اخر الاخبار

يوم الشعر العالمي: أصوات عربية من أجل الحرية والقضية

عام 1999، أعلنت اليونسكو 21 مارس من كل عام يوماً عالمياً للشعر، استجابة لمقترح قدّمه الشعراء محمود درويش، فدوى طوقان، وعز الدين المناصرة، احتفاءً بالكلمة ودورها في التعبير عن الإنسان ومواجهة تحوّلات العالم.

يحلّ يوم الشعر العالمي وسط ظروف غير مثالية، وفي ظل الإبادة التي يتعرّض لها المدنيون في غزة، والاعتداءات التي طالت لبنان، ومجازر الساحل في سوريا، والنزاع الأهلي في السودان، وما تشهده المنطقة من اضطرابات ومآسٍ متواصلة.

 في هذا السياق، طرحنا على بعض الشعراء سؤالاً حول معنى الكتابة الشعرية وجدواها، وهل لا يزال الشعر قادراً على التأثير في عالم تحكمه الوحشية والخراب، وهل يقتصر دوره على توثيق الألم، وهل للكلمة أن تُحدث تغييراً في زمن بات فيه المعنى عاجزاً أمام دورات العنف المتكررة؟

لحظة تراجيدية

لطالما ساد الاعتقاد بأن الشعر فقد مكانته، خاصة مع تغيّر دور الشاعر في العالم الحديث. ومع تسارع الأحداث وتحولات العصر، بدا وكأن الكلمة الشعرية لم تعد تملك ذلك التأثير العميق الذي ميّزها عبر التاريخ.

 يقول الشاعر الفلسطيني سامر أبو هواش: “قبل سنوات ترسّخت لدي كما لدى الكثيرين، قناعة راسخة بأن الشعر لم يعد مهماً. الأهمية هنا لعلها تأتي من مكانة الشاعر المفترضة على مرّ التاريخ، فإذا ما تدنّت هذه المكانة، ظننا أن الشعر نفسه تدنّت مكانته”. 

يضيف: “في وقتنا هذا، وخلال الجنون المتواصل/ المستجد في العالم، الذي لا نعرف بعد عمقه ومداه الحقيقيين، تبين لي أني كنت مخطئاً في قناعتي تلك. خلال الحرب الوحشية الأخيرة على غزة، كُتبت مئات إن لم يكن آلاف القصائد من قبل فلسطينيين وغيرهم، وإن لا يزال مبكراً معرفة ما سيصمد منها أمام اختبار الزمن، وما سيطويه النسيان، ليس المهم ما يبقى وما يُنسى، المهم هو أن تلك الأصوات شعرت بحاجة ملحّة إلى الاستجابة لفداحة اللحظة، وشعر أصحابها أن شيئاً في وجودهم، وفي معرفتهم بأنفسهم، سيكون ناقصاً، بل ربما يصل إلى حدّ الخيانة الأخلاقية، إن هم لم يسجّلوا شهادتهم على ما جرى ويجري”.

من خلال ديوانه “من النهر إلى البحر”، الذي صدر بالتزامن مع الحرب على غزة، يؤكد الشاعر “أن الكتابة هي الوسيلة التي يمكن من خلالها أن نسجّل شهادتنا للأجيال القادمة، وأننا لم نكن غافلين عما يجري، وأن حرب غزة، ومثلها من قبل حرب سوريا، وقبلها حرب العراق ولبنان، وغيرها من الساحات، هي أحداث تطبع الحياة بطابعها لعقود تالية”. 

ولفت أبو هواش إلى مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع خلال الحرب الجارية، يتخيّل الناس بعد سنوات من الآن، حيث يسأل الأطفال ذويهم وهم يشاهدون فظائع حرب الإبادة: أين كنتم خلال الحرب، وماذا فعلتم؟ فيطأطئ معظمهم الرؤوس خجلاً، إذ سمحوا بحصول ذلك، بل وتجاهلوا ولو بالكلام حجم الفظاعات المرتكبة. 

يعتبر أبو هواش أن “هذا الفيديو يعبّر عن ذلك الشعور الملح الذي راود العشرات منا، فنانين وشعراء وكُتّاب قصّة ورواية ورسامين ومصوّرين وغيرهم، ليس ونحن نشاهد أعمال القتل الجماعي الرهيبة فحسب، بل ونحن نشهد محاولات تطبيع العالم مع تلك الجرائم، وكأنها حتمية أو نتيجة طبيعية أو محض وقائع سياسية. فجاء الرد الذي يشبه ما يعصف بالجسد وحواسه عند اختبار المشاعر الكبرى، أكثر مما ينبع من حالة ذهنية أو قرار بارد، عبر الكتابة”. 

ويسأل الشاعر: “هل سيبقى شيء من هذا كله؟ لا أعرف، وليس مهماً في الحقيقة أن يبقى شيء. المهم أننا – من يبقى حياً منّا بعد سنوات-  لن يطأطئ رأسه خجلاً، وهو يقول للأجيال المقبلة، إنه كان غافلاً عما جرى، أو غير مدرك لفداحته”.

لا أحد ينوب عن الشاعر في وظيفته 

يشير الشاعر اللبناني شوقي بزيع، إلى الأيام العالمية التي تخصّص لمناسبات مختلفة، معتبراً أنها “ليست مجرد تواريخ تُدرج في التقويم، بل محاولات لإبراز قضايا جوهرية، والتأكيد على قيم أساسية قد يتم إهمالها وسط صخب الأحداث”. 

في هذا السياق، يرى أن تخصيص يوم عالمي للشعر، “هو تكريم لهذا الفن الخالد الذي رافق البشرية منذ نشأتها، لكنه أيضاً اعتراف ضمني بالتقصير في حقه، تماماً كما هو الحال مع المرأة أو المعلم أو العامل، الذين نخصّص لهم أياماً للتكريم، تعويضاً عن الغبن اللاحق بهم. وهكذا، تصبح هذه المناسبات أشبه بنُصبٍ تذكارية رمزية، لما لم يُنظر إليه بعناية كافية”.

يعتبر بزيع أن الشعر “لا يُعنى بحل الأزمات، بل يتخذ مساراً مختلفاً، متحرراً من إيقاع الأحداث اليومية، ومتجذراً في أسئلة الوجود الكبرى”. 

يقول: “منذ صغري، ويسألني البعض عن دور الشعر في مواجهة الأزمات الكبرى، ودائماً أجد الإجابة ذاتها: الشعر ليس معنياً بإيجاد حلول للحروب والكوارث، بل هذه مسؤولية السياسيين وأصحاب القرار. الشعر يتحرك في بعدٍ آخر، أكثر عمقاً وبطأً، ينشغل بأسئلة الوجود، الحب، الموت، والخلود. إنه ليس مراسلاً حربياً يوثّق المعارك، بل مراسل للأبدية، يمضي ببطء، غير معني بالمطالب المباشرة، بل بالتأمل في جوهر الأشياء”.

يضيف: “هناك داء يشبه داء المفاصل بالنسبة للنقّاد، أي أنهم عند المفاصل الكبرى والأساسية، عند المنخفضات والمنعطفات، عند الانقلابات والثورات والحروب، يطالبون الشاعر دائماً بأن يقدم لهم وصفات جاهزة عما يحدث، ويتهمونه بالتقصير، وذلك افتراء على الشعر. وهذا لا يعني إعفاء الشاعر من مهماته، بقدر ما يعني أن الشاعر، فيما يلتزم بقضايا إنسانية بهذا الحجم، هو يلتزم بها بأدواته الخاصة وليس بأدواتها”.

الحارس الأمين للتحولات الكبرى

ترى الشاعرة والأكاديمية العُمانية عزيزة الطائي، “أن الشعراء على مرّ العصور، استلهموا موضوعاتهم من التحوّلات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ما جعل الشعر شاهداً حياً على مسار الإنسانية”.

 كما تعتبر أنه “لولا هذا التوثيق الشعري للأحداث الكبرى، لما استطعنا قراءة التاريخ من زاوية وجدانية وتفاعلية، حيث كان الشعر دائماً في قلب المواقف التي شكّلت الوعي الإنساني، وأسهمت في رسم ملامح الحضارات”.

وتؤكد الطائي أن  الشعر “بقي على مرّ العصور “الحارس الأمين” للتحولات الكبرى التي شهدها العالم. وهذا ما يضمن أهمية الشاعر الحقيقي، وضرورة حضوره الفاعل في المشهد الاجتماعي والسياسي والإنساني، باعتباره شاهداً على العصر ومعبّراً عن قضاياه”.

لا يكتفي الشعر برصد الأحداث، بل يعيد تشكيلها بلغة تكشف المخفي، وتمنح صوتاً لمن لا صوت لهم. تقول الطائي: “الشاعر العربي، بقي أمام الأزمات والحروب، شاهداً ومتفاعلاً، كاشفاً ومتمرّداً، يلمس الألم ويعبّر عنه بعمق. يرى ما يعجز عنه الآخرون، فيوثق معاناة الإنسان المنهك بالصراعات والظلم”.

تراجع دوره في تغيير العالم

يستعيد الشاعر العراقي عبود الجابري التأمل في مقولة شاعر “تشيلي”، اعتبرت الشعراء مُشرّعي العالم المغيّب، ملاحظاً أن الشعر اليوم “أصبح عنصراً جمالياً هامشياً أكثر من كونه قوة تغييرية”.

وفي زمن كان للشعر سطوته على الحياة الاجتماعية والثقافية، أصبح الآن ثانوياً، كما يرى الجابري، “وبينما أتذكر ما كتبته موريل روكيسر من أن العالم ليس مصنوعاً من الذرات، بل مصنوع من القصص، أجدني أشفق على هذا التناول الذي كان يمجدّ سطوة الكتابة الشعرية في التأثير على كينونة المجتمعات، يوم كان الشعر والشعراء عنصراً فاعلاً في تغيير القناعات وإشعال الثورات”.

يضيف: “في هذا المنحى، علينا أن نأخذ بالاعتبار عوامل عدّة أفضت بالشعر إلى أن يكون هامشياً، لا يملك التأثير الذي كان يمارسه يوم كان الشاعر هو لسان حال الشعب أو لسان حال الحاكم، فلم تعد للشعر القدرة على تثوير المجتمع أو تحفيزه، إلا بسلاح الكلمة التي تحمل التأييد أو التنديد، أسوة بما تفعله الأمم المغلوبة على أمرها”.

وفي الإشارة إلى الأسباب التي أدت إلى أفول نجم الشعر، يشير جبور إلى عوامل عدّة، “منها الحراك الشكلي واللغوي الذي أوجدته المدارس الشعرية المتتالية، ما جعل بعض ما يُكتب من الشعر، وصفة نخبوية تتداولها فئة محدودة من القرّاء، يضاف إلى ذلك الصراع المكتوم بين الشعر والسلطة، الذي يكون فيه الشاعر هو الحلقة الأضعف، لا سيما حين يتبنى رأيا معارضاً، في ظل أنظمة تتبنى عبارة أظن أنها تُنسب للحجاج بن يوسف الثقفي حين قال: “من قال برأسه هكذا، قلنا له بالسيف هكذا”..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *