“إلى أي مدى يمكنك الاستمرار في أمر ما، بعد النقطة التي يتوقف فيها إيمانك به؟”
هكذا يسأل كارل بيرنشتاين زميله بوب وودوارد في صحيفة “واشنطن بوست”، والمتورط معه في أهم تحقيق استقصائي في تاريخ الرئاسة الأميركية (فضحية ووترجيت)، وذلك عندما يتعرضان إلى ضربة معلوماتية قاصمة تعيق تقدمهم في سلسلة التحقيقات التي بدأوها قبل شهور، بخصوص إثبات تورط عدد من مسؤلي إدارة الرئيس نيكسون، في التجسس والأنشطة المضادة للحزب الديمقراطي المنافس لهم.
ربما كان سؤال الإيمان بالقضية هو أحد أهم الأسئلة التي بقيت بعد 50 عاماً من إنتاج فيلم All the President’s Men “كل رجال الرئيس”، الفيلم الذي يعتبره الكثيرون واحد مؤسسي نوع الإثارة السياسية المبنية على أحداث حقيقية، والذي لا يزال بعد نصف قرن من إنتاجه أحد أبرز إنتاجات السينما الأميركية في سنوات السبعينات، وأحد أهم الاقتباسات – التي يمكن أن تدرّس- لمادة غير روائية مأخوذة عن كتاب بنفس الاسم، للثنائي الصحفي بيرنتشاين-ودوارد، حول رحلة تفجيرهم للقضية، والانتصار الذي حققاه على مدار عامين من البحث والتقصي.
في عام 1972، ظهر إلى العلن أطراف الأزمة السياسية الخطيرة، التي عرفت فيما بعد بفضيحة “ووترجيت”، وهي الفضيحة التي أودت بفترة الرئاسة الثانية للرئيس الأميركي رقم 37 ريتشارد نيكسون، والذي تولى الرئاسة للمرة الأولى عام 68، وقت أن كانت أميركا متورطة حتى ذقنها المتسخ في وحل فيتنام، والحرب العربية الإسرائيلية التي كانت قد بدأت عام 67، وصارت واحدة من ساحات القتال البارد مع الاتحاد السوفيتي آنذاك.
وفي أواخر عام 72، وقبل إعادة انتخاب نيكسون لولاية ثانية، تم القبض على مجموعة من الأشخاص داخل واحد من مقرات الحزب الديمقراطي المنافس، ضمن مجمع بنايات ووترجيت بالعاصمة واشنطن، وهو الخيط الذي التقطه الصحفي الشاب بوب ودواورد وبدأ مع زميله برنشتاين، بتكليف من رئيس التحرير الصحفي المخضرم بن برادلي – حاز الممثل جيسون روبردس على أوسكار أفضل ممثل مساعد عن الدور- بالتقصي حول القضية الحساسة وغير المسبوقة في تاريخ الدولة الأقوى بالعالم.
وفي سبتمبر عام 74، تقدم نيكسون أخيراً باستقالته، بعد أن تم اتهامه بالتجسس على معارضيه، وعرقلة العدالة، وبلغ عدد الأشخاص المتورطين في الفضيحة الشهيرة 69 شخصاً، على رأسهم عدد كبير من المسؤولين في حملة نيكسون، ومسؤولي إدارته بالبيت الأبيض، واثنين من الوزراء، والعديد من عملاء المخابرات الأميركية، وكلهم مجتمعين يشكلون الجملة المشار إليها في عنوان الفيلم (كل رجال الرئيس).
رحلة إلى الشاشة
وفي نفس العام، وبمجرد صدور الكتاب، اشترى الممثل والمخرج والمنتج روبرت ريدفورد الحقوق الخاصة بتحويله إلى السينما من وودورد وبرنشتاين، مقابل 450 ألف دولار، وكان ريدفورد يتابع سلسلة المقالات التي بدأها الثنائي عام 1972.
ثم قرر اسناد اقتباس الكتاب إلى كاتب السيناريو المخضرم وليام جولدمان، الذي سبق وان حاز الأوسكار عام 71 في فيلم Butch Cassidy and the Sundance Kid من إخراج جورج هيل وبطولة ريدفورد وبول نيومان- وقد حاز جولدمان على تمثاله الأوسكاري الثاني عن سيناريو All the President’s Men، كأفضل سيناريو مقتبس عام 1977.
كان الترشيح الأول بالنسبة لريدفور في دور برنشتاين هو آل باتشينو، إلا أنه حين التقى بداستين هوفان شعر أنه مناسب أكثر للدور (ثمة تباين شكلي واضح بين طول ريدفور وشعره الأشقر، وبين قصر قامة هوفان وشعره الأسود الطويل، وهو تباين عزة فكرة الثنائي الملتحم في الافكار والمبادئ)، وتم إسناد إخراج الفيلم للمخرج صاحب البصمة التي سوف تظل لسنوات تنسب له المهارة في تشكيل عوالم هذا النوع ؛ آلان جي باكولا، والذي حاز على ترشيح لأوسكار أفضل إخراج ضمن الترشيحات الثمانية التي حققها الفيلم (أفضل إخراج وسيناريو وتمثيل مساعد رجال ونساء ومونتاج وإخراج فني وتصميم صوت بالإضافة إلى أفضل فيلم)، حقق منها 4 جوائز في التمثيل المساعد رجال والسيناريو وتصميم الصوت والإخراج الفني، وحقق 10 ترشيحات لجوائز البافتا و4 ترشيحات للجولدن جلوب، وفي عام 2010 تم اختياره للحفظ في السجل الوطني للأفلام بالولايات المتحدة من قبل مكتبة الكونجرس باعتباره أثر فني ذا أهمية ثقافية وتاريخية وجمالية.
“إنهما جائعان”
ما الذي يجعل All the President’s Men فيلماً ذا بصمة نوعية، لها القدرة على الصمود والتشكل كمرجعية لأفلام مماثلة؟، في عام 1993 قدم نفس المخرج آلان باركولا ملحمته السياسية The Pelican Brief (1993)، حول قصة فساد تخص أيضاً مؤسسة الرئاسة من بطولة دينزل واشنطن وجوليا روبرتس، وانشغلت المقارنات النقدية وقتها بالإشارة إلى جذور النوع التي ترسخت مع فيلمه السبعيناتي الذي صار أباً للنوع.
ربما كانت أبرز الأسباب، هي القدرة على شحن الانفعال عبر صراع بين طرف ظاهر، هو الثنائي الصحفي، وطرف خفي متبدل الأسماء والوجوه، وانفلات الحقيقة المستمر أو ظهورها مفتتة بشكل يصعب معه التأكد أو تحقق اليقين الكامل، الكثير من مشاهد الفيلم تدور بين الثنائي الصحفي وبين أصوات نسمعها فقط على الهاتف، لا نرى الطرف الآخر ولا ندرك مدى صدقه أو كذبه أو مراوغته.
يضع السيناريو والإخراج الثقل الانفعالي الكامل للمكالمة على وجه ريدفور أو هوفان، مما يجعل المتفرج ينجذب بشدة لمتابعة تفاصيل كل ثانية في المكالمات رغم الطول النسبي إيقاعياً لبعضها، ومع احتفاظ كامل بالخلفية الصوتية لصالة تحرير الواشنطن بوست المزدحمة بتكتكات الآلات الكاتبة أو رنين التليفونات أو المحادثات الجانبية بين الصحفيين، وعبر حساسية صوتية لا تجعل الخلفية تطغى على المكالمة أو تعزلها عن البيئة الصوتية للمكان، وهو ما يمكن اعتباره أحد حيثيات حصوله على أوسكار أفضل تصميم صوتي.
الأمر هنا ليس تقنياً فقط، ولكن ثمة رؤية من وراء هذا التصميم، رؤية تتجلى في جملة يقولها مدير تحرير الصحيفة لرئيسه عندما يتجادلان في البداية، حول أهمية كل من برنتشاين وودورد كصحفيين لتحمل مسؤولية تحقيق ضخم وحساس مثل هذا: “إنهما جائعان! هل تذكر عندما كنا جائعين مثلهما؟”، أي أن الثنائي لديه الميزة المؤهلة لتتبع مثل هذا القصة الغامضة والمربكة (الجوع الصحفي للحقيقة).
عندما نتابع رحلة الثنائي وتقلباته بين المصادر وشح المعلومات، ومحاولات استخلاصها بشتى الصور الرسمية وغير الرسمية، ندرك أننا أمام تأصيل بديع لميزة وجود صحافة حرة في مواجهة أكبر سلطة ونفوذ، ليس فقط في البلد ولكن ربما في العالم، اثنان من الصحفيين في مواجهة كل رجال الرئيس الذي استطاع أن ينهي حرب فيتنام، (كان واحد من شعارت حملته السلام بشرف لوقف الحرب)، ويقف كحجر عثرة أمام النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، وينقذ إسرائيل من هزيمتها في حرب أكتوبر، وتحت يده واحد من أقوى أجهزة المخابرات في العالم، وسلطات فيدرالية ومالية هائلة.
اختار كاتب السيناريو جولدمان السبعة شهور الأولى فقط من عمر الحملة الصحفية المثيرة، واعتبرها أكثر دراماتيكية، لأنها تمثل مرحلة الشك والتيه وشح المصادر والمقاومة السلطوية متدرجة العنف تجاه كشف الحقيقة، وهي المرحلة التي لولا صمود الثنائي الصحفي فيها، وتشبثهم بجوعهم لكشف الفضيحة حد الإيمان المطلق، ربما لم تكن “ووترجيت” قد تحولت من مجرد أزمة داخلية، إلى مصطلح عالمي يطلق على الفضائح التي تخص كراسي السلطة واستغلال النفوذ والألعاب السياسية القذرة.
هكذا، يمكن أن نربط بين جوهر الفيلم وبين تصميم شريط الصوت، ليس لأن المكالمات مع المصادر تتم من داخل صالة التحرير، ولكن لأن أصوات صالة التحرير مضاف إليها التركيز على انفعالات وعيون الممثلين تعكس هذا الاحتفاء بالجوع الصحفي، والنهم للكشف، والإيمان بأن من حق المواطن أن يعرف كيف تدار دولته التي تدعي الشفافية والنزاهة وديمقراطية الحكم والسلطة.
تجدر الإشارة أيضاً إلى أن صحفية “واشنطن بوست” رفضت أن يتم تصوير الفيلم في صالة التحرير الخاصة بها، فقام ريدفورد –منتج الفيلم- بتأجير استديوهين، وشراء نفس عدد المكاتب الموجودة بالصالة، بتكلفة 500 دولار للمكتب الواحد، من نفس الشركة التي كانت تورد المكاتب للصحيفة، وطباعة عدد ضخم من دليل التليفونات بنفس الشكل المستخدم في عام 72، لتصويرهم في مشاهد البحث عن أرقام التليفونات الخاصة بالمصادر، أو تتبع المتورطين في القضية، كل هذا من أجل تحقيق أكبر قدر من الإيهام بالبيئة الصحفية التي كان يعمل بها الثنائي الاستقصائي، سواء داخل الصالة أو في غرفة رئيس التحرير، وهو أيضاً ما أخذته لجان التصويت في الأوسكار بعين الاعتبار مانحة الفيلم التمثال الذهبي لأفضل إخراج فني.
الليل وعين الإله
ماذا إذن عن المشاهد الخارجية التي يتحرك فيها الثنائي معاً أو منفردين خلال العاصمة الكبيرة، بحثاً عن فتات الحقيقة المتناثرة عبر مساحات سلطوية شاسعة ومتربصة؟.
من السهل أن يدرك المتفرج المساحة التي تشكلها المشاهد الليلية من متن السرد البصري للشريط ككل، فغالبية مشاهد البحث والتقصي تأتي عبر ليلة العاصمة، المناقشات العديدة بين الثنائي في الخارج تتم في سيارة ودورود في ظلام المدينة، اللقاءات المنزلية التي تتم في بيوت المصادر العنيدة، والممانعة في البوح أو الأدلاء بالتصريحات أو تأكيد المعلومات، كلها تصور في أمسيات البيوت الأميركية المغلفة بالظلال والصمت.
وسواء كان هذا من أثر الكتاب المقتبس أو لا، فإن توظيف الليل بما فيه من غلبة للظلام على النور أو تكتل مساحات العتمة والخفوت أو انتصاف الوجوه بين الضوء والظل، كل هذا له دلالة سردية تخاطب لاوعي المتلقي بمهارة إبداعية آسرة، نحن أمام فيلم يتحدث عن حقائق مخفية وعن دروب من التيه البيروقراطي والسلطوي لتكميم الأفواه وطمس الحقائق وإتلاف الأدلة، وأمام أسماء لا نعرف وجوه أصحابها، وأمام أصوات على الهاتف لا نرى عيونها لندرك مدى صدقها من نفاقها أو كذبها، وبالتالي فإن الليل كبيئة بصرية متعددة الدلالات يبدو أصلح الخيارات من أجل التعبير غير المباشر عن كل هذا.
ويمكن تصور أن ما ورد بالكتاب عن المصدر الرئيسي للمعلومة، التي فتحت شهية الثنائي للبحث وراء القضية أو ما كان يعرف بصوت DeepTruth، أي الصوت العميق بلغة الصحافة الذي لا يمكن اعتباره مصدر يمكن الإشارة إليه لا من قريب ولا بعيد، وهو الشخصية التي كان ودورد يلتقي بها في جراجات بعيدة وسط كتل من الظلمة والظلال، دون أن يعرف من هو، ولا موقعه من الجهاز الحاكم، هذه الشخصية التي ورد ذكرها في الكتاب وسط أجواء من الغموض و(النوار) -بالمعنى السينمائي- هي التي أوحت لكاتب السيناريو أن يختار الليل كحالة درامية وذهنية ونفسية لحركة الثنائي، وسط تلاطمات المصادر وعنف الاخفاء وستر الأسرار الذي يعوق كشفهم للحقائق.
ويمكن أن نضيف إلى المشاهد الليلية استخدام المخرج لزاوية عين الإلة العلوية، كما في مشهد مكتبة الكونجرس حيث يجلس الثنائي أمام أكوام من كروت الاستعارة الخاصة بموظفي البيت الأبيض، ليبحثوا عن الكتب التي تمت استعارتها خلال عام كامل، بعد أن وصلتهم معلومة حول أن بعض رجال القضية كانوا يبحثون في خلفية عائلة كينيدي، الخصم الديمقراطي العتيد للجمهوريين وعلى رأسهم بالطبع نيكسون.
في هذه اللقطة ترتفع زاوية الكاميرا بالتدريج عن الطاولة التي ينكبون عليها، لنرى الثنائي في المنتصف، تظهر حولهم دوائر من المقاعد وطاولات المطالعة، التي تمثل متن صالة المكتبة الضخمة، وهي لقطة متعددة الدلالات في علوها، تعكس أولاً كونهم مراقبين من سلطة أعلى، ذات نفوذ يسمح بإمكانية رصد نشاطهم في البحث، وثانياً وجودهم في عمق الدوائر التي تحيط بالأسرار، ومحاصرتهم من قبل هذه الدوائر السلطوية بشكل مرهص لما سوف يلاقونه فيما بعد من تعنت وتهديدات، وثالثاً تعكس الزاوية بما تشكله من خطوط منحنية متقطعة إحساس المتاهة، التي يصعب الوصول إلى منفذ منها مع كم الأسرار والغموض اللذان يحيطان بالقصة ويشكلان متنها المربك.
وثمة أيضاً مشهد آخر ترتفع فيه الكاميرا بزاوية علوية تدريجية لكنه في الخارج هذه المرة!
حين تقع قائمة من أسماء العاملين بحملة إعادة انتخاب نيكسون في يد الثنائي، دون تمييز للوظائف أو المهام التي يقوم بها كل اسم، ليجدون أنفسهم أمام حالة من التشتت والضياع وسط حيرة منفرة! هنا نسمعهم وهم يتلون الأسماء على بعضهم بينما تتحرك سيارتهم وسط الشوارع، وتدريجياً ترتفع زاوية الكاميرا في لقطة نهارية – غروبية- مع استمرار تلاوة الأسماء صوتياً، ليعكس المشهد أنهم تائهون في المدينة الواسعة دون خطة أو بوصلة واضحة للاتجاه، كأنهم يبحثون وسط أكوام من قش العاصمة الهائلة عن إبرة يمكن أن تشكل رأس حربة لقصتهم الاستقصائية التي يؤمنون بها حد الجوع.
الزمن المعاش
رغم أن الفيلم مبني على كتاب توثيقي لرحلة الثنائي الشهير، إلا أن السيناريو تعمد بشكل واضح ألا يلجأ إلى الأساليب التوثيقية التقليدية في عرض زمن الأحداث سواء التاريخ أو الوقت!
هناك إصرار سردي في دراما الفيلم يوازن ما بين الإثارة النوعية وبين الواقع، رغم أنه كان من السهل أن تظهر أسماء الأماكن والتواريخ مكتوبة على الشاشة، لكن السيناريو يبطن الأحداث بالزمن، دون صراحة واقعية، فنجد التواريخ تأتي عرضاً على الوثائق أو صفحات الجرائد أو وسط الأحاديث والحوارات الأستقصائية التي يجريها الثنائي، ونجد المشهد العالمي للحقبة ككل يأتي عبر مشاهد اجتماع التحرير الأسبوعي الذي يستعرض أهم أخبار الدنيا خارج أميركا، لا يوجد مشهد واحد يحتوي على إشارة مباشرة للتاريخ أو الوقت الذي استغرقته الحملة منذ بدايتها.
يبدو الزمن ككتلة واحدة طويلة وثقيلة الوطأة على الثنائي أثناء انطلاق رحلة التقصي، لا ندرك كم من الشهور مرت على انطلاق الحملة لكننا نشعر أن ثمة وقت طويل مضى وهم في تقدم بطيء، لا يلبث أن يتعثر بشكل عنيف عندما يتم الإيقاع بهما في النهاية عبر معلومات مضللة أو غير مكتملة، حول تورط الرجل الثاني بعد نيكسون في عمليات تمويل الحملات السرية المضادة للحزب المنافس، هذا الفخ المحكم الذي كاد ان يودي بالحملة ككل، والذي ينتهي به الفيلم كذروة عنيفة للصراع بين حرية الصحافة وبطش السلطة النافذة.
هذه النهاية التي تأتي عقب لحظة انتصار كبرى، بالوصول إلى الاسم وتأكيد تورطه في القضية، تبدو صادمة ومقلقة وغير مريحة، لكنها في نفس الوقت تمثل هدف نفسي وذهني قوي في مرمى المتفرج؛ نحن لسنا أمام فيلم إثارة تقليدي ينتهي بانتصار قوى الخير والحق على ظلال الفساد والقهر، بل هي لحظة تبجيل متقنة للدور الذي يلعبه الإعلام في الدول الحديثة، وفي خضم التقدم الحضاري والمدني والحقوقي المزعوم من قبل سلطات تدعي الديمقراطية والشفافية والشرف.
في النهاية، وعقب مرور شهور لا ندرى كم عددها على وجه التحديد، يصل الثنائي إلى لحظة يختبر فيها إيمانهم بأهمية ما يفعلوه وقيمته وهدفه النبيل.
ينتهي All the President’s Men على عناوين تكتب على التيكرز (جهاز استقبال الأخبار قبل عصر الشاشات والديجيتال) تعكس استمرار الثنائي في حملتهم لعامين تاليين، حتى نجاح الرأي العام الذي تشكل بالكشف عن الأسماء والتفاصيل في الضغط على نيكسون من أجل تقديم استقالته في سبتمبر 1974بعد مرور عامين من بداية الحملة.
لا يمكن إغفال حساسية التعامل مع الزمن في فيلم قائم بالأساس على وقائع موثقة بالتاريخ والوقت، كجزء من توطين الرسالة العامة، نحن لسنا أمام توثيق أو بحث جامد، لكن أمام تسييل لمشاعر وافكار تخص الواقع المعاش، دون التورط فيما يمكن أن يشتت وعي المتفرج، واستغراق أحاسيسه في صلب الموضوع، وليس في هوامشه التي يسهل الوصول إليها عبر قراءة الجرائد.
الأفلام هي وسائط وجدانية، تمزج ما بين الوعي العقلي والحركة الشعورية المفعمة بالخواطر والتقلبات، والزمن هو واحدة من العناصر الفعالة في صياغة هذه التركيبة، وبالتالي لا يمكن إنجاز هذا الكم من الحضور الدرامي المؤثر عبر نصف قرن دون أن يكون ثمة رؤية دقيقة ومبدعة وراء توظيفه.
في النهاية، نعود للإجابة على سؤال بيرنشتاين في لحظة يأس قاتمة كان من الممكن أن تقصم ظهر رحلتهم:
“إلى أي مدى يمكنك الاستمرار في أمر ما بعد النقطة التي يتوقف فيها إيمانك به؟”
فيجيبه ودورد بشكل حاسم وقاطع: “لابد إذن أن نبدأ من جديد!”
ربما كان هذا واحداً من أسرار بقاء All the President’s Men في ذاكرة السينما بفارق 50 عاماً على إنتاجه.
إنه فيلم كلما انتهى.. يبدأ من جديد!
* ناقد فني
