سماهر سيف اليزل

قال الخبير والاستشاري في التربية الخاصة أسامة مدبولي: «لطالما ساد الاعتقاد بأن التوحد اضطراب يصيب الذكور بشكل رئيسي، لكن الأبحاث الحديثة أحدثت تحولاً جذرياً في هذا المفهوم، إذ أثبتت أن النساء والفتيات يمكن أن يكنَّ مصابات بالتوحد أيضاً، بل وغالباً ما تُشخَّص حالاتهن بشكل خاطئ أو متأخر، ويعود ذلك إلى الاختلافات الدقيقة في طريقة ظهور الأعراض لديهن، فضلاً عن العوامل الاجتماعية والبيولوجية المعقدة».

وأضاف: «تشير الدراسات والإحصاءات العالمية إلى أن نسبة انتشار التوحد بين الذكور أعلى بكثير منها بين الإناث، بمعدل يصل إلى أربعة ذكور مقابل كل أنثى واحدة. هذه الفجوة المثيرة للتساؤل لا تعني بالضرورة أن الإناث أقل عرضة للإصابة، بل يُعتقد أنها تعود جزئياً إلى صعوبة اكتشاف التوحد عند الإناث أو قدرتهن الفائقة على «التمويه» أو إخفاء اختلاف أساليبهن الاجتماعية. وهذه القدرة على التمويه، وإن كانت تساعدهن على الاندماج الاجتماعي، إلا أنها تأتي على حساب صحتهن النفسية وتقدير الذات، مما يؤدي إلى مستويات أعلى من القلق والاكتئاب. إن عدم حصولهن على التشخيص الصحيح يتركهن يعانين بصمت، مما يزيد من معاناتهن وصعوباتهن في الحياة اليومية، وقد يصل الأمر إلى ارتفاع معدلات الانتحار بين النساء المصابات بالتوحد غير المشخَّصات. لذا فإن فهم هذه الاختلافات والتشخيص الدقيق له دور حيوي في تمكين هؤلاء النساء من الحصول على الدعم والموارد التي يحتجنها لتحقيق حياة أفضل».

وأكد أن «التوحد عند النساء يمثل جانباً مهماً يتطلب المزيد من الوعي والفهم والبحث. فمن خلال تسليط الضوء على هذه الفروقات الدقيقة، يمكننا أن نخطو خطوات واسعة نحو تشخيص أفضل ودعم أكثر فعالية للنساء والفتيات المصابات بالتوحد، مما يمكّنهن من تحقيق إمكاناتهن الكاملة والعيش حياة كريمة ومرضية. إن فهم التوحد كطيف واسع من التجارب، وليس كحالة واحدة، أمر بالغ الأهمية لتحسين جودة حياة جميع المصابين به».

وحول العلامات الرئيسية للتوحد عند النساء والفتيات قال مدبولي: قد تظهر أعراض التوحد عند النساء والفتيات بطرق مختلفة عن الرجال، وغالبًا ما تكون أقل وضوحًا أو تُفسَّر بشكل خاطئ، مما يجعل عملية التشخيص أكثر تعقيداً. ومن أبرز العلامات التي قد تشير إلى الإصابة بالتوحد:

الصعوبات الاجتماعية: على الرغم من رغبتهن في التواصل، قد تجد النساء المصابات بالتوحد صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية غير اللفظية والاستجابة لها. وقد يفضلن التفاعل مع شخص واحد على حضور التجمعات الكبيرة التي تشعرهن بالإرهاق، ويعانين من قلق اجتماعي مرتفع.

حساسية الحواس: العديد من النساء المصابات بالتوحد لديهن حساسية شديدة تجاه المحفزات الحسية مثل الأصوات العالية، الأضواء الساطعة، الروائح القوية أو لمس بعض الأقمشة. هذه الحساسية قد تتجاوز مجرد الكراهية لتصل إلى عدم القدرة على تحملها على الإطلاق، مما يؤثر على قدرتهن على التواجد في أماكن معينة أو النوم بشكل مريح.

مشكلات الوظائف التنفيذية: تواجه الكثير من النساء صعوبة في تنظيم المهام اليومية، والتفكير المرن، والتحكم في الذات. قد يشمل ذلك صعوبة في الحفاظ على نظافة المنزل، الالتزام بالعادات الصحية أو إتمام المهام الروتينية البسيطة.

اهتمامات شديدة ومتخصصة: تميل النساء المصابات بالتوحد إلى امتلاك اهتمامات عميقة ومتخصصة في مجالات معينة. قد تتركز هذه الاهتمامات على مواضيع مثل علم النفس، فهم الدماغ البشري، أو الانشغال الشديد بعلاقات معينة (شخصيات مشهورة، شركاء عاطفيين). كثيرات منهن باحثات ذوات كفاءة عالية وينجذبن إلى المهن أو الهوايات التي تتطلب مستوى عالياً من التركيز.

الانهيارات العاطفية وصعوبة ضبط المشاعر: تعاني العديد من النساء المصابات بالتوحد من صعوبة في تنظيم مشاعرهن، مما يؤدي إلى ردود فعل عاطفية شديدة وغير متناسبة مع الموقف، مثل نوبات غضب، بكاء شديد أو الانسحاب التام. ويُعزى ذلك غالباً إلى ضعف التواصل بين المراكز العاطفية والمنطقية في الدماغ.

صعوبات النوم: تنتشر مشكلات النوم بين النساء المصابات بالتوحد، وترتبط غالباً بحساسية الحواس لديهن، مثل الحساسية العالية للضوضاء ليلاً وصعوبة الشعور بالراحة، خاصة عند وجود شخص آخر في الغرفة.

صعوبات التواصل البصري: على الرغم من أن النساء قد يتعلمن إجبار أنفسهن على التواصل البصري بمرور الوقت ليبدون طبيعيات، إلا أن هذا التواصل قد يظل غير مريح وغير طبيعي بالنسبة إليهن.

السلوكيات المتكررة: هي سلوكيات متكررة يمارسها المصابون بالتوحد لضبط النفس أو التعامل مع التحفيز الحسي. وبينما قد تكون بعض هذه السلوكيات واضحة مثل الهز أو خبط اليدين، فإن النساء قد يظهرن سلوكيات «تمويهية» أكثر مثل وخز الجلد، فرك القدمين أو لف الشعر، وقد لا يكنَّ واعيات لها.القلق والاكتئاب والإدمان: نظراً لصعوبة الحياة على الكثير من النساء المصابات بالتوحد بسبب الضغوط الة بالتمويه والصعوبات اليومية، فمن الشائع أن يواجهن مشكلات نفسية مثل القلق، الاكتئاب أو حتى الإدمان. كما أن لديهن نسبة انتحار أعلى بكثير من المعدل المتوسط، ويُعتقد أن ذلك يرتبط بدرجة الإخفاء أو التمويه التي يمارسنها.

وأشار إلى أن عوامل التشخيص المتأخر تعود إلى امتلاك الإناث المصابات بالتوحد قدرة أكبر على إخفاء أو تمويه الأعراض مقارنة بالذكور، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص أو تشخيصهن بشكل خاطئ، ويحرمهن من الدعم والرعاية المبكرة. ذلك بالإضافة إلى اختلاف التعبير عن الأعراض، حيث إنه على الرغم من تشابه الأعراض الأساسية، تظهر الفتيات غالبًا صعوبات أكبر في التفاعل الاجتماعي، وقدرة أقل على التكيف، ومشكلات عاطفية ومعرفية ولغوية أعمق. كما أن لديهن ميولاً أكبر نحو التصرف العدواني أو المعاناة من الاكتئاب والقلق.

كما أن الكثير من معايير تشخيص التوحد تم تطويرها بناءً على دراسات أُجريت على الذكور، ما يجعل بعض مظاهر التوحد عند الإناث أقل وضوحًا أو مختلفة، وبالتالي لا تُكتشف إلا في الحالات الشديدة، أو عندما تتفاقم الأعراض.

ونوّه مدبولي بأن الإناث يواجهن ضغوطاً اجتماعية أكبر للاندماج والتكيف، مما يدفعهن إلى بذل جهد مضاعف لإخفاء الأعراض. ومع مرور الوقت قد يؤدي هذا الجهد إلى انهيارات نفسية أو تفاقم المشكلات العاطفية، فتظهر الأعراض بشكل أكثر حدة عند التشخيص.

وبيَّن أن هناك تحديات إضافية للبنات المصابات بالتوحد في فترة المراهقة مع تغيّر احتياجاتهن الاجتماعية والتعليمية، إذ يصبح تعديل السلوك أمراً حيوياً في هذه المرحلة لتعزيز استقلاليتهن وتطوير مهارات التفاعل الاجتماعي. ويمكن لتقنيات التعديل السلوكي والمساعدة الاجتماعية أن تلعب دوراً كبيراً في توجيه المراهقات نحو تحسين سلوكياتهن وقدراتهن على التكيف.

واستعرض بعض النصائح للتعامل مع التوحد عند البنات المراهقات: الفهم والتوعية: على الأهل والمعنيين أن يكونوا على دراية بتفاصيل الحالة ومتطلباتها المتغيرة. التواصل الفعال: تشجيع التواصل بجميع أشكاله (لفظي، إشارات، صور). تقديم الجداول البصرية والروتين: توفير جداول زمنية واضحة ومتوقعة للأنشطة اليومية لخلق بيئة منظمة ومستقرة. التفهم والاحترام: التعامل مع المراهقات باحترام وتفهم عميق لاحتياجاتهن واختلافاتهن، وتقديم الدعم العاطفي والاجتماعي. الدعم التعليمي: توفير بيئة تعليمية مناسبة تتماشى مع احتياجاتهن الخاصة، والاستعانة بمعلمين متخصصين. تشجيع الاستقلالية: دعم تطوير مهارات الاستقلالية واتخاذ القرارات الصحيحة. دعم الصحة النفسية: مراعاة الصحة النفسية وتوفير الدعم اللازم لمواجهة أي تحديات نفسية أو عاطفية. التفاعل الاجتماعي: تشجيع المشاركة في أنشطة اجتماعية آمنة ومناسبة تعزز مهارات التواصل والعلاقات. التوجيه المهني: في مرحلة البلوغ، توفير الدعم والتوجيه المهني لمساعدتهن في اختيار مسار حياتهن المهني. الاستماع والتكيف: الإصغاء الدائم لاحتياجات المراهقات والتكيف مع تغيّر اهتماماتهن بمرور الوقت.

وحول رحلة العلاج قال مدبولي: إن التعامل مع التوحد عند النساء والفتيات أمر حيوي لتحسين جودة حياتهن وتعزيز اندماجهن في المجتمع. ويتطلب ذلك فهمًا عميقًا لاحتياجاتهن الفردية وتحدياتهن. كما يضمن التشخيص الصحيح حصول المصابات على الدعم المناسب والوصول إلى الموارد المتاحة.

وتشمل طرق العلاج والتأهيل الشائعة: العلاج السلوكي التطبيقي (ABA): يهدف إلى تعزيز السلوكيات الإيجابية وتقليل السلوكيات غير المرغوبة. العلاج النطقي: لتحسين مهارات اللغة والتواصل اللفظي. العلاج بالمهارات الاجتماعية: لتعليم كيفية التفاعل مع الآخرين وفهم قواعد السلوك الاجتماعي. العلاج الوظيفي: لتحسين المهارات الحركية والحسية والقدرة على أداء المهام اليومية. العلاجات التنموية: تستهدف تطوير القدرات والمهارات الشخصية. الأدوية: لمعالجة أعراض معينة مصاحبة للتوحد مثل القلق أو الاكتئاب أو نوبات الصرع. التدخلات الغذائية: قد تساعد بعض النظم الغذائية الخاصة في تحسين الأعراض لدى بعض النساء.

شاركها.