أمل محمد أمين

يُعدّ العنف الأسري من أخطر القضايا الاجتماعية التي تقوّض أمن الأسرة وتماسكها، فهو ليس مجرد فعل لحظي يسبب الألم، بل هو سلسلة من الأذى النفسي أو الجسدي أو الاقتصادي التي تُمارس داخل إطار الأسرة، غالباً في الخفاء، تاركاً آثاراً عميقة تمتد لسنوات طويلة. ويكتسب الموضوع أهمية متزايدة في ظل تزايد الوعي المجتمعي بما يخلّفه العنف من دمار على الأفراد وبُنى المجتمع.

العنف الأسري هو أي سلوك مسيء يصدر من أحد أفراد الأسرة تجاه فرد آخر بهدف السيطرة أو الإيذاء أو الترهيب. وقد يأخذ أشكالاً متعددة مثل العنف الجسدي، النفسي، اللفظي، الاقتصادي، بالإضافة إلى الإهمال وسوء المعاملة. وتتعدد الأسباب التي تؤدي إلى انتشار هذا السلوك؛ منها العوامل النفسية كاضطرابات الغضب، والعوامل الاقتصادية كالضغوط المعيشية، والعادات والتقاليد التي تبرر السيطرة، أو تفضل طرفاً على آخر، وضعف الوعي القانوني، إلى جانب التجارب السابقة التي تجعل بعض الأفراد يكررون ما عاشوه في طفولتهم.

تتخذ ممارسات العنف الأسري صوراً متعددة، منها الإيذاء الجسدي كالضرب والدفع، والإيذاء النفسي عبر الإهانة والتهديد والتقليل من الشأن، إضافة إلى العنف الاقتصادي الذي يظهر من خلال التحكم في الدخل أو منع التعليم والعمل، والعنف الاجتماعي كعزل الضحية عن محيطها، والعنف اللفظي عبر الشتائم والسخرية.

يترك العنف آثاراً نفسية وجسدية واجتماعية عميقة. فمن الناحية النفسية يعاني الضحايا من القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، ويعيشون بفقدان الثقة بالنفس وشعور دائم بعدم الأمان. وقد يؤدي العنف الجسدي إلى إصابات خطيرة أو دائمة، بينما يظهر التأثير الاجتماعي في شكل عزلة اجتماعية وتراجع الأداء الدراسي أو المهني. ويُعد الأطفال الأكثر تأثراً، إذ يكبرون وهم يعانون من اضطرابات سلوكية وصعوبات في التعلم، وقد يعيدون إنتاج نمط العنف في مستقبلهم.

لا يقتصر أثر العنف الأسري على الأفراد، بل ينعكس على المجتمع بأكمله عبر زيادة معدلات الجريمة، وارتفاع الحاجة إلى الخدمات الصحية والاجتماعية، وإضعاف البنية الاجتماعية نتيجة إنتاج أجيال تعاني من الاضطرابات النفسية والسلوكية. كما يؤدي إلى تراجع قيم التراحم والتوازن داخل الأسر.

للحد من العنف الأسري يجب نشر الوعي بخطورته، وتوفير مراكز للدعم والاستشارات الأسرية، وتطبيق قوانين واضحة توفر الحماية اللازمة للضحايا. كما يجب تمكين المرأة اقتصاديًا وتعليميًا، وتشجيع الضحايا على الإبلاغ دون خوف، وتقديم برامج تدريبية للآباء والأمهات تساعدهم على إدارة الخلافات بطرق تربوية إيجابية.

أما علاج ضحايا العنف فيتطلب تقديم دعم نفسي مستمر من خلال الاستشارات المتخصصة، وبرامج العلاج النفسي الفردية أو الجماعية، والمساندة الاجتماعية من الأسرة والأصدقاء، وتأمين بيئة آمنة وخالية من التهديد، بالإضافة إلى تعليم الضحايا مهارات التعامل مع الضغوط وبناء الثقة بالنفس، وتشجيعهم على الانخراط في أنشطة تعزز شعورهم بالقيمة والتمكين.

إن العنف الأسري ليس قضية فردية، بل ظاهرة تهدد استقرار المجتمع. ولا يمكن تحقيق التنمية دون بناء أسر يسودها الاحترام والتفاهم. إن تعزيز ثقافة التسامح، وتقديم الدعم والعلاج المناسب للضحايا، وبناء علاقات صحية داخل الأسرة يمثل الطريق نحو مجتمع قوي يحفظ كرامة أفراده ويصون إنسانيتهم.

شاركها.