إنّ الاحتراف الرياضي لا ينشأ بقرار إداري عابر، ولا يكتمل بمجرد انتقال اللاعب من الهواية إلى الاحتراف المدفوع، بل يتأسس حين يلتقي الطموح الوطني بإطارٍ قانوني منظم، يجعل من الرياضة قطاعاً مؤسسياً تحكمه القواعد وتضبطه المعايير؛ ومن هنا تبرز التجربة البحرينية بوصفها تجربة واعية أدركت مبكراً أن التطور الرياضي لا ينفصل عن البناء التشريعي، بل يتقدّم به ويستند إليه.
لقد شهدت البحرين خلال السنوات الأخيرة حراكاً رياضياً نوعياً، لم يكن قائماً على الإنجاز الميداني فحسب، بل على تأسيس بنية مؤسسية داعمة، تجلت في مبادرات ومشروعات تعكس فهماً عميقاً لمعنى الاحتراف بوصفه نظاماً قانونياً وإدارياً متكاملاً، وفي مقدمة هذه المبادرات برزت مؤسسات وطنية فاعلة كمؤسسة «طموح» عبرت عن وعي مؤسسي متقدم يدرك أن الممارسة الحديثة تستوجب نصاً حديثاً، وأن الاستثمار الرياضي لا يستقيم دون ضمانات قانونية واضحة.
ويأتي هذا المسار امتداداً للمسيرة التنموية الشاملة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه التي أرست دعائم دولة القانون والمؤسسات، وجعلت من التحديث التشريعي خياراً استراتيجياً يشمل مختلف القطاعات، ومن بينها القطاع الرياضي، كما تجسدت هذه الرؤية في قيادة رياضية واعية يقودها سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، وبدعم سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة نائب رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، حيث تلاقت الإرادة القيادية مع متطلبات الحوكمة لصناعة نموذج رياضي متقدم يقوم على التخطيط والتقنين والاحتراف المنظم.
وإذا كانت دول الخليج قد شهدت تحولات رياضية متسارعة مدفوعة برؤى اقتصادية طموحة، فإن خصوصية التجربة البحرينية تتجلى في منهجية «التوازن التشريعي»؛ حيث يسير التطوير العملي جنباً إلى جنب مع الدعم القانوني المتدرج، في نضجٍ مؤسسي يضمن ألا يسبق الواقعُ التشريعَ ولا يتأخر عنه، فهي تجربة تميل إلى البناء المتوازن، الذي يراعي الطبيعة المؤسسية للدولة، ويعلي من قيمة الحوكمة والضبط القانوني، بما يحول دون الاندفاع غير المنظم، ويؤسس لنمو مستدام.
وبناءً على هذه الأرضية الصلبة، تبرز متطلبات المرحلة المقبلة للارتقاء بهذا المسار نحو آفاق أكثر تخصصاً؛ عبر صياغة أطر قانونية تفصيلية تستوعب أدق صور الاستثمار الرياضي، من عقود احترافية وحقوق بث ورعاية، وصولاً إلى ترسيخ الاحتراف كصناعة مستدامة ونظام قانوني مكتمل الأركان، ينتقل بالرياضة من حيز التنافس الفردي إلى فضاء المنظومة المؤسسية الشاملة.
