كشفت بيانات رسمية للجيش الإسرائيلي عن ارتفاع في عدد حالات الانتحار بين الجنود خلال عام 2025، في ظل تداعيات الحرب المستمرة على قطاع غزة، وسط تحذيرات عسكرية من ضغوط نفسية متراكمة قد تجعل الأعوام المقبلة أكثر صعوبة، وفق ما أوردته صحيفة “هآرتس”.
وقالت الصحيفة في تقرير نشرته إن 22 جندياً في الخدمة الفعلية أنهوا حياتهم بالانتحار خلال العام الماضي، وهو أعلى رقم يُسجَّل منذ عام 2010، حين أنهى 28 جندياً حياتهم.
وأضافت الصحيفة أن الحصيلة ارتفعت إلى 22 بعد وفاة جندي يؤدي الخدمة الإلزامية من سلاح الهندسة القتالية انتحاراً، الأربعاء في جنوب إسرائيل.
وذكرت أن الشرطة العسكرية فتحت تحقيقاً في الواقعة، على أن تُحال نتائجه إلى النيابة العسكرية العامة لمراجعتها.
وبحسب بيانات الجيش الإسرائيلي، فإن 12 من الجنود الذين توفوا بالانتحار في عام 2025 كانوا من المجندين الإلزاميين، و9 من جنود الاحتياط، وجندياً واحداً من العسكريين الدائمين.
وأظهرت البيانات أن 12 منهم كانوا جنوداً مقاتلين، فيما خدم 5 في أدوار دعم قتالي، و5 آخرون في وظائف غير قتالية.
“آثار القتال”
وكشف تحليل إضافي أن 14 حالة وقعت خارج القواعد العسكرية، مقابل 8 حالات داخلها، كما أشارت البيانات إلى أن 5 من الجنود كانوا معروفين لدى ضباط الصحة النفسية وتحت رعايتهم، من بينهم مشغّل طائرات مسيّرة رفيع المستوى أنهى حياته مؤخراً بعد أن قال إنه لم يعد قادراً على تحمّل آثار القتال.
وأظهرت إحصاءات رسمية للجيش الإسرائيلي أن عدد الجنود الذين توفوا بالانتحار أثناء الخدمة الفعلية، سواء في الخدمة النظامية أو في قوات الاحتياط، شهد ارتفاعاً منذ اندلاع الحرب في غزة مقارنة بالسنوات السابقة.
ووفقاً للبيانات، فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى نهاية ذلك العام، انتحر 7 جنود في الخدمة الفعلية، بينما شهد عام 2024 وفاة 21 جندياً بالطريقة نفسها. وفي العقد الذي سبق الحرب، بلغ المتوسط السنوي لحالات الانتحار في الجيش 12 حالة.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه لم تُحدَّد عوامل مشتركة واضحة بين حالات الانتحار منذ بدء الحرب، سواء من حيث الوضع العائلي أو الخلفية الاقتصادية أو ظروف الخدمة.
وعزا مسؤولون عسكريون الزيادة في عدد هذه الحالات خلال فترة الحرب إلى الارتفاع الكبير في أعداد الأفراد الموجودين في الخدمة الفعلية، ولا سيما جنود الاحتياط.
غير أن مصادر عسكرية أوضحت، بحسب الصحيفة، أن تحليل الحالات يُظهر تراجعاً في حالات الانتحار الناتجة عن ظروف شخصية غير مرتبطة بالانتشار القتالي منذ بدء الحرب، ما يشير إلى أن كثيرين ممن أنهوا حياتهم كانوا قد تعرضوا لمشاهد وأحداث قتالية قاسية يُرجَّح أنها أثّرت في صحتهم النفسية.
“عام صعب”
وحذّر مسؤولون في الجيش الإسرائيلي من أن عام 2026 يُتوقَّع أن يكون “عاماً صعباً” نتيجة الضغوط المتراكمة بعد فترة طويلة من القتال.
ووفقاً لهم، يستعد الجيش لمرحلة ما بعد الحرب، حيث يُتوقَّع في وحدات مختلفة أن يعيّن القادة عناصر مخصّصة للتعامل مع قضايا الصحة النفسية والوقاية من الانتحار.
غير أن بيانات الجيش، بحسب التقرير، لا تعكس الصورة الكاملة للظاهرة، إذ لا تشمل الجنود الذين أنهوا حياتهم بعد مغادرتهم الخدمة الفعلية.
ويقدّر مسؤولون عسكريون أنه منذ بدء الحرب، أنهى نحو 15 جندياً سابقاً خدموا خلال النزاع حياتهم بعد تسريحهم.
وعلى خلاف مَن توفوا أثناء الخدمة، لا يُعترف بهؤلاء رسمياً بوصفهم “قتلى جيش”، رغم أن عائلاتهم تستطيع التقدّم بطلب إلى وزارة الدفاع للاعتراف بهم على أنهم “جنود سقطوا بعد التسريح”.
وأوضحت الصحيفة أن وزارة الدفاع الإسرائيلية توافق على الطلبات التي يُثبت فيها وجود صلة بين الخدمة العسكرية وحالة الانتحار، ولا سيما في الحالات التي كان فيها المتوفى معترفاً به من قبل إدارة التأهيل بسبب معاناة نفسية.
ومع ذلك، وحتى في الحالات التي يُعترف فيها بحالات الانتحار بعد الخدمة بوصفها وفيات مرتبطة بالخدمة العسكرية، لا تُقام للمتوفين جنازات عسكرية، ولا يُدفنون في مقابر عسكرية، خلافاً لمَن توفوا بالطريقة نفسها أثناء الخدمة الفعلية.
“ظاهرة”
وفي ظل ارتفاع حالات الانتحار بعد التسريح، ذكرت “هآرتس”، أن وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان هرتسي هاليفي شكّلا لجنة برئاسة اللواء احتياط موتي ألموز لدراسة الظاهرة.
وأوضحت الصحيفة أن اللجنة نشرت نتائجها، الثلاثاء، وقررت أن يقدّم الجيش الإسرائيلي دعماً لعائلات الجنود الذين توفوا بالانتحار بعد انتهاء خدمتهم، وذلك في الحالات التي يُظهر فيها الفحص الأولي وجود صلة بين الانتحار والخدمة العسكرية.
وفي ختام التقرير، قالت الصحيفة إنها تحدثت إلى 5 عائلات لجنود خدموا خلال الحرب وأنهوا حياتهم بعد تسريحهم.
ووجّهت هذه العائلات انتقادات حادة لتوصيات اللجنة، ووصفتها بأنها “سخيفة”، مشيرة إلى نيتها التقدّم بالتماس إلى المحكمة العليا للمطالبة بالمساواة في الحقوق بين مَن توفوا بالانتحار بعد التسريح ومَن توفوا بالطريقة نفسها أثناء الخدمة الفعلية.
