في الكويت، لا يكون الاحتفال باليوم الوطني وعيد التحرير مجرّد عودة لحدثٍ سياسي مضى، وإنما هو استعادة لروح وطنٍ آمن بأن قوة الدول لا تُقاس فقط بحجم ثرواتها وحدودها، بل بما تمنحه من خيرٍ للإنسان.. أيّ إنسان.
منذ البدايات الأولى، قبل النفط وبعده، عاش في ضمير الكويتيين يقينٌ راسخ:
إن المال أمانة، وأن العطاء صيانة للقيم، وأن ما يُقدَّم لوجه الله لا يضيع.
لهذا لم يأتِ وصف الكويت بأنها «مركز إنساني عالمي» من فراغ؛ إنه حصيلة تاريخٍ ممتد، وتجربةٍ تراكمت عبر عقود، جعلت العمل الخيري نهج دولة وثقافة شعب، لا مبادرات عابرة ولا عواطف موسمية.
القيادة.. حين تصبح الدبلوماسية إنسانية:
يبرز في هذا السياق اسم ودور العائلة الحاكمة لدولة الكويت التي تعتبر أنموذجاً فريداً في الجمْع بين السياسة والرحمة. والتي ترى العمل الخيري مسؤولية أخلاقية تُعبِّر عن ضمير الدولة. وما تم إنجازه هو استمرار لمسيرة ممتدة لمئات السنين من عائلة الحكم، ماضية إلى اليوم في التمسك بنهج ثابت دائم مستمر ولا حياد عنه، ولا يُترَك للمصادفات.
لقد ارتبط اسم الكويت بالمساندة والإغاثة، وبناء الشراكات الدولية، وتكريم روّاد العطاء في الداخل والخارج، ولقد كانت رسالة الدولة منذ نشأتها واضحة إنَّ الدبلوماسية طريق لحياة مزدهرة.
وإذا كانت القيادة أرست الإطار، فإن الشعب الكويتي هو الروح التي تنبض داخله. وتبقى سيرة الدكتور عبدالرحمن السميط رحمه الله مثالاً مضيئاً (وهو مثال لا للحصر)، طبيبٌ ترك رفاه الحياة، وكرّس سنوات عمره لخدمة الفقراء في أفريقيا؛ بنى المدارس والمستشفيات، وأطلق المشروعات التنموية، حيث آمن وعمل بمبدأ «امنحهم المعرفة… قبل أن تمنحهم المال».
فربط العمل الخيري بالعلم والوعي والاستدامة.
بهذه النماذج وغيرها مما لا يُحصى تتجلى حقيقة ثابتة : أن العطاء في الكويت جزء من الهوية. منظومة ممتدة.. من الإحسان الفردي إلى العمل المؤسسي لم يعد العمل الخيري جهد أفرادٍ فقط، بل تحوّل إلى منظومة متكاملة :
مؤسسات وجمعيات خيرية منظمة. صناديق تنموية. مبادرات أهلية وشبابية. شراكات داخلية وخارجية. شفافية وتخطيط وقياس أثر.
هكذا تجسد الكويت العمل المؤسسي الحديث، بما يضمن وصول العون لمستحقيه، وتعظيم أثره، وتحويله إلى تنمية.
ولأن لغة الأرقام شاهدة عادلة، يكفي أن نتوقف عند بعض الإشارات الدالّة، إعلان التبرع بمئات الملايين لدعم الشعوب المنكوبة، تنظيم ورعاية مؤتمرات دولية للإغاثة، دعم برامج صحية وتعليمية وتنموية داخل العالم العربي وخارجه. وهذه بعض الأمثلة عن الدعم الحكومي الرسمي كما ورد في الوثائق:
في مؤتمر المانحين لدعم الشعب السوري عام 2013م أعلن عن تبرّع الكويت بـ300 مليون دولار، وارتفع مجموع التعهدات إلى 1.5 مليار دولار
• ثم جاء المؤتمر الثاني عام 2014م ليُسهم بتعهدات بلغت 2.4 مليار دولار، كان نصيب الكويت منها 500 مليون دولار
أما على المستوى الأهلي والشعبي، وفقاً للإحصائيات، توفر الجمعيات واللجان الخيرية التعليم لآلاف الطلبة من خلال مدارس خيرية لا ربحية، وقامت بتوزيع المعونات الشهرية المقطوعة لما لا يقل عن 50 ألف حالة ومن أبرز إنجازات العمل الخيري الكويتي: توفير التعليم لأكثر من نصف مليون نسمة في الساحتين الآسيوية والإفريقية. كفالة ما يربو على خمسين ألفاً من الأيتام ووفر لهم التعليم والغذاء والكساء. فتح الآلاف من دور العبادة، ودور الرعاية الصحية. حفر عشرات الآلاف من الآبار لتوفير المياه في مناطق الجفاف والمناطق النائية البعيدة عن مصادر المياه.
وتتم هذه الأعمال من خلال ما يربو على الثلاثين جمعية خيرية واجتماعية في وطن النهار دولة الكويت.
هذه الأرقام تؤكد أن العطاء في الكويت خيارٌ استراتيجي أخلاقي.. يتقدم فيه الإنسان على كل اعتبار ، وهي دليل على أن العطاء في الكويت سياسة أخلاقية، تُدار بعقلٍ منظم، وتُقدَّم بلا تمييز في الدين أو اللون أو الانتماء.
ونحن نحتفل باليوم الوطني وعيد التحرير، نستحضر: وطناً قاوم الغزو واستعاد حريته، ووطناً يمد يده للآخرين؛ كأنما يقول: من عرف الألم.. أحقّ بأن يخفّف آلام غيره، ولهذا نقول بأن الكويت.. وطن الحرية والإنسانية معًا.
ومع تركيزي في هذا المقال على الوجه الإنساني الخيري للكويت، إلا أن هذا الوجه لا ينفصل عن حقيقة أخرى مهمّة : أن الكويت بحكمتها ورؤيتها تمارس سياسة متوازنة مع أشقائها في مجلس التعاون الخليجي، ثم في محيطها العربي والإسلامي، ومع دول العالم كافة؛ تجمع بين ثبات المبادئ، وحسن الجوار، واحترام الإنسان. وكان حصاد ما زرعته في كل مجال ومع كافة دول العالم، أن وقف كل العالم معها حين تم غزوها وتحررت وتعافت في فترة قياسية.
بهذه السياسة المتوازنة الحكيمة أمنت دولة الكويت، وعملت بمبدأ أن «قوة الدول لا تُقاس بحدودها فقط.. بل بما تمنحه للإنسان».
فرَحِم الله من مضى من قادتها ورموز عطائها، وأطال الله في أعمار قادتها الحاليين، وحفِظ الله الكويت، وأبقى هذا الوطن قيادةً وشعباً منارة خيرٍ تمتد جذورها في الأرض، وتضيء آفاق العالم.
