حنان الخلفان

في منتصف فبراير، تتزاحم القلوب الحمراء على الواجهات، وتكثر العبارات التي تختصر الحب في هدية أو رسالة عابرة. لكن بين عيد الحب ويوم الميثاق الوطني في البحرين، تقف فكرة أخرى للحب.. فكرة لا تُقاس بلون وردة ولا تُختصر في يوم واحد، بل تُكتب على مهلٍ في ذاكرة وطن اختار أن يصنع مستقبله بالشراكة والثقة.

الحب في صورته السريعة قد يكون لحظة عاطفية، أما في صورته الأعمق فهو التزام طويل يشبه العلاقة التي تربط الإنسان بمكانه الأول. هكذا يبدو الميثاق حين ننظر إليه بعين إنسانية لا سياسية؛ رسالة جماعية حملت معنى الاتفاق أكثر مما حملت توقيعاً، ووعداً كبيراً بأن الطريق نحو الغد لا يُبنى إلا بتلاقي الإرادة والقلوب. لم يكن الميثاق مجرد حدث في التقويم، بل بداية مرحلة أعادت تعريف العلاقة بين الوطن وأبنائه، لتصبح قائمة على الثقة والمسؤولية المشتركة.

وفي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بعيد الحب، تبدو البحرين وكأنها تقدّم نموذجاً مختلفاً لمعنى العاطفة. هنا لا يُختصر الحب في كلماتٍ تُقال، بل يظهر في تفاصيل الحياة اليومية؛ في معلم يبدأ يومه بإيمانٍ بأن رسالته أكبر من حصة دراسية، وفي رياضيٍ يطمح أن يرفع علم بلاده عالياً فوق منصات الإنجاز، وفي دبلوماسيٍ يحمل صورة وطنه إلى العالم بلغة الحوار والحكمة، وفي موظف يرى في عمله مساهمة صامتة في بناء الحكاية، وفي متطوع يختار أن يكون جزءاً من المشهد دون أن ينتظر الضوء. هذا النوع من الحب لا يظهر كثيراً في الصور، لكنه هو الذي يمنح الأوطان نبضها الحقيقي.

وربما يبدأ هذا الحب قبل أن يعرف الإنسان معنى المناسبات نفسها؛ يبدأ في البيوت الصغيرة حين تعلّم العائلات أبناءها أن الوطن ليس كلمة تُردّد، بل قيمة تُعاش. هناك، في تفاصيل التربية اليومية، يتشكل الولاء بهدوء؛ في احترام العلم، وفي قصص تُروى عن الإنجاز، وفي شعور ينمو داخل الطفل بأن انتماءه ليس واجباً مفروضاً بل علاقة طبيعية تشبه علاقته بعائلته. فالأوطان لا تُبنى فقط بالقرارات الكبرى، بل تُصاغ أولاً في قلوب نشأت على أن حب الأرض جزء من حب الحياة.

الحب الذي يليق بالأوطان لا يُختبر في يوم واحد، بل يتجلى في الاستمرار. فالانتماء في البحرين ليس شعاراً موسمياً، بل ممارسة يومية تتجدد مع كل جهد صادق، ومع كل خطوة صغيرة تُبنى فوقها خطوات أكبر. وربما هنا تكمن خصوصية التجربة؛ أن العلاقة بين الوطن وأبنائه تُصاغ بالفعل أكثر مما تُصاغ بالكلمات، وتكبر مع جيلٍ جديد يرى في الميثاق بدايةً للمستقبل لا مجرد ذكرى للماضي.

وتحت ظل الأب الحنون، حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي رسّخ قيم القرب من الناس والانفتاح على المستقبل، تواصل البحرين كتابة فصلها الحديث بثقةٍ متجددة. ويأتي دور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، ليجسّد روح العمل والشراكة، حيث تتحول الرؤى إلى مبادرات ملموسة تلامس تفاصيل الحياة، وتفتح آفاقاً أوسع للأمل. هنا يصبح الحديث عن الميثاق حديثاً عن مسيرة مستمرة، لا عن ذكرى تُستعاد فحسب.

وبصراحة.. مع كل فبراير، حين تعود القلوب الحمراء لتملأ الواجهات، تبدو البحرين وكأنها تكتب رسالتها بطريقة مختلفة؛ فبين وردةٍ تُهدى في لحظة، وعلمٍ يُرفع في ساحة وطن، تتضح الحقيقة البسيطة: أن الحب الأكبر هو ذلك الذي يدفع الإنسان ليكون جزءاً من قصة بلاده. وربما حين يكبر الجيل القادم وهو يرى الميثاق كمساحة أمل لا كحكاية بعيدة، سيدرك أن أجمل علاقات الحب ليست تلك التي تبدأ بكلمة.. بل تلك التي تستمر بفعلٍ يومي يصنع المستقبل.

شاركها.