أكد فيصل الإبراهيم، وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، أن المملكة ستستخدم اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام، في تعميق الشراكات ومعالجة العوائق الاقتصادية العالمية في الذكرى العاشرة لـ”رؤية 2030″.
وقال الإبراهيم إن مهمة الوفد السعودي الأساسية تبقى دون تغيير: “سنستمر في العمل مع شركائنا الدوليين من جميع القطاعات والجغرافيات لضمان أن نعالج بشكل جماعي (عجز التقدم) ونعمل معاً نحو خلق زخم لنمو تحولي”.
وأشار إلى أن العديد من الاقتصادات الكبرى، خاصة في الغرب، واجهت في السنوات الأخيرة مزيجاً من الركود والتضخم والقيود التجارية وضعف الإنتاجية والتقلبات التي كان من الصعب إدارتها، ناهيك عن التخطيط لها، مما أدى إلى أداء الناتج العالمي “أقل مما يمكن” وأثر بشكل مباشر على المملكة كعضو في مجموعة العشرين.
وحذر الإبراهيم من أن هذا التراكم “يخلق عوائق أمام مكاسب التقدم”.
“اقتصاد أكثر اندماجاً”
وبدأت السعودية، وهي اقتصاد في مجموعة العشرين، في عام 2016 خطة طموحة لتحويل نموذجها الاقتصادي المعتمد على النفط، وفتحت وأدمجت نفسها بشكل أعمق مع الأسواق العالمية.
وقال الوزير إن “اقتصاد المملكة أصبح أكثر اندماجاً مع الاقتصاد العالمي من أي وقت مضى. دروسنا المستفادة وتقدمنا ونجاحنا هي مدخلات وبيانات قيمة لشركائنا والعكس صحيح”.
وأضاف أن المناقشات في “دافوس” تركز على الاستثمار في المملكة وكيف يمكن للآخرين “الاستفادة من النموذج السعودي”.
وقال الإبراهيم إن مشاركة المملكة في المنتدى تدور حول سؤالين أساسيين: “كيف يمكننا تعميق روابطنا الثنائية وكيف يمكننا العمل مع شركائنا لمواجهة التحديات العالمية؟”
وأضاف الوزير، الذي عُين في عام 2021 بعد جائحة كوفيد-19، إنه شغل سابقاً منصب نائب وزير الاقتصاد والتخطيط (2018-2021) وانضم إلى الوزارة كمستشار في عام 2016.
اقتصاد المملكة أصبح أكثر اندماجاً مع الاقتصاد العالمي من أي وقت مضى.
وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم
وأشار إلى أن التصورات عن السعودية تغيرت من كونها شريك إنفاق حكومي إلى لاعب عملي يتيح الفرص مع قطاع خاص مزدهر يقوم بالأعمال على أساس متساوٍ.
وقال إن “المحادثات تحولت من الحديث عن فرص اللاعبين الحاليين إلى الحديث عن فرص الاستثمار السعودي وتوظيف رأس المال، إلى كيف يمكن لهذه الشركات كسب المال من خلال القصة السعودية – من أخذ المال إلى كسب المال، إن صح التعبير”.
وبفضل “الجدية” التي أظهرتها الرياض، قال إن الناس “مهتمون بأن يكونوا جزءًا من هذا التحول”. وهذا “أدى إلى اهتمام أكبر، والعمل يتجه نحو المزيد من الزخم، والمناقشة مستمرة”.
تراجع الاعتماد على النفط
ووفقاً لأرقام حديثة من وزارة الاقتصاد والتخطيط، انخفض اعتماد السعودية المباشر وغير المباشر على النفط من أكثر من 90% في عصر ما قبل الإصلاح إلى 68% في عام 2025.
وتمثل الأنشطة غير النفطية الآن 56% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بينما رفعت وزارة المالية في أكتوبر توقعات النمو لعام 2026 إلى 4.6%، ارتفاعاً من 3.5%، مدفوعة إلى حد كبير بالتوسع غير النفطي.
وعلى الرغم من هذه الإصلاحات وعلامات الاقتصاد الديناميكي والمتنوع، لا تزال المملكة تعتمد بشكل كبير على إيرادات النفط، خاصة وأن الأسعار انخفضت بشكل حاد من ذروتها حوالي 114 دولاراً للبرميل في مايو 2022.
وقال الإبراهيم: “نحن نفصل أنفسنا عن سلعة واحدة. هذا لا يعني أننا لن نعتمد عليها وتدفقاتها للنشاط الاقتصادي. لكننا لا نريد الاعتماد عليها كما كنا في السابق”.
وأوضح أن رؤية 2030 صممت لتحقيق “نتائج معينة” وتطلبت إصلاحات هيكلية عميقة لجعل المملكة أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين، بما في ذلك التحركات الأخيرة لتخفيف قواعد العقارات وفتح سوق الأسهم.
وقال إن “الرؤية كانت مخططة بعناية، مع مراعاة أهمية الإدارة الحكيمة. هذه الأخبار مثال على المضي قدماً في الإصلاح الهيكلي. هذا ليس رأس مالاً أو استثماراً أو أموالاً تخصصها الحكومة لتحقيق النتائج. هذا تغيير في السياسة، تغيير في البيئة التنظيمية طويل الأجل، يأتي مع تأثير اقتصادي كبير”.
جذب رأس المال الأجنبي
ومن يناير 2026، سيسمح للأفراد والجهات الأجنبية بامتلاك العقارات – وليس فقط عقود الإيجار طويلة الأجل – في المناطق المحددة.
وفي خطوة تاريخية مماثلة، فتحت هيئة السوق المالية سوق رأس المال السعودي لجميع فئات المستثمرين الأجانب، مما يسمح بالاستثمار المباشر من 1 فبراير.
وقال الوزير إن المملكة تعمل على “إزالة الاحتكاكات” وجذب رأس المال الأجنبي عبر القطاعات الناضجة والناشئة، خاصة التكنولوجيا، حيث تهدف السعودية إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي والمعرفة المتراكمة لتصبح رائدة في السوق.
وتابع: “لا يمكنك تنويع اقتصاد وفك إمكاناته دون الاستفادة من كل مجال لديك فيه ميزة. السعودية لديها قطاعات قليلة مع معرفة عميقة متراكمة على مدى عقود. وفي بعض الحالات، قرابة قرن”.
واستشهد بـ”أرامكو” كمثال، قائلاً إن الشركة تمكنت من توحيد عقود من البيانات التشغيلية في منصة “ميتابرين”، مستخدمة إياها لتقليل كثافة الكربون وتحسين الأداء.
وقال إن الوصول إلى “بيئة تنظيمية ديناميكية” يمكن أن تقدم للبلدان نوع الضمانات القانونية وسيادة البيانات التي تسعى إليها عند استضافة مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية – مبادرة أطلق عليها اسم “سفارة البيانات”.
وأشار الإبراهيم إلى أن السعودية وصلت إلى “قدرة فريدة” على توازن علاقاتها بسبب انفتاحها وأهدافها المعلنة “لفك الإمكانات الكاملة لبلدنا واقتصادنا ومجتمعنا”.
وأضاف: “أظهرنا، مع سجل حافل، التزامنا بالسلام والحوار واستمرار الاستقرار للمساعدة في خلق الرخاء. العالم يعلم أننا جديون جداً في هذا. أصبحت المملكة عاصمة للعمل، وعندما يعترف شركاؤنا بذلك، يفهمون أن التعامل مع المملكة مباشر”.
“الإنفاق بحكمة”
رداً على التكهنات بأن السعودية أعادت ترتيب أولوياتها وحوّلت جزءاً من ميزانيتها من المشاريع المحلية إلى الاستثمارات في الولايات المتحدة – حيث أعلن ولي العهد محمد بن سلمان عن خطط تصل إلى تريليون دولار – قال الوزير إن هذه الفرص “حدثت أن تكون” في تلك السوق لكنها “تسير جنباً إلى جنب مع الاستثمارات المعتمدة والخطط الاستراتيجية التي تصل إلى ذلك الرقم”.
وصرح: “في الوقت نفسه، لماذا لا ننفق بشكل أكثر حكمة إذا أمكن؟ الموجة الأولى من رؤية 2030 تطلبت منا التسليم بأي تكلفة، لكننا انتقلنا من ذلك التسليم بأي تكلفة… الآن نركز على الإنفاق الحكيم”.
وأوضح أن المملكة استثمرت في البداية “في الأماكن الصحيحة” لإرسال إشارة إلى ولادة صناعات جديدة وسد الفجوات وجذب المستثمرين.
وقال: “لكن بعد فترة، (بمجرد) الوصول إلى ذلك وتحقيق ذلك الزخم، حان الوقت لنقول، ‘كيف يمكننا الاستمرار في فعل الشيء نفسه (ولكن) مع إنفاق أكثر حكمة بالتكلفة المناسبة؟’ وهذا ما نركز عليه حالياً. الإنفاق الحكيم ليس متنافياً أو متعارضاً مع أين ننفق رأس المال”.
ومع اقتراب رؤية 2030 من ذكراها العاشرة – حوالي ثلثي الطريق من جدولها الزمني – لا تزال بعض المؤشرات متأخرة، لكن العديد من الأهداف التي اعتبرت طموحة للغاية شهدت تقدماً ملموساً، وهو ما يعزوه الوزير إلى المرونة المضمنة
