اتهمت إيران، الولايات المتحدة، الجمعة، بالمسؤولية عن تصعيد الاحتجاجات داخل أراضيها، معتبرة أن واشنطن لعبت دوراً في تحويلها من “تحركات سلمية إلى أعمال عنف وتخريب”، في وقت صعّد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته محذّراً طهران من عواقب ما وصفه باستخدام العنف ضد المحتجين، وجاء ذلك بالتزامن مع مواقف أوروبية نددت خلالها بـ”سقوط متظاهرين في إيران”، وحثّت ⁠على ‌ضبط ​النفس.

وانقطعت إيران عن العالم الخارجي إلى حدٍ كبير، بعد أن أوقفت السلطات خدمة الإنترنت للحد من اتساع نطاق الاحتجاجات، في وقت أظهرت مقاطع مصورة أبنية ومركبات تشتعل خلال احتجاجات مناهضة للحكومة خرجت إلى الشوارع في عدة مدن.

وقالت منظمات لحقوق الإنسان إنها وثّقت سقوط عشرات المتظاهرين في غضون أسبوعين تقريباً. وبينما أظهر التلفزيون الإيراني الرسمي الاشتباكات والحرائق، ذكرت وكالة أنباء “تسنيم” شبه الرسمية أن عدداً من أفراد الشرطة قتلوا خلال الليل.

طهران تحمل واشنطن المسؤولية

وحمّلت إيران، الولايات المتحدة، مسؤولية “تحويل الاحتجاجات السلمية إلى أعمال عنف تخريبية واسعة النطاق”، وذلك في رسالة لسفيرها لدى الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن، الجمعة.

وكتب السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني، في رسالة اطّلعت عليها وكالة “رويترز”، أن إيران تدين “السلوك المستمر وغير القانوني وغير المسؤول للولايات المتحدة، بالتنسيق مع النظام الإسرائيلي، في التدخل في الشؤون الداخلية لإيران من خلال التهديدات والتحريض والتشجيع المتعمّد على عدم الاستقرار والعنف”.

واتهم إيرواني واشنطن بممارسة “سياسات زعزعة للاستقرار” تقوّض ميثاق الأمم المتحدة، وتنتهك المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وتهدّد أسس السلم والأمن الدوليين.

ترمب يهدد بالرد 

من جانبه، اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إيران “في ورطة كبيرة”، مشيراً إلى أن ما وصفه بسيطرة الناس على مدن معيّنة “أمر لم يكن أحد يعتقد أنه ممكن قبل أسابيع قليلة فقط”.

وأضاف ترمب للصحافيين في البيت الأبيض: “نحن نراقب الوضع عن كثب شديد”، مؤكداً: “بوضوح شديد إنه إذا بدأوا بقتل الناس كما فعلوا في الماضي، فسنتدخل”.

وتابع: “سنضربهم بقوة شديدة حيث يؤلمهم ذلك. وهذا لا يعني إرسال قوات برية، لكنه يعني توجيه ضربات قاسية جداً في نقاط الوجع، ونحن لا نريد أن يحدث ذلك”.

وكان ترمب قال في مقابلة مع فوكس نيوز، الخميس إنه لا يميل ⁠الآن إلى لقاء رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل ‌والذي يقيم خارج البلاد، في إشارة ⁠إلى أنه ينتظر ليرى كيف ستسير الأمور ⁠خلال الأزمة قبل أن يدعم أي زعيم معارض.

وأضاف: “أعتقد أننا ينبغي أن نترك الجميع يخرجون إلى الساحة ونرى من الذي سيبرز… لست متأكداُ بالضرورة من أن هذا هو التصرف المناسب”.

أوروبا تحث على وقف استخدام العنف

بينما ندد قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ​في بيان ​مشترك أصدره مكتب ‌الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، ‍بسقوط متظاهرين في إيران، وحثوا السلطات الإيرانية ⁠على ‌ضبط ​النفس وعدم اللجوء إلى العنف.

وجاء في ⁠البيان “تتحمل ‌السلطات الإيرانية ⁠مسؤولية ⁠حماية شعبها، وعليها ضمان حرية التعبير والتجمع السلمي دون خوف من الانتقام”.

وأعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن “قلقه البالغ إزاء التقارير الواردة بشأن أعمال عنف نفذتها قوات الأمن الإيرانية”، كما “أدان بشدة قتل متظاهرين”.

وقال ميرتس عبر منصة “إكس” إنه إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يحث السلطات الإيرانية على “وقف استخدام العنف، واحترام الحقوق الأساسية للمواطنين الإيرانيين”.

من جانبه ذكر مسؤول أميركي رفيع لموقع “أكسيوس”، أن “الاحتجاجات في إيران خطيرة، وسنواصل مراقبتها”.

خطوط حمراء

وتعهد المرشد الإيراني علي خامنئي في خطاب بثه التلفزيون بعدم التراجع، واتهم المحتجين بأنهم يتصرفون نيابة عن جماعات المعارضة في المهجر والولايات المتحدة، كما هدد مدع عام بتنفيذ إعدامات.

وأصدرت دائرة الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني بياناً قالت فيه إنها “تحذر من أن استمرار هذا الوضع غير مقبول”، وأن ما وصفتها بـ”دماء ضحايا الحوادث الإرهابية الأخيرة تقع على عاتق مخططيها”.

وذكر البيان أن “جهاز استخبارات الحرس الثوري يعتبر حماية منجزات” النظام و”الحفاظ على أمن المجتمع خطوطاً حمراء”، بحسب ما نقلته شبكة CNN الأميركية.

وأضاف: “سنقف إلى جانب الشعب الإيراني العزيز حتى تُهزم خطة العدو بالكامل، ويتم إرساء أمن المواطنين وضمانه”.

وتُعد الاحتجاجات أكبر تحدٍ داخلي يواجه قادة إيران منذ نحو 3 سنوات، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وبعد حرب مع إسرائيل والولايات المتحدة العام الماضي.

وبينما ركزت الاحتجاجات في بدايتها على الأوضاع الاقتصادية، مع فقدان العملة الإيرانية نصف قيمتها أمام الدولار، العام الماضي، وبلوغ التضخم أكثر من 40% في ديسمبر، تطورت لاحقاً لتشمل شعارات تستهدف السلطات مباشرة.

وقالت منظمة “هرانا” الحقوقية الإيرانية، الجمعة، إنها وثقت سقوط ما لا يقل عن 62 شخصاً منذ بدء الاحتجاجات في 28 ديسمبر الماضي، بينهم 14 عنصراً من قوات الأمن و48 متظاهراً.

وأدّى قطع الإنترنت إلى تراجع كبير في تدفق المعلومات من داخل البلاد، كما تعذّرت المكالمات الهاتفية الواردة إلى إيران.

وبثّ التلفزيون الرسمي صوراً قال إنها لحافلات وسيارات ودراجات نارية مشتعلة، إضافة إلى حرائق في محطات مترو أنفاق وبنوك.

وأظهرت مقاطع مصورة تحققت منها وكالة “رويترز” في العاصمة طهران مئات الأشخاص وهم يسيرون في مسيرات، فيما شملت الهتافات شعارات داعمة للنظام الملكي الذي سقط عام 1979.

وقالت منظمة “هنجاو” الحقوقية إن مسيرة احتجاجية عقب صلاة الجمعة في مدينة زاهدان، ذات الغالبية من الأقلية البلوشية، قوبلت بإطلاق نار أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص.

ووصفت السلطات الإيرانية الاحتجاجات بأنها “مشروعة”، في حين أدانت ما سمّته أعمال شغب عنيفة، وشددت إجراءاتها الأمنية.

الموقف الرسمي الإيراني

وكان الرئيس مسعود بيزشكيان دعا، الأسبوع الماضي، السلطات على اتباع “نهج يتسم بالرحمة والمسؤولية”، وقدمت الحكومة حوافز مالية متواضعة للمساعدة في مواجهة تفاقم الفقر مع ارتفاع التضخم.

لكن مع اتساع دائرة الاضطرابات وازدياد حدّة الاشتباكات، استخدم المرشد الإيراني، لهجة أكثر تشدداً، قائلاً: “الجمهورية جاءت إلى السلطة بدماء مئات الآلاف من الشرفاء، ولن تتراجع في مواجهة المخربين”، متهماً المشاركين في الاحتجاجات بالسعي لإرضاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

من جهته، قال المدعي العام في طهران إن “من يرتكبون أعمال تخريب أو يحرقون الممتلكات العامة أو يشتبكون مع قوات الأمن سيواجهون عقوبة الإعدام”.

ورغم تصاعد الضغوط، استبعد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، احتمال التدخل العسكري الأجنبي في إيران، معتبراً أنه “ضئيل للغاية”، واتهم إسرائيل بـ”التدخل المباشر” في الاضطرابات التي تشهدها إيران منذ أواخر ديسمبر الماضي احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية.

معارضة منقسمة

ودعت فصائل المعارضة الإيرانية في الخارج إلى مواصلة الاحتجاجات، فيما ردّد المتظاهرون شعارات تستهدف إسقاط النظام.

وقال رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: “أنظار العالم عليكم. انزلوا إلى الشوارع”.

غير أن حجم الدعم داخل إيران للنظام الملكي أو لمنظمة “مجاهدي خلق”، وهي من أبرز جماعات المعارضة في الخارج، يبقى محل جدل. وقال متحدث باسم المنظمة إن “وحدات تابعة لها شاركت في الاحتجاجات”.

فيما أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن “انزعاجه الشديد من تقارير العنف ومن قطع الاتصالات”.

وشهدت إيران على مدى عقود موجات متكررة من الاضطرابات الشعبية الواسعة، بما في ذلك احتجاجات الطلاب عام 1999، والمظاهرات الحاشدة احتجاجاً على نتائج انتخابات متنازع عليها عام 2009، ومظاهرات عام 2019 احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية الصعبة، واحتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022.

شاركها.