العقل أمانة حملها الإنسان، ومنحة الله التي مكنته من التميز وصناعة الرفاهية والمعرفة، وجعلته في حراكٍ للبحث والتقصي، وبه ساد الكون المعلوم لديه، وأداته التي أنتج به الحضارة الإنسانية على الأرض، وواجه بها التحديات والكوارث ليبقى خليفة الله في الأرض. فالعقول تتغذى على العقبات والبحث عن الحلول، وضمان استمرارية هذه العبقرية يقتضي ديمومة التفكير، والتأمل والتدبر، لأن العقول تنمو وتتطور بضغط الحاجات، فلا ينبغي على الإطلاق تعطيل العقل عن إنتاج الفكرة، والنص والحوار، ولا يجب إعفاؤه عن مهامه اليومية أو الآنية، وينتقل ذلك بالإنابة إلى تلك البرمجيات الصماء لتفكر عنه ؛ لما يعمل وهناك من ينوب عنه، يفكر ويقترح ويصيغ ويقدم أفكاراً. هناك عقل يستدعيه، يحاوره ويوجهه معتمداً على مليارات الخوارزميات التي تستجيب له في جزء من الثانية، تجيب وتطرح تعليقاتها، وتوهمه أنها معه وتشعر به في أكبر أكذوبة صنعها الإنسان. إن تأثيرات الذكاء الاصطناعي على عقول الشباب والأطفال كارثية حين يُساء توظيفها فقط لتعمل بدلاً منه تصوغ مشروعه، وتكتب أفكاره، وتنجز له مهامه في حالة من تخدير العقل.
عبقرية العقل البشري المبدع هي من صنعت تلك الذكاءات الاصطناعية، وهو ذاته من يسعى إلى تدمير قدراته حين جعل تلك المعادن تحاكي شبكاته العصبية وتعمل بالطريقة نفسها في معالجة الصور والكلمات والأصوات بل أحياناً الأحاسيس.هذه العقول المعدنية جعلت البشر يقفون احتراماً وتهليلاً لها، طفرة أعادت هيكلة التقنية، وخدعت الجميع، خاصة المبتدئين أو معدومي الثقافة الذين رأوا أن حصيلة العلم يمكن أن تتبلور في جملة يكتبها ليجد مئات الآراء تصل إليه طواعية. فهذه ليست ثقافة، بل خدعة وتسطيح غير واعٍ للمعرفة وأفكار هشة تبعد كثيراً عن اليقين. إن هذه الأدوات الزهيدة تقدم للبشرية أكبر عملية سطو مرت بها، وهي احتيال العقل البشري على عقله حين عطّل مهارات تفكيره. فالاستمرار في الاعتماد على تلك الوسائل يعني تحول العقول البشرية إلى مسخ، وستقل حتماً معدلات الذكاء بالتدريج لدى الجميع، وسيتحول العقل البشري إلى عضو يؤدي وظائف ولا يفكر. فالعقل يفضل أن يبقى بعيداً عن الإرهاق الذي هو في الأصل وقود عمله ومحركه.
والنتيجة: أبناء بلا مهارات، جيل محتال على المعرفة يحصل عليها بضغط الحروف، يحلم فتتحقق الأمنيات، وسيصبح التعلم بالتدريج بلا معنى. كيف سنقنع طلابنا أن التفكير مناط العلم ووسيلة المعرفة؟ كيف يقف التربويون يراقبون قدرات طلابهم في حل المشكلات، وفي نقد التفكير وإبداعاته ؟، كيف سنمكنهم من الطلاقة والمرونة والأصالة، وكشف ما وراء المعرفة، والاستقراء والاستنباط ؟ كيف نعلمهم؟ ولماذا؟ والطالب حين يفرغ من قاعة الدرس تبدأ رحلته مع تلك الخوارزميات، فينهل منها معتقداً أنها آلهة المعرفة. واقع فُرض بسطوة ستصنع العديد من المتلازمات، أهمها (متلازمة العقل البديل أو الزائف) فهذا وصفي لها، خاصة في المجتمعات التي لا تعي الفرق بين الوسيلة والغاية. قد تصلح، وتصلح تلك التطبيقات كأدوات تُسخر لخدمة البحوث العلمية والمعرفة لكنها ليست مصدراً للمعرفة. لا يمكن أن ننسلخ عن التكنولوجيا أو ننعزل في رجعية مقيتة عنها، بل يجب أن نتابعها ونوظفها في نصابها الصحيح. نحن في مرحلة خطيرة يتحدى فيها العقل البشري نفسه، كل ما أخشاه أن تُحسم المعركة بسحق المنهجية الفكرية وإبداع إنتاج الكلمة من عمق النفس والفكر من بنات أفكار العقل البشري، وعلينا جميعاً أن نعي ذلك. كل التحية والإجلال للعقول التي صنعت الحضارة وأنتجت خزائن المعرفة والعلوم.
