صوّت مجلس الأمن الدولي على إنهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) بحلول نهاية عام 2026، بعد نحو خمسة عقود من انتشارها في جنوب لبنان، وذلك إثر ضغوط مارستها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حلفائها الأوروبيين.

القرار الذي اتُخذ بالإجماع جاء في وقت حرج بالنسبة للبنان، الذي لا يزال يتعافى من الحرب المدمرة بين إسرائيل وحزب الله العام الماضي، وهي حرب تركت مناطق واسعة من الجنوب في حالة خراب رغم وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر.

ضغوط أمريكية وتسوية فرنسية

واشنطن كانت قد أصرت في البداية على إنهاء مهمة اليونيفيل خلال عام واحد، معتبرة أن القوات لم تعد تحقق الهدف المرجو منها، بحسب ما كشفه مسؤولون لبنانيون ودبلوماسيون غربيون. لكن الولايات المتحدة قبلت لاحقاً بتسوية فرنسية تنص على تمديد المهمة حتى نهاية عام 2026، وهو ما مهد الطريق لإصدار القرار يوم الخميس.

وجاء في نص القرار أن المجلس “يقرر تمديد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة تمهيداً لانسحاب منظم وآمن لقواتها اعتباراً من نهاية العام المقبل”، مشدداً على أن الجيش اللبناني سيكون القوة الوحيدة المسؤولة عن حفظ الأمن جنوباً بعد ذلك التاريخ.

دور الجيش اللبناني وحزب الله

ينص اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في نوفمبر الماضي على انسحاب عناصر حزب الله شمال نهر الليطاني، على بعد 30 كيلومتراً من الحدود التي رسمتها الأمم المتحدة، لإفساح المجال أمام الجيش اللبناني لتولي المسؤولية الأمنية.

اليونيفيل تعاونت مع الجيش اللبناني منذ ذلك الحين في تفكيك أكثر من 500 منشأة لحزب الله، شملت مخازن ذخيرة وأنفاقاً ومخابئ مفخخة.

لكن مسؤولين لبنانيين يرون أن قدرات الجيش غير كافية للسيطرة على الجنوب من دون دعم دولي. أحدهم قال: “الولايات المتحدة تطلب منا السيطرة على الجنوب وإبعاد حزب الله، لكنها في الوقت نفسه تسحب أحد أهم الحلفاء الذين ساعدونا على ذلك”.

مهمة اليونيفيل عبر العقود

تأسست قوات اليونيفيل عام 1978 لمراقبة انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بعد اجتياحها الأول. ومع مرور الوقت، تحولت مهمتها إلى رصد أنشطة إسرائيل وحزب الله في الجنوب وتوثيق أي خروقات للخط الأزرق الحدودي.

بعد حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله، توسع دور اليونيفيل لدعم الجيش اللبناني في السيطرة على الجنوب، غير أن هذا الاتفاق لم يُنفذ بالكامل.

حالياً تضم القوات نحو 11 ألف جندي ومعدات من 48 دولة، ما جعلها واحدة من أبرز مهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الشرق الأوسط.

انتقادات من جميع الأطراف

اليونيفيل تعرضت مراراً لانتقادات من الطرفين المتنازعين. إسرائيل اتهمتها بالتغاضي عن أنشطة حزب الله، فيما انتقد الحزب بدوره وجودها واعتبرها أداة غربية.

وخلال التصعيد العسكري العام الماضي، استهدفت القوات الإسرائيلية قواعد لليونيفيل، ما أدى إلى إصابة جنود وتدمير بنى تحتية، كما فقد بعض الجنود حياتهم جراء هجمات نسب بعضها إلى حزب الله.

موقف الأمم المتحدة

قبل التصويت، قال المتحدث باسم القوة، أندريا تيننتي: “اليونيفيل أكثر أهمية اليوم مما كانت عليه في الماضي. لبنان لديه فرصة لاستعادة سلطة الدولة في الجنوب ونحن نساعدهم في ذلك، لكن الأمر يحتاج وقتاً لبناء جيش قوي”.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذّر من أن انسحاب القوات يجب أن يتم بشكل منظم لتجنب فراغ أمني قد يعيد إشعال الصراع في الجنوب.

خلافات دولية وتحديات مقبلة

روسيا والصين أعربتا عن قلقهما من القرار، ورأتا أن إنهاء المهمة يهدد استقرار لبنان والمنطقة، فيما أكدت الدول الأوروبية أنها حاولت التوصل إلى حل وسط يضمن انتقالاً تدريجياً للمسؤوليات.

في المقابل، تصر واشنطن على أن استمرار اليونيفيل يمثل هدراً للموارد، وأن وجودها يؤخر تعزيز دور الجيش اللبناني في مواجهة حزب الله.

مستقبل الجنوب اللبناني

مع اقتراب موعد الانسحاب في نهاية 2026، تتزايد المخاوف من قدرة لبنان على ملء الفراغ الأمني. الحكومة اللبنانية أعلنت هذا الشهر موافقتها على خطة لنزع سلاح حزب الله، لكنها أقرت بأن تطبيقها سيكون أصعب بكثير من دون دعم اليونيفيل.

وفي الوقت نفسه، يواصل الجيش الإسرائيلي احتلال خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية على طول الحدود. ووفق تقارير صادرة عن منظمات حقوقية، بينها العفو الدولية، فإن القسم الأكبر من الدمار في جنوب لبنان وقع بعد توقيع وقف إطلاق النار في نوفمبر، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني وغياب ضمانات لاستمرار الاستقرار.

شاركها.