أعلن معلمون في ريف الحسكة الجنوبي إضرابًا عامًا عن العمل وتعليق الدوام في المدارس، مطالبين بتثبيتهم ضمن ملاك وزارة التربية السورية ودمجهم رسميًا في هيكليتها، أسوة بما يُطرح في مناطق أخرى من شمال شرقي سوريا.
واجتمع مئات المعلمين صباح اليوم، الأحد 22 من شباط، في مدينة الشدادي، جنوبي الحسكة، حيث تلا ممثلون عنهم بيانًا باسم معلمي الريف الجنوبي وشمال المجمعات التربوية في كل من الشدادي والعريشة ومركدة وتل الشاير.
وأعلنوا بدء إضراب مفتوح حتى تحقيق مطالبهم، مؤكدين أن الخطوة جاءت بعد “استنفاد جميع الوسائل” ومحاولات التواصل دون تلقي رد واضح بشأن وضعهم القانوني والإداري.
مطالب محددة وزيارة منتظرة
جاء في بيان المعلمين أن مطالبهم تتمثل في أربع نقاط رئيسية: إرسال لجنة من وزارة التربية إلى المجمعات التربوية في الريف الجنوبي لاستكمال إجراءات دمج المعلمين واستلام أوراقهم الثبوتية تمهيدًا لصرف رواتب شهرية لهم، واحترام كرامة المعلم وعدم الإساءة إليه من أي جهة، وإدراج رواتبهم ضمن الجداول الدائمة للدولة أسوة بمعلمي إدلب ومنبج، إضافة إلى تحييد القطاع التربوي عن الصراعات السياسية والمحاصصة في محافظة الحسكة.
وقال المعلم علي الجراد، أحد منظمي الإضراب، في حديث إلى، إن عدد المعلمين في المجمعات التربوية الأربع المشمولة بالإضراب يقارب 2,500 معلم ومعلمة، موضحًا أنهم عملوا طوال السنوات العشر الماضية ضمن “هيئة التعليم” التابعة لـ“الإدارة الذاتية”، وكانوا يشرفون على إدارة القطاع التعليمي في ريف الحسكة الجنوبي.
وأضاف الجراد أن هؤلاء المعلمين “لم يتوقفوا عن أداء واجبهم التعليمي رغم تغير السيطرة العسكرية على المنطقة”، مشيرًا إلى أنه عقب انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من الريف الجنوبي، امتنعت “هيئة التعليم” عن صرف رواتبهم عن الشهر الأخير الذي سبق الانسحاب.
وأوضح أن الحكومة السورية، عقب سيطرتها على المنطقة، طلبت من المعلمين الالتحاق بمدارسهم والاستمرار في العملية التعليمية، وهو ما التزم به المعلمون، بحسب قوله، “حرصًا على الطلاب وعدم ضياع العام الدراسي”، إلا أن ثلاثة أسابيع مضت على مباشرتهم الدوام دون تلقي أي توضيح رسمي بشأن وضعهم القانوني أو الإداري أو مصير رواتبهم.
“لا نريد سوى تثبيت رسمي”
أكد الجراد أن المعلمين مستمرون في الإضراب حتى وصول لجنة رسمية من وزارة التربية إلى المجمعات التربوية، للاطلاع على أوضاعهم ميدانيًا واستلام أوراقهم الثبوتية تمهيدًا لإدماجهم في الملاك الرسمي.
وقال، “نحن لا نطالب بامتيازات إضافية، بل بتثبيت قانوني واضح ودمج رسمي ضمن وزارة التربية، أسوة بما يُطرح في مناطق أخرى ما تزال خاضعة لسيطرة قسد، حيث يجري الحديث عن ترتيبات لدمج معلمي الإدارة الذاتية هناك ضمن هياكل الوزارة”.
وأضاف أن المعلمين يشعرون بـ“الغبن”، لأنهم باشروا العمل فور طلب الجهات الرسمية منهم ذلك، دون حصولهم على أي ضمانات مكتوبة أو شفوية بشأن رواتبهم أو مستقبلهم الوظيفي.
وتابع، “العملية التعليمية لا يمكن أن تستمر في ظل هذا الغموض، فالمعلم بحاجة إلى استقرار وظيفي وراتب منتظم ليؤدي عمله كما يجب، ونحن اليوم بلا رواتب منذ شهرين، وبلا وضع قانوني محدد”.
وأشار إلى أن الإضراب يشمل المدارس الواقعة ضمن نطاق المجمعات التربوية المذكورة، وأن الإدارات المدرسية أُبلغت بالقرار رسميًا، مؤكدًا أن الخطوة جاءت بعد مشاورات واسعة بين المعلمين.
“مضايقات ومشادات داخل المدارس”
المعلمة زينة العلي قالت ل إنها تشارك في الإضراب مع بقية معلمي الريف الجنوبي، مؤكدة أن الأجواء داخل بعض المدارس شهدت توترات خلال الأسابيع الماضية.
وأوضحت أن عددًا من المعلمين التابعين للحكومة السورية وجهوا اتهامات إلى معلمي المجمعات السابقة بأنهم “انفصاليون” أو “جزء من مشروع قسد”، ما تسبب، بحسب قولها، بعشرات المشادات الكلامية في مدارس مختلفة من الريف الجنوبي، وكاد بعضها يتطور إلى إشكالات أكبر لولا تدخل إدارات المدارس.
وأضافت، “نحن معلمون قبل أي شيء، عملنا في التعليم خلال ظروف صعبة جدًا، ولم ننخرط في أي عمل سياسي. كل ما نريده اليوم أن يُنظر إلينا ككوادر تعليمية ذات خبرة لسنوات طويلة، لا كطرف في صراع سياسي”.
وأكدت أن المعلمين يشعرون بـ“ازدواجية في التعاطي” مع ملف الدمج، موضحة أن الحكومة السورية تعلن سعيها لدمج الكوادر التعليمية في المناطق التي ما تزال خاضعة لسيطرة قسد، بينما “تُهمل المعلمين في المناطق التي سيطرت عليها مؤخرًا”، بحسب تعبيرها.
وقالت، “نسمع عن لجان ولقاءات وترتيبات لدمج معلمي الإدارة الذاتية في مناطق أخرى، بينما نحن الذين أصبحنا ضمن مناطق سيطرة الحكومة لا يُلتفت إلينا، ولا يُحسم وضعنا، رغم أننا باشرنا العمل بطلب رسمي”.
“رمضان دخل وبيوتنا فارغة”
وتطرقت العلي إلى الأثر المعيشي المباشر للأزمة، مشيرة إلى أن المعلمين حُرموا من رواتبهم لشهرين متتاليين، الأول من “هيئة التعليم” قبل انسحابها، والثاني لم يُصرف من أي جهة بعد تغير السيطرة.
وأضافت، “أبسط حقوق المعلم هو الراتب. نحن اليوم بلا دخل، وها هو شهر رمضان قد دخل وبيوتنا فارغة من كثير من المواد الغذائية نتيجة هذا الوضع. لدينا عائلات وأطفال والتزامات يومية”.
وأشارت إلى أن المعلمين كانوا يأملون بحسم سريع لملفهم الوظيفي فور تغير السيطرة، إلا أن الأسابيع الماضية مضت دون أي إعلان رسمي يحدد آلية التعامل معهم.
وأكدت أن الإضراب “ليس موجهًا ضد الطلاب أو العملية التعليمية”، بل هو خطوة اضطرارية لإيصال صوتهم، داعية وزارة التربية إلى إرسال لجنة ميدانية بشكل عاجل.
سياق أوسع لتغيرات ميدانية
يأتي إضراب معلمي الريف الجنوبي للحسكة في سياق تطورات عسكرية وإدارية شهدتها مناطق شمال شرقي سوريا منذ منتصف كانون الثاني الماضي، حيث سيطر الجيش السوري على كامل محافظتي الرقة ودير الزور، إضافة إلى الأرياف الجنوبية والشرقية لمحافظة الحسكة.
وبعد هذه التطورات، انحسر وجود “قسد” في المدن الرئيسة بمحافظة الحسكة وبعض أريافها، قبل أن يُعلن في نهاية كانون الثاني عن اتفاق بين الحكومة السورية و“قسد”، تضمن بنودًا تتحدث عن دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية التابعة لـ“الإدارة الذاتية” ضمن هياكل وزارات الحكومة السورية.
إلا أن مصير عدد من المؤسسات التي كانت تتبع لـ“الإدارة الذاتية” في المناطق التي خرجت عن سيطرة “قسد” بقي غير واضح، في ظل تركّز عمليات الدمج المعلنة على المؤسسات التي ما تزال خاضعة لسيطرة “قسد”.
ويقول معلمو الريف الجنوبي إنهم يجدون أنفسهم في “منطقة رمادية”، إذ لم يعودوا تابعين فعليًا لـ“هيئة التعليم” بعد انسحابها، وفي الوقت نفسه لم يصدر قرار رسمي بدمجهم ضمن وزارة التربية، ما وضعهم أمام واقع إداري غير محسوم.
وفي ختام حديثه، شدد علي الجراد على أن المعلمين “مستعدون لاستئناف الدوام فور تلقي ضمانات واضحة وخطوات عملية”، مؤكدًا أن مطلبهم يقتصر على الدمج الرسمي وصرف الرواتب بعيدًا عن أي تجاذبات سياسية.
أما زينة العلي فاختتمت بالقول، “نحن أبناء هذه المنطقة وطلابنا أبناؤنا، لكن لا يمكن أن نستمر في العمل دون اعتراف قانوني ودون راتب. ننتظر خطوة عملية تعيد لنا الاستقرار الوظيفي والكرامة التي يستحقها المعلم”.
Related
المصدر: عنب بلدي
