​اللاذقية – آلاء شعبو

​تفرض بلدة عين شقاق في ريف جبلة واقعًا اقتصاديًا جديدًا تجاوز في أبعاده مجرد البحث عن “بديل زراعي” لمحاصيل الحمضيات التقليدية، حيث تحول الورد من زراعة تكميلية للزينة إلى نشاط استثماري عالي القيمة، نجح في اختراق أسواق كبرى من دمشق وحلب وصولًا إلى لبنان، لكن هذا التحول، ورغم طابعه الناجح، يفتح الباب أمام تساؤلات ملحة حول القيمة المضافة المفقودة، ففي الوقت الذي يصارع فيه المزارع لتأمين سيولته، تضيع ثروة كبيرة في فجوة غياب الصناعات التحويلية، ما يجعل تجربة “عين شقاق” نموذجًا للمرونة الزراعية بانتظار “القفزة الصناعية” المؤجلة.

​الورد بدلًا من الليمون

في جولة بين المشاتل، يظهر التحول نحو البيوت المحمية كخيار أملته الضرورة المعيشية وتكاليف الإنتاج المرتفعة، حيث وصف المزارع علي (34 عامًا) زراعة الورد بدل الليمون بـ”الخيار العقلاني” لتأمين الاستدامة، إذ يصل سعر الوردة الواحدة للتاجر حاليًا إلى نحو 5500 ليرة سورية، وهو رقم يمنح المزارع قدرة أكبر على مجاراة متطلبات المعيشة.

​وقال علي، ل، إن الفارق الجوهري يكمن في “وتيرة الدخل”، فبينما يفرض الليمون انتظارًا طويلًا لموسم واحد في السنة، يتميز الورد بدورة إنتاجية قصيرة تسمح بالقطاف كل شهرين تقريبًا، ما يضمن سيولة مالية مستمرة للمزارع طوال العام، ويحمي الأرض من ركود المواسم التقليدية.

​من جانبه، قال المهندس الزراعي حسن سعيد، إن تكلفة تجهيز البيت البلاستيكي الواحد تتراوح بين خمسة وسبعة ملايين ليرة سورية، وأشار إلى أن مناخ المنطقة المعتدل وفر بيئة مثالية لنمو الورد، مقللًا من الحاجة لوسائل التدفئة المكلفة.

ورغم ذلك، يرى سعيد أن نجاح التجربة التي بدأت قبل حوالي عشرة أعوام، يحتاج الآن إلى “مظلة تثقيفية وتمويلية”، إذ يفتقر المزارعون للخبرات الفنية التخصصية في تقنيات التقطير الحديثة، ما يجعل الحاجة ماسة لدعم مادي يمول هذه الصناعات التي تتجاوز قدرة المزارع الفردية.

​فرص عمل تناسب النساء

أحدث نشاط زراعة الورد تغييرًا في طبيعة اليد العاملة الريفية، موفرًا فرصًا “صديقة للنساء” في بيئة تبحث عن بدائل.

هبة (24 عامًا)، إحدى العاملات في المشاتل، قالت ل، “صرنا نعتمد على أنفسنا بمصروفنا، ووفرت لنا الزراعة كفتيات بالضيعة دخلًا مستقلًا بجهد غير شاق مقارنة بزراعة الحمضيات”.

​ولم يعد إنتاج بلدة عين شقاق حبيس الاستهلاك المحلي، إذ نجح المزارعون في بناء شبكة توريد وصلت إلى أسواق دمشق وحلب، بل وتجاوزت الحدود لتجد مكانًا لها في الأسواق اللبنانية، مستفيدة من جودة البتلات التي تطلبها أيضًا أسواق العطارة والطب البديل لإنتاج ماء الورد والخلطات العشبية.

​نظرة اقتصادية

​أمام هذا النجاح الميداني، تحدث الدكتور علاء بلدية، أستاذ الاقتصاد في جامعة “تشرين”، عما وصفه بـ”القيمة المضافة الضائعة”، إذ يرى، في حديث إلى، أن ما يحدث هو انتقال من نمط زراعة منخفضة العائد إلى نشاط عالي القيمة، لكنه يظل منقوصًا ما لم يرافقه تصنيع محلي.

​وحلّل بلدية الأرقام، موضحًا أن المنطقة تنتج سنويًا نحو خمسة آلاف طن من الورد الطازج.

وأكد أن “الجدوى الحقيقية” تظهر عند الانتقال للصناعات التحويلية، إذ يمكن إنتاج أكثر من 1200 كغ من زيت الورد سنويًا، بقيمة تصل إلى سبعة ملايين دولار وفقًا للأسعار العالمية.

ورغم أن هذه الأرقام تمثل السقف الطموح للإنتاج الذي يتطلب معايير جودة وتصدير دولية، فإنها تسلط الضوء على حجم “الفرصة الضائعة”، والفجوة الاستثمارية الكبيرة التي يسببها غياب التصنيع المحلي.

ويرسم بلدية “خارطة طريق” تبدأ بتأسيس تعاونيات زراعية ووحدات تقطير متوسطة، وصولًا إلى بناء علامة تجارية سورية قادرة على المنافسة في قطاع العطور ومستحضرات التجميل العالمية.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.