حمدي عبدالعزيز

  • كلمة قائد الوطن «أنتم فخرنا».. اختصرت المسيرة
  • عام 1982 كان نقطة التحوّل بلحظة على الكرسي المتحرك غيّرت حياتي
  • المشاركة الدولية الأولى كانت 1983 تلتها ميدالية بارلمبية عام 1984
  • في 1992 بدأ فصل جديد وتحوّلتُ من بطل إلى صانع أبطال رياضيين
  • العمل المؤسسي بالفترة من 1987 2012 لم يكن سهلاً لكنه كان ضرورياً
  • في مرحلة القيادة «2012 حتى اليوم» أطلقتُ مرحلة جديدة من التطوير
  • في «الفريج» تشكّل وعيي بأن الإنسان ليس بظروفه بل بقيمه وأفعاله

منذ ولادته بأحد «فرجان» المحرق عام 1966، لم يشعر رئيس المركز البحريني للحراك الدولي عادل المطوع، بأي تفرقة في الأسرة والفريج بسبب إعاقته، واصطحب قيم وسلوكيات أهل المحرق وفرجانها منذ نعومة أظفاره حتى الآن. دخل ميدان التطوع 1982 عندما قاد الكرسي المتحرك، وبعد شهر فاز بذهبية البطولة المحلية في سباق الجري، وبعدها توالت الميداليات الإقليمية والدولية والبارلمبية، قبل أن يتحول من بطل إلى صناعة الأبطال، لمدة عشرة أعوام قبل أن يسلك الطريق المؤسسي منذ 1987، ثم يستلم الأمانة من الرعيل الأول، ويتولى رئاسة «الحراك»، في 2012 وحتى الآن، حيث وضع بصماته، وجعله منصة جامعة لذوي الإعاقة وقضاياهم.

وفي لقائه مع «الوطن» يسرد المطوع ذكريات مشوّقة، في الرياضة وصناعة الأبطال الرياضيين، بصحبة الشيخ دعيج بن خليفة آل خليفة والرعيل الأول في البحرين ودول خليجية، منوهاً إلى أن المركز البحريني للحراك الدولي يعمل كعائلة واحدة، لذلك كان فيه القسمة والنصيب عندما تزوج من «أم سلطان».

وأشار إلى أن رحلته لم تكن سهلة، لكنها كانت صادقة. وبدأت عام 1982 بحلم صغير، وكبرت بدعم الوطن والقيادة الحكيمة، حيث نجح في تقديم الكثير من المبادرات الناجحة. وطوال مسيرة أكثر من 4 عقود نال المطوع التكريم الوطني والعربي، لكن أفضل تكريم ناله هو عبارة جلالة الملك المعظم: «أنتم فخرنا».. وحول مسيرته الإنسانية والرياضية والتطوعية.. كان لنا هذا الحوار:

هل تذكر الولادة وذكريات البدايات التي شكلت شخصيتك؟

في البدايات تشكّلت القيم، ولدتُ 1966، في أحد «فرجان» المحرق، ونشأتُ في بيئة لم تعرف التمييز، بل غرست في أبنائها قيم المساواة، والاحترام، والوقوف مع الآخر. هناك، تشكّلت شخصيتي الأولى، وتكوّن وعيي بأن الإنسان لا يُعرَّف بظروفه، بل بقيمه وأفعاله.ما تعلمته في الفريج كان أساس كل ما قدمته لاحقاً، حيث الجميع عائلة واحدة، في ترابط وتكاتف قوي، وأسعى أن أنقل كل ذلك في إطار العلاقات مع أعضاء المركز البحريني للحراك الدولي.

في مسيرتك التعليمية.. هل هناك ذكرى أخرى ساهمت في تحديد مسار الحياة بعد ذلك؟

درستُ الابتدائية والإعدادية بمدرسة عمر بن الخطاب، والثانوية في مدرسة الهداية العريقة. ومن الذكريات التي لا تُنسى أن معلم مادة الرياضة بمدرسة عمر بن الخطاب الأستاذ خليفة العامر، شجعني على الانضمام للمركز البحريني للحراك الدولي. وكانت قصة جديرة بالتوقف عندها، وسأذكرها لاحقاً.

وماذا عن العمل وكسب الرزق عقب التعليم؟

عملتُ في سنّ صغيرة، أقل من 18 عاماً، في هيئة الكهرباء والماء عام 1983 حتى تقاعدي في نوفمبر 2012.

ومع عملي التطوعي، أسّستُ ورشةً لتصنيع وتركيب أجهزة السياقة لذوي الإعاقة، وساهمتُ في تأسيس وتشجيع الكثيرين لفتح محلات خاصة بالوسائل المساندة لذوي الإعاقة في الكويت والسعودية وسلطنة عمان وسنغافورة.

حدثت لحظة فارقة في حياتك عام 1982. هل يمكننا أن نسترجعها؟

عام 1982 لم يكن عاماً عادياً؛ كان نقطة التحول. في صالة التدريب، جلست لأول مرة على كرسي متحرك رياضي. لحظة قصيرة لكنها غيّرت مسار حياتي، إذ اكتشفت شغفاً جديداً، ورأيت في الرياضة باباً للثقة، والانطلاق، وإثبات الذات. وبعد أقل من عام واحد، كان أول إنجاز.

قبل أن نتحدث عن قصة أول ميدالية ذهبية.. كيف رأيت الرعيل الأول من قادة قطاع ذوي الإعاقة؟

لقد وضعني الأستاذ خليفة العامر على نقطة البداية، وهناك قابلتُ حنان كمال ومنيرة بن هندي وعصام كمال وغيرهم. هؤلاء لم يشجعوني فقط على التدريب والتفوق الرياضي وحسب، بل كانوا صحبة إنسانية طيبة، أثروا وجداني وشخصيتي مما ساعدني في عملي القيادي الرياضي والتطوعي، لخدمة الوطن والمجتمع وذوي الإعاقة.

بين أول بداية الحلم وميدالية ذهبية وبين عقد من الإنجاز قصة أخرى.. نودّ أن ترويها؟

في بداية الحلم، حققت أول ميدالية ذهبية عام 1983، وفي نفس العام كانت المشاركة الدولية الأولى في بريطانيا، تلاها في العام 1984: تحقيق ميدالية بارالمبية في سباق الجري على الكراسي. لم تكن الميداليات مجرد أرقام، بل رسائل واضحة: «ذوو الإعاقة قادرون على المنافسة، والتمثيل المشرّف، وصناعة الفخر».

وخلال الفترة من 19821992 شاركتُ في بطولات: وطنية، وخليجية، وإقليمية، ودولية، وبارالمبية. وحصدت خلالها العديد من الميداليات، رافعاً اسم مملكة البحرين في المحافل الرياضية، قبل أن اتخذ قراراً جديداً: الانتقال من الإنجاز الفردي إلى صناعة الأثر الجماعي.بعد الأعوام العشرة كلاعب.. إلى أين اتجهت؟

في عام 1992، بدأت فصلاً جديداً، تحولتُ من بطل إلى صانع أبطال، حيث اتجهتُ إلى التدريب، وتلقّيت دورات بارالمبية قارية ودولية، وأسهمت في إعداد أجيال من الرياضيين من ذوي الإعاقة الحركية. فالإنجاز الحقيقي هو أن تصنع من بعدك من يكمل المسيرة.وراء زواجك حكاية.. ما هي؟

مركز «الحراك» كان يجمعنا مثل أفراد العائلة الواحدة، وكان بين الجميع تواصل في إطار القيم العائلية، فطلبت من فاتن كمال أن أتقدم لخطبتها ووافقت، وسارت الأمور بطريقة طيبة، وكان الزواج أيام تحرير الكويت عام 1991.

والحمد لله أثمر زواجنا عن أسرة من 3 أولاد وبنت واحدة. رزقنا الله تعالى بسلطان 31 عاماً يعمل في شركة جارمكو، وسلمان 29 عاماً ويعمل ضابطاً بوزارة الداخلية، وبدر 28 عاماً، ويعمل في قوة الدفاع، ومنيرة 26 عاماً وهي متزوجة، وتعمل في «بوليتكنيك». وسلمان أيضاً متزوج ولديه ولدان، وسلطان وبدر سيتزوجان بمشيئة الله بعد شهر رمضان المبارك.

هل أورثت أولادك قيم الأسرة والفريج؟

نعم. علّمت أولادي ما تعلّمته أنا ووالدتهم في الفريج والمركز، وخصوصاً الودّ والبشاشة والعطاء، وأصبحوا متطوعين بالفطرة، ولم نطلب منهم ذلك، فجميعهم يتطوعون في فعاليات «الحراك» وفي برامج المجتمع المدني وأماكن عملهم، وبعضهم يتطوع دولياً.ما هي الشخصيات التي ساعدتك في بداية مسيرتك؟

كان خلف إنجازاتي كثيرون أبرزهم حنان كمال وصباح الذوادي ويوسف نبهان وغيرهم. ولا أنسى الشيخ دعيج بن خليفة آل خليفة، صانع الأبطال ذوي الإعاقة ورائد التجربة الرياضية لهم بالبحرين.

أذكر أنه في عام 1992 كنا في بطولة دولية في برشلونة، وكان الشيخ دعيج رئيس البعثة، وأعطاني الثقة وجعلني المسؤول الأول عن الوفد في القرية الأولمبية، وكان يتابع معي يوماً بيوم، احتياجات أفراد البعثة وجدول التمارين والمسابقات، كما كان يطلب أن أرتب المنافسات التي سنذهب لمشاهدتها. في هذه المرحلة وصلت لمرحلة متقدمة بفضل هذه الثقة، وذلك العطف الأبوي.

قبل رئاستك المركز البحريني للحراك الدولي، خضت طريقاً طويلاً في العمل المؤسسي. أليس كذلك؟

نعم كان العمل المؤسسي الطريق الأصعب 19872012، ففي عام 1987 انضممت لمجلس إدارة المركز البحريني للحراك الدولي، وفي 1993 ساهمت في تأسيس أول لجان رياضية متخصّصة لذوي الإعاقة الحركية والسمعية. في هذه المرحلة، لم يكن العمل سهلاً، لكنه كان ضرورياً لبناء كيان مستدام يخدم ذوي الإعاقة ويصون حقوقهم.

متى توليت رئاسة المركز البحريني للحراك الدولي؟ وما هي بصماتك فيه؟

في مرحلة القيادة والمسؤولية «2012 حتى اليوم» توليتُ رئاسة مجلس إدارة المركز البحريني للحراك الدولي، مستكملاً مسيرة الرعيل الأول، ومطلقاً مرحلة جديدة من التطوير.

وقد شهد المركز توسعاً في البرامج التعليمية، وتطوير الخدمات الصحية والتأهيلية، وتعزيز الرياضة المجتمعية، وشراكات وطنية وخليجية، وأصبح منصة جامعة لقضايا ذوي الإعاقة في البحرين.

كيف ساعدتكم الرئاسة الفخرية لسمو الشيخة زين بنت خالد آل خليفة؟

عملنا على التوسّع في برامج المركز في ظل الرئاسة الفخرية لسمو الشيخة زين بنت خالد آل خليفة، ونسعى إلى الوصول إلى أكبر عدد من المستفيدين من خلال روضة الحراك، ومركز منيرة بنت هندي للتدخل المبكر، ومركز سمو الشيخة زين للعلاج الطبيعي، وقسم التوصيل.

وسعينا إلى التعاون مع الجمعيات والمراكز في قطاع الإعاقة، فأطلقنا مؤتمر صحة ذوي الإعاقة، ونستعد لتدشين النسخة السنوية الثالثة منه، كما نحتفل سنوياً بيوم الإعاقة العالمي بموضوع يبرز الجهود لخدمتهم وتعزيز مشاركتهم.

الزواج يرتبط بتقبّل المجتمع لذوي الإعاقة والتوظيف يرتبط باستقلاليتهم ومشاركتهم. هل نفّذت مبادرات صنعت فرقاً؟

من أبرز المحطات المؤثرة: عام 2006 نفذنا الزواج الجماعي لذوي الإعاقة برعاية ملكية سامية. وفي عام 2025 شاركنا في إطلاق للبرلمان البحريني لذوي الإعاقة: صوت مباشر لذوي الهمم تحت قبة الحوار الوطني. كما نفذنا مؤتمر صحة ذوي الإعاقة كمنصة علمية ومجتمعية مستدامة، ومبادرات التوظيف والتمكين والاستقلالية.

من أهم بصماتكم «برلمان ذوي الإعاقة». أليس كذلك؟

تعاون «الحراك» مع مجلس النواب لتنظيم «البرلمان البحريني لذوي الإعاقة». كان تجربة متميزة جداً، ويعكس الدعم الحكومي للشباب البحريني من ذوي الهمم، والسعي لتطوير التعليم والخدمات العامة، وتوفير فرص العمل، وإشراكهم في مؤسسات صنع القرار، وصقل قدراتهم، وتطوير مهاراتهم، إيماناً بأهمية دورهم، وتأكيداً لإسهاماتهم في خدمة وطنهم.

لقد نلت الكثير من التكريمات. فما هي أحبها إلى قلبك؟

الكرم من الله سبحانه وتعالى، وكُرّمتُ كثيراً طوال مسيرتي التي تتجاوز 4 عقود.

لكن مقولة جلالة الملك المعظم «أنتم فخرنا».. لحظة لا تُنسى، فأسمى تكريم كان كلمة صادقة من قائد الوطن: «أنتم فخرنا» كلمة اختصرت مسيرة، ومنحت معنىً لكل تعب.

ما هي رؤيتك بعد الإنجاز؟

إلى جانب العمل العام، كنتُ دائماً إنساناً قريباً من الناس، مؤمناً بأن الأسرة، والقيم، والتواضع، أساس أي نجاح حقيقي. ونقلت ما تعلّمته إلى أبنائي، وإلى كل من عملت معهم، فصار التطوع نهج حياة لا وظيفة.

وأرى أن المرحلة المقبلة تتطلّب: توحيد جهود مؤسسات ذوي الإعاقة، وتعزيز الاستدامة، وبناء شراكات أوسع، وتمكين الشباب من ذوي الإعاقة. وأن «يداً واحدة قادرة على صناعة مستقبل أفضل».

ختاماً.. ما هي رسالتك للقراء وذوي الهمم؟

رحلتي لم تكن سهلة، لكنها كانت صادقة. بدأتُ عام 1982 بحلم صغير، وكبرت بدعم وطن وقيادة حكيمة. ورسالتي للجميع ولكل شاب وشابة من ذوي الإعاقة: آمنوا بأنفسكم، واصنعوا أثركم، فالوطن يتّسع للجميع، والإنسان يُخلّد بما يقدّمه لا بما يواجهه.

عادل المطوع خلال حواره مع الـ«الوطن»

شاركها.