكررة للترتيبات الأمنية المتفق عليها مع وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، والتي أدت إلى إلحاق الأذى بالمدنيين”.

وذكرت أن الحكومة السورية انتهجت منذ ديسمبر 2024 “نهجاً وطنياً شاملاً يهدف إلى توحيد المسار الأمني وتوطيد سلطة مؤسسات الدولة الشرعية كشرط أساسي للاستقرار”.

وأشارت إلى أنه “تم التوصل لاتفاقيات أمنية في أبريل 2025 بهدف إنهاء جميع المظاهر العسكرية غير الحكومية في الحيين، إلا أن هذه الاتفاقيات تراجعت لاحقاً إثر الانتهاكات المتكررة، بما في ذلك الهجمات المسلحة التي انطلقت من داخل الحيين ضد المناطق السكنية في مدينة حلب في السابع والثامن من يناير وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين”.

وذكرت الوزارة السورية أن “هذا التدخل لا يُعد حملة عسكرية، ولا ينطوي على أي تغيير ديمغرافي، ولا يستهدف أي فئة سكانية على أسس عرقية أو دينية”، مشيرةً إلى أنه “اقتصر على جماعات مسلحة محددة تعمل خارج أي إطار أمني متفق عليه، والتي عرقلت أنشطتها تنفيذ التفاهمات السابقة، وارتبطت بانتهاكات خطيرة بما في ذلك تجنيد القاصرين”.

ولفتت إلى أن “الإجراءات المتخذة تستند إلى مبدأي الضرورة والتناسب ولا تستهدف المجتمع الكردي الذي يُعتبر جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي لحلب وشريكاً فاعلاً في المؤسسات الوطنية”.

وأعربت الخارجية، في ختام بيانها عن شكر سوريا، للولايات المتحدة، والسعودية، وقطر، وتركيا، وفرنسا، وبريطانيا، ومسعود بارزاني (زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق)، على “دورهم الفاعل والمستمر في دعم استقرار سوريا، والحرص على وحدة وسيادة أراضيها، وهو ما يصب في مصلحة تعزيز الأمن والسلام في المنطقة بأسرها”.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية، التي تسيطر على أجزاء كبيرة من شمال شرق سوريا، وقعت مع الرئيس السوري أحمد الشرع، في العاشر من مارس 2025، اتفاقاً وافقت بموجبه على دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لها ضمن مؤسسات الدولة بحلول نهاية العام الماضي، لكن الجانبين لم يحرزا تقدماً يذكر لتنفيذ الاتفاق.

وأنشأت السلطات الكردية، المدعومة من الولايات المتحدة، إدارة شبه مستقلة في شمال شرق سوريا وأجزاء من حلب، خلال الحرب التي استمرت 14 عاماً، وتقاوم الاندماج الكامل في الحكومة.

شاركها.